-----------------------
العلم والدعوة والجهاد, سيرة وتاريخ
القرآن والتفسير, القصص
-----------------------
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
22/2/1410
النور
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- يوسف عليه السلام في ظلمة السجن. 2- يوسف يدعو في السجن. 3- تقلب يوسف في حياته بين المحنة والمنحة. 4- رؤيا الملك وخروج يوسف من السجن. 5- يوسف على خزائن الأرض. 6- اجتماع الشمل بعد طول الفرقة. 7- العفو عند المقدرة. 8- تعليق على قتل بعض المجرمين وإقامة الحد فيهم.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: نتحدث اليوم عن موقف يوسف عليه السلام، مع امرأة العزيز حيث كانت تراوده عن نفسها، فعصمه الله عز وجل واستجاب دعاءه وصرف عنه كيد هذه المرأة. لكن الخبر انتشر في أرجاء المدينة، وصارت تهمة العار ملصقة بالعزيز وآل بيته، ورأَوْا أنه لا يكف ألسنة السوء عنهم، إلا زجّ يوسف عليه السلام في السجن، لإلصاق التهمة به، رغم معرفتهم أنه بريء. وكانت حالة يوسف عليه السلام، عند دخوله السجن مزيجاً من الحزن والفرح، فأما الحزن، فلأنه سجن ظُلماً، وما سينجم عن ذلك من سمعة سيئة عند من لم يكن مطلعاً على الحقيقة، وكم في سجون العالم أيها الإخوة، من أبرياء مظلومين، أدخلوا السجن إما خطأ، أو ظلماً وعدواناً، فإنا نسلِّي هؤلاء، إن كانوا مسلمين، نسليهم بيوسف عليه السلام، وكيف أنه احتسب الأجر عند الله عز وجل، وصبر على ما أصابه، نسلي هؤلاء الأبرياء، كل من ظلم في قضية، سواء أُدخل السجن بسببها أو لم يُدخل، نسليهم بأن هناك يوماً آخر، تُوَفَّى كلُّ نفس ما كسبت، يومٌ، تقام فيه الموازين ويأخذ كل ذي حق حقه، يقف الناس سواسية أمام الله عز وجل، فيُعرفَ الظالم في ذلك اليوم، ويُفضَحُ أمام الناس، ويأخذ المظلوم حقه.
نقول أيها الإخوة، بأن يوسف عليه السلام حزن على دخوله السجن لأنه كان مظلوماً، وفرح من جهة أخرى، لخروجه من بيت سيدة العزيز، وابتعاده عن المكر والفتنة، وكان السجن فاتحة خير له. ورُبَّ مِحْنَة أيها الإخوة، خاتمتها مِنْحَةٌ، وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة:216].
وصادف أن دخل معه السجن فتيان، من خدم الملك، وهما: رئيس السُّقاة ورئيس الخبازين، بتهمة المؤامرة على الملك، فرأى كل واحد منهما رؤيا قصها على يوسف عليه السلام، فأخبرهما بما علَّمه الله عز وجل من علم المغيبات بما يوحى إليه، قال الله تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [يوسف:35-37].
أيها المسلمون، اغتنم يوسف عليه السلام، فرصة بقائه في السجن، ولم يقلْ بأن هذا سجن، لا يمكن أن يعمل فيه شيئاً، بل قام يدعو إلى الله عز وجل، حاول أن يهدي هؤلاء المسجونين معه، يهديهم إلى الله، وإلى العقيدة الصحيحة، قال تعالى: ياصَاحِبَىِ السّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ m مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذالِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ [يوسف:39، 40]. كم في هذا الموقف درس عظيم لنا أيها الإخوة، وهو أن الإنسان يجب أن يحاول في نشر الخير، وأن يُبلِّغ دين الله عز وجل، وأن يعلِّم الناس الخير، أنى وُجِد، وفي أي ظرف كان، فربما كلمة حق تقولها أخي المسلم، تخرج منك بإخلاص، تهدي بها إنساناً ضالاً، وربما لا يكون تأثيرها إلا بعد سنوات، لا تَحقِرَّنَّ أخي المسلم من المعروف شيئاً، هذا يوسف عليه السلام، وهو في ظلمات السجن، كلما سنحت له فرصة، دعا إلى الله عز وجل.
أيها المسلمون، بعد تلك السنين التي قضاها يوسف في السجن، شاءت العناية الإلهية، أن يخرج يوسف من سجنه، بل ويتربع في أعلى المناصب الدنيوية، وإذا أراد الله عز وجل شيئاً هَيَّأَ له الأسباب، وهذه هي عاقبة الصبر أيها الإخوة. الإنسان يُخلَق وتُخلَق معه متاعبُه، من مصائبَ وآلامٍ، وفقر، ورضى، فقد حبيب، خسارة مال، وغير ذلك من مصائب الدنيا، فكل هذه الأمور، تحتاج إلى الصبر للتغلب عليها.
ولو تأملنا حياة نبي الله يوسف عليه السلام، رأيناها سلسلة من المتاعب التي انتهت بالمكانة المرموقة والحياة الطيبة. تبتدئ حياة يوسف عليه السلام بانسلاخه عن أهله، وإلقائه في البئر، ثم إنقاذه والعيش بعيداً عن أهله، مع ما في ذلك من ألم مكبوت على فراق أهله، وكيد إخوته، ثم تأتي مرحلة قاسية عليه، وهي زجُّه في السجن ظلماً وعدواناً، جزاء أمانته، ظل يوسف عليه السلام صامداً على مبادئه، صابراً على بلواه، مترقباً رحمة الله، منتظراً انفراج الأزمة، مؤمناً بالله وعدله، لم تزحزحه هذه المصائب عن إيمانه وثقته بالله عز وجل، وصدق الله إذ يقول: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:90].
فيا من ابتلاكم الله عز وجل، بأي نوع من الابتلاءات، سواء من ابتُلِيَ في أهله، أو ابتلى في ماله، أو بأي نوع آخر من مصائب الدنيا وهمومها وغمومها، ليس لكم إلا الصبر، فإنه كما قال تعالى: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. والله لو احتسب الإنسان في كل ما يصيبه، فإن همومه وآلامه، تكون أجراً عند الله عز وجل، لو أخلص نيته لله سبحانه وتعالى، وهذا من عدل الله عز وجل، فإنه لا يمكن للمؤمن، أن يلاقيَ غمَّ الدنيا وغم الآخرة، والدنيا كلها أيها الإخوة، لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فإنها أيام قلائل، ثم تَلقَوْن الله عز وجل، فيثيبَكم على صبركم. كم في هذه اللحظات من عمر يوسف عليه السلام من عبر وعظات. لمن وَفَّقَهُ الله عز وجل: إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
أيها المسلمون، جعل الله عز وجل سبباً في إخراج يوسف من السجن، أن رأى الملك في منامه رؤيا أثارت اضطرابه، وأوجس منها خيفة، رأى في منامه سبع بقرات سمينات تأكلهن سبع بقرات هزيلات، ورأى أيضاً سبع سنابل خضراء، وسبع سنابل يابسة، فوجئ القوم برؤيا الملك، وظهر ارتباكهم، وتشاوروا فيما بينهم، ثم أجابوا ملكهم بأن هذه أخلاط أحلام باطلة، أثارتها هواجس الملك، وهي لا تدل على شيء.
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنّى أَرَى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ياأَيُّهَا الْمَلا أَفْتُونِى فِى رُؤْيَاىَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الاْحْلَامِ بِعَالِمِينَ [يوسف:43، 44]. أُخبر الملك بعد ذلك، بأن هناك فتىً في السجن يفسر الأحلام يُوسُفُ أَيُّهَا الصّدِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَراتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ [يوسف:46]. شرع يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا، وكانت تحمل في طياتها نزول الكوارث، ولم يكتفِ عليه السلام بذكر الفواجع التي سوف تنزل، بل وصف الحلول المناسبة، للخروج من هذه الأزمة الخانقة، التي ستعمهم ببلائها، قال لهم يوسف عليه السلام: إن مصر سيأتي عليها سبع سنوات خصبة، فعليكم أن تزرعوا أرضكم قمحاً وشعيراً، وتواظبوا على زرعها عاماً بعد عام، فما تحصدونه ادخروه في سنابله، ولا تفرطوا فيه، وقَتِّروا على أنفسكم فلا تُخرجوا منه إلا القليل مما يقيم أودكم، ثم تأتي بعد هذه السنوات المخصبة، سبع سنين مجدبة قاحلة، تستهلكون فيها ما ادخرتم، ولا تبقون منه إلا القليل، ليكون بذراً لما تزرعونه، وبعد هذه السنين المجدبة، تأتي سنة خصبة يغاث فيها الناس بالمطر، وتجود الأرض بالغلات الوفيرة، قال تعالى: قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذالِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [يوسف:47-49].
أيها الإخوة، لنا لفتة علمية، حول قوله تعالى: فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ هذه الآية الكريمة ـ أيها الإخوة ـ تتفق مع ما وصل إليه العلم الحديث، من أن ترك الحب في سنابله عند تخزينه، وقاية له من التلف بالعوامل الجوية والآفات، وفوق ذلك يبقيه محافظاً على محتوياته الغذائية كاملة. فسبحان الله علم الإنسان ما لم يعلم.
ونحن أيها الإخوة، لكلامنا هذا، لا نريد أن نبحث عن نظرية علمية في كتاب الله عز وجل كما تكلف طائفة من المسلمين هذا المسلك، لأن القرآن أيها الإخوة، لم ينزل ليكون كتاباً علمياً خاصاً بالنظريات العلمية، بل هو كلام الله عز وجل، أنزله سبحانه وتعالى وحياً على رسوله ليكون شرعاً للناس، يتعبدون الله عز وجل بتطبيق أحكامه. والقرآن أيها الإخوة، إضافة إلى هذا فهو معجز من عدة وجوه: فيه إعجاز لغوي، وفيه إعجاز بياني، ولا يخلو في بعض آياته، أن تكون هناك إشارات لبعض الإعجاز العلمي، كما في هذه الآية.
أسأل الله عز وجل أن يريَنا الحق حقاً ويرزقَنا اتباعه، ويريَنا الباطل باطلاً ويرزقَنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول ..
-------------------------
الخطبة الثانية
أما بعد: تتمة لقصة يوسف عليه السلام، أن الملك سُرَّ بتفسير يوسف للرؤيا، وعرف أنه أدخل السجن ظلماً، فازداد ثقة به، وميلاً إليه، خصوصاً وقد آنس منه ذكاءً وفهماً، عندها أخرجه الملك من السجن، وكلفه بوزارة المال، وولاه أمور مصر الاقتصادية، وجعله يتصرف في أرض مصر كما يريد، وهذا شأن الله في عباده الصالحين، يَهَبُ نعمته لمن يختاره منهم، ويثيبهم في الدنيا على الإحسان الذي صنعوه، ثم إن ثواب الله في الآخرة، خير من ثواب الدنيا، للذين آمنوا وكانوا يتقون. قال تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذالِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يوسف:54-57].
أيها المسلمون، تحقق تأويل يوسف لرؤيا الملك، بمجيء السبع السنوات الخصبة، فرعاها يوسف بتدبيره، وخزّن الفائض من الغلات، وجاءت السنون السبع الأخرى المجدِبة، فحصل جوع وقَحْط لاسيما في البلاد المجاورة، لعدم استعداد أهلها لمثل هذه السنة.
وفي نهاية القصة، جاء إخوة يوسف إلى مصر، لجلب الرزق للجوع الذي أصاب بلادهم، فعندما دخلوا عليه عرفهم، بينما هم لم يعرفوه، إلى أن أخفى صاع الملك في رحل أخيه، وفي النهاية عرفوه، فرجعوا إلى والدهم وبشروه بالخبر كما في الآية الكريمة: اذْهَبُواْ بِقَمِيصِى هَاذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [يوسف:93]، عندها أمر يعقوب أولاده بتحضير وسائل السفر، تسرعاً وشوقاً للقيا ولده يوسف.
ووصلت أسرة يعقوب عليه السلام إلى مصر، فرأَوْا يوسف في استقبالهم، ولا نستطيع أن نصف مبلغ فرح وغبطة يعقوب، بلقاء ابنه، بعد فراق هذه السنين العديدة، سار الركب داخل مصر، حتى بلغ دار الحكومة، فدخلوها، وأجلس يوسُفُ والديه بقربه على سرير الحكم، زيادة في تكريمهما، وغمر يعقوب وأولاده شعورٌ، بجليل ما هيَّأَ الله لهم على يدي يوسف من التكريم، فَحَيَّوْهُ تحية مألوفة عندهم من الانحناء له، على عادة أهل زمانهم، بما يحيُّون به الرؤساء الحاكمين، فأثار ذلك في نفس يوسف ذكرى حلمه وهو صغير، وقال لوالده: هذا تفسير ما قصصت عليك من رؤيا، حين رأيت في المنام أحد عشر كوكبا، والشمس والقمر ساجدَين لي، قد حققه ربي فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ءاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ ءامِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ يأَبَتِ هَاذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاى مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَاء بِكُمْ مّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاْحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاواتِ وَالأرْضِ أَنتَ وَلِىّ فِى الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ [يوسف:99-101].
انظروا ـ أيها الإخوة ـ إلى دعاء يوسف عليه السلام في أواخر هذه الآيات، فهو بعد أن أثنى على الله سبحانه وتعالى، بأنه قد آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، لم يطلب عليه الصلاة والسلام، إلا ما يتمناه كل مسلم صادق مخلص أن يموت على الإسلام ويلحق بالركب الصالح، توفني مسلماً وألحقني بالصالحين.
أيها المسلمون، نبي من أنبياء الله عز وجل، الجنة مضمونة له، ومع ذلك يقول: أَنتَ وَلِىّ فِى الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ.
قال الله تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ [آل عمران:102]. وقال سبحانه: وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]. وماذا يريد الإنسان من هذه الدنيا، وما قيمة الدنيا لو قبض الإنسان على غير ملة الإسلام أو ختم له بخاتمة سوء، نسأل الله السلامة والعافية، فهو في الآخرة من الخاسرين، فإن الأعمال بالخواتيم كما يقول عليه الصلاة والسلام.
أيها الإخوة، في القصة أيضاً، لنا درس في التسامح والعفو عند المقدرة، العفو عمن أساء إليك، ومقابلته بالإحسان، فيوسف عليه السلام عندما آلت الأمور إليه، كان باستطاعته أن ينتقم من إخوانه، الذين كادوا له في أول الأمر، ولكن سمو نفسه، وكرم عنصره، وترفعه عن الانتقام، واحتساب الأجر عند الله عز وجل، جعله يأبى أن ينزلق إلى هذا المنزلق، الذي ينغمس فيه عادة الأشخاص العاديون. فعندما اعترف إخوانه بخطئهم بقولهم: تَاللَّهِ لَقَدْ اثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ [يوسف:91]، أجابهم يوسف عليه السلام بهذا الجواب المفعم بالعطف الأخوي، والمسامحة قائلاً: لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [يوسف:92]. فهل نستفيد من هذه القصة، ونخرج ـ أيها الإخوة ـ بروح التسامح والمغفرة، والعفو عن الناس، الذي يسيؤون إلينا. بعض الناس هداهم الله، حتى زوجته التي معه لا تسلم منه، لو زلت أو أخطأت ولو خطأً يسيراً، لكال الصاع صاعين، لا يمكن له أن يتنازل عن حقه، ولو بقدر أُنْمُلة، لا يمكن أن يعفو.
فنقول لمن هذه حاله، أنه سيقف يوماً ما، بين يدي مولاه، يكون محتاجاً أن يعفو الله عنه، ويتجاوز له عن سيئاته وتقصيره، من منا لم يخطئ ولا يخطئ، من منا لا يمضي عليه يوم ولا ليلة، إلا وحصل منه تقصير في حق الله عز وجل.
فكم نحن بحاجة إلى عفو الله عز وجل، كم نحن في حاجة أن يسامحنا ربنا، ولا يفضحنا على رؤوس الأشهاد، فحري بنا أيها الإخوة، في المقابل، أن نتجاوز نحن عن زلات الآخرين تجاهنا، لنلقى ذلك عند الله عز وجل: يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88، 89].
وصلوا وسلموا...

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 102 مشاهدة
نشرت فى 15 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

417,731