-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب
الجنة والنار, الكبائر والمعاصي
-----------------------
ناصر بن محمد الأحمد
الخبر
النور
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- دخول النار هو الخزي الأكبر. 2- سعة النار للعصاة والكافرين. 3- كلام النار. 4- الذنوب التي أوعد الله أصحابها بالنار. 5- صور العذاب المختلفة في النار.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب فيه أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم، الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [آل عمران:192]. إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]. وكيف لا تكون النار كذلك وفيها من العذاب والآلام والأحزان، ما تعجز عن تسطيره الأقلام وعن وصفه اللسان إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً [الفرقان:66]، هَاذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَئَابٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ [ص:55، 56].
النار يا عباد الله، شاسعة واسعة، بعيد قعرها، مترامية أطرافها، الذين يدخلونها أعداد لا تحصى. الذين يدخلونها يكون ضرس الواحد منهم في النار مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام. ومع ذلك فإنها تستوعب هذه الأعداد الهائلة التي وجدت على امتداد الحياة الدنيا، من الكفرة والمجرمين، ويبقى فيها متسع لغيرهم. روى البخاري ومسلم، حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي قال: ((لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ، بعزتك وكرمك)).
عباد الله، هل تعلمون أن نار جهنم تتكلم وتبصر، قال تعالى: إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [الفرقان:12]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال: ((تخرج عنق من النار، يوم القيامة، لها عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين)) رواه الترمذي.
أيها المسلمون، هناك ذنوب متوعَّدٌ صاحبها بالنار، وهناك ما هو متحقق دخوله نار جهنم والعياذ بالله، نذكر بعضها:
أولها وفي مقدمتها، الكفر والشرك بالله جلّ وعلا قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:39]، وقال جل وعز عن الشرك: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72].
ومما متوعَّد صاحبه بالنار: النفاق إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الاْسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [النساء:145]، وقال سبحانه: وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [التوبة:68].
ومن الذنوب الكِبْر، قال رسول الله : ((يقول الله تعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قذفته النار)) رواه أبو داود وابن ماجه.
ومن الذنوب والكبائر التي متوعد صاحبها بالنار، وهي بلية هذا الزمان ومصيبتها العظمى: الربا. قال الله تعالى في الذين يأكلونه بعد أن بلغهم تحريم الله له: وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275]، وقال تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:130، 131].
ومن الذنوب أيضاً: أكل أموال الناس بالباطل، قال الله تعالى: ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذالِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [النساء:29، 30].
ومن الذنوب عدم دفع الزكاة وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَاذَا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34، 35].
ومما قد يُدخِل النار، الغفلة عن الآخرة والرضا والاطمئنان بالدنيا إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَاتِنَا غَافِلُونَ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ [يونس:7، 8]، وقال سبحانه: مَن كَانَ يُرِيدُ الْحياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [هود:15، 16]، ومما توعد صاحبه بالنار الركون والميل إلى الظلمة وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ [هود:113].
الإجرام بكل صوره وأشكاله من الذنوب متوعد صاحبه بالنار وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِى الاْصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ [إبراهيم:49، 50]، وقال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف:53]، وقال سبحانه: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ [القمر:47، 48]. فلْيُفكِّرْ كل مجرم في حاله وليتذكر هذه الآيات خصوصاً إذا كان إجرامه في حق غيره.
ومما متوعد صاحبه بالنار، استبدال نعمة الله بالكفر، بل وإلزام الآخرين بذلك قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم:28-30] .
ومما قد يوجب النار الفسق، بكل أنواعه ودرجاته: أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ [السجدة:18-20].
ومما متوعد صاحبه بالنار أيضاً معصية الله ورسوله، قال تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً [الجن:23]، وقال تعالى: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [النساء:14].
ومما متوعد صاحبه بالنار ـ والعياذ بالله منها ـ إضاعة الصلوات، وعدم الاهتمام بها، وهذا لا يكون إلا عن طريق اتباع الشهوات، فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً [مريم:59].
ومن الذنوب التي يستحق فاعلها النار، الذي يقطع شجرة السدر التي يستظل بها الناس، عن عبد الله بن حبيش قال: قال رسول الله : ((من قطع سدرة، صَوّب الله رأسه في النار)) رواه أبو داود. هذا الذي يقطع ظل شجرة ينتفع الناس بها فكيف بالذي يقطع ظل الشريعة.
ومن الأمور أيضاً يا عباد الله، المتوعد صاحبها بأن يعذب بسببه في نار جهنم، وهذا خاص بطلاب العلم، وهو عدم الإخلاص في طلب العلم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجل، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)) ـ يعني ريحها ـ رواه ابن داود والحاكم. وعن جابر قال: قال رسول الله : ((لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، من فعل ذلك فالنار النار)) رواه ابن ماجه وابن حبان.
عباد الله، النار موعود بها مدمن الخمر وقاطع الرحم والمصدق بالسحر والمنان والنمام، وما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار، ومن أشد الناس عذاباً طائفتان المصورون الذين يضاهئون خلق الله، والذين يعذبون الناس في الدنيا.
أيها المسلمون، إن أهل النار ليسوا على درجة واحدة من العذاب، فهم يتفاوتون، وكل بحسب ما قدم من الأعمال. يقول عليه الصلاة والسلام، فيما رواه مسلم في صحيحه فقال في أهل النار: ((إن منهم من تأخذه النار إلى كَعْبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى رُكْبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حِقْوَيه، ومنهم من تأخذه النار إلى تَرْقُوَته)).
وكذلك يا عباد الله، فليس كل أحد يعذب كالآخر، وأيضاً فصور العذاب تختلف: فمن المعذبين في جهنم، أجارنا الله وإياكم منها من يُحرق جلده، وكلما احترقت بُدّل بجلد آخر ليحترق من جديد، وهكذا دواليك. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء:56]، ومن الناس من يصب الحميم فوق رأسه، والحميم هو ذلك الماء الذي انتهى حره، فلشدة حره تذوب أمعاءه فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:19، 20].
ومن الناس من يأتيه العذاب عن طريق وجهه، وأكرم ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهانا الرسول عن ضرب الوجه، ومن إهانة الله لأهل النار أنهم يحشرون يوم القيامة، على وجوههم عمياً وصماً وبكماً وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [الإسراء:97]، وقال تعالى: وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:90]، ثم إن النار تلفح وجوههم، وتغشاها أبداً، لا يجدون حائلاً يحول بينهم وبينها، لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ [الأنبياء:39]، وقال جل وعز: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:104]، وقال تعالى: سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ [إبراهيم:50].
وانظروا ـ يا عباد الله ـ إلى هذا المنظر، الذي تقشعر لهوله الأبدان، وهو قول الله عز وجل: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ يَقُولُونَ يالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ [الأحزاب:66]، أرأيتم كيف يقلب اللحم على النار، كذلك تقلب وجوههم في النار نعوذ بالله من عذاب أهل النار.
ومن الناس من يسحب في النار إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ [القمر:47، 48]، الذي يزيد في العذاب أنهم حال سحبهم في النار، يكونون مقيدين بالقيود والأغلال والسلاسل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ والسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِى النَّارِ يُسْجَرُونَ [غافر:70-72].
ومن الناس من يسود وجهه في النار، بفعله السيئات في الدنيا وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ الَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [يونس:27].
أما سمعت بأهل النار في النار...وعن مقاساة ما يَلقُون في النار
أما سمعت بأكباد لهم صَدَعت...خوفاً من النار قد ذابت على النار
أما سمعت بأغلال تُناط بهم...فيسحبون بها سحباً على النار
أما سمعت بضيقٍ في مجالسهم...وفي الفرار ولا فرار في النار
أما سمعت بحياتٍ تدبُ بها...إليهم خُلقت من خالص النار
أما سمعت بأجسادٍ لهم نَضجت...من العذاب ومن غليٍ على النار
أما سمعت بما يُكلَّفون به...من ارتقاء جبال النار في النار
حتى إذا ما علوا على شواهقها...صُبوا بعنف إلى أسفل النار
أما سمعت بزقوم يُسوغه...ماءٌ صديدٌ ولا تسويغ في النار
يسقون منه كؤوساً مُلئت سقماً...ترمي بأمعائهم رمياً على النار
يشوي الوجوه وجوهاً ألبست ظُلماً...بئس الشراب شرابُ ساكن النار
ولا ينامون إن طاف المنام بهم...ولا منام لأهل النار في النار
إن يستقيلوا فلا تقال عثرتهم...أو يستغيثوا فلا غياث في النار
وإن أرادوا خروجاً رُدّ خارجهم...بمقمع النار مدحوراً إلى النار
فهم إلى النار مدفوعون بالنار...وهم من النار يهرعون للنار
ما أن يخفف عنهم من عذابهمُ...ولا تفتـ عنهم سَورَة النار
فيا إلهي ومَن أَحكامه سبقت...في الفرقتين من الجنات والنار
رحماك يا رب في ضعفي وفي ضعتي...فما وَجودِك لي صبرٌ على النار
ولا على حر شمس إن بَرزتُ لها...فكيف أصبر يا مولاي للنار
فإن تغمدني عفوٌ وثقت به...منكم وإلا فإني طعمةُ النار
ما ظنك بعذاب دار أهون أهلها عذاباً من كان له نعلان يغلي منهما دماغه، ما يرى أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم، أما حال أهلها فشر حال، وهوانهم أعظم هوان، وعذابهم أشد عذاب، وما ظنك بقوم قاموا على أقدامهم خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى انقطعت أعناقهم عطشاً، واحترقت أكبادهم جوعاً.
ثم انصرف بهم إلى النار، فيسقون من عين آنية قد آذى حرها واشتد نضجها، فلو رأيتهم وقد أسكنوا داراً ضيقة الأرجاء، مظلمة المسالك، مبهمة المهالك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، يسحبون فيها على وجوههم مغلولين، النار من فوقهم، والنار من تحتهم، والنار عن أيمانهم، والنار عن شمائلهم، لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذالِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ [الأعراف:41]، فغطاؤهم من نار، وطعامهم من نار، وشرابهم من نار، ولباسهم من نار، ومهادهم من نار، فهم بين طبقات النيران وسرابيل القطران وضرب المقامع، وجر السلاسل يتجلجلون في أوديتها، ويتحطمون في دركاتها، ويضطربون بين غواشيها، ويطوفون بينها وبين حميم آن تغلي بهم كغلي القدر وهم يهتفون بالويل ويدعون بالثبور، يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:19-22].
يتفجر الصديد من أفواههم، تتقطع من العطش أكبادهم، وتسيل على الخدود عيونهم وأهدابهم، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ [النساء:56]، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم من أسرها فكاك، فما حال دار إذا تمنى أهلها تمنوا أن يموتوا؟ كيف بك لو رأيتهم وقد اسودت وجوههم؟ فهي أشد سواداً من الحميم، وعميت أبصارهم وأبكمت ألسنتهم وقصمت ظهورهم، ومزقت جلودهم وغلّت أيديهم إلى أعناقهم، وجمع بين نواصيهم وأقدامهم، يمشون على النار بوجوههم، ويطؤون حسك الحديد بأحداقهم، ينادون من أكنافها ويصيحون من أقطارها: يا مالك قد أثقلنا الحديد، يا مالك قد حق علينا الوعيد، يا مالك قد نضجت منا الجلود، يا مالك العدمُ خير من هذا الوجود، فيجيبهم بعد ألف عام، بأشد وأقوى خطاب وأغلظ جواب إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقّ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَارِهُونَ [الزخرف:77، 78].
فينادون ربهم وقد اشتد بكاؤهم وعلا صياحهم وارتفع صراخهم: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:106، 107]، فلا يجيبهم الجبار جل جلاله إلا بعد سنين، فيجيبهم بتوبيخ أشد من العذاب اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ [المؤمنون:108]، فعند ذلك أطبقت عليهم وغلقت، فيئس القوم بعد تلك الكلمة أيما إياس، فتزداد حسراتهم وتنقطع أصواتهم فلا يسمع لهم إلا الأنين والزفير والشهيق والبكاء، يبكون على تضييع أوقات الشباب ويتأسفون أسف أعظم من المصاب، ولكن هيهات هيهات ذهب العمل وجاء العقاب.
بارك الله لي ولكم...
-------------------------
الخطبة الثانية
أما بعد: عباد الله، النار وما أدراكم ما النار، لله ما أشد عذابها، وما أبأس أهلها، فأنى لهم باحتمال حرها وسمومها، أي جزء من أجسامهم يقوى على آلامها؟!. كم تعلو لهم من صيحات، ويتردد منهم من صراخ، ولكن لا يجاب لهم نداء. يستغيثون من الجوع فيغاثون بشجرة الزقوم فيأكلون منها، فتنسلخ وجوههم، فإذا أكلوا منها ألقي عليهم العطش، فيستغيثون منه، فيغاثون بماء كالمهل، فإذا أدنوه من أفواههم أنضج حره الوجوه، فيصهر به ما في بطونهم والجلود، ويضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله يدعون بالثبور. ويذكرون الرجال الذين كانوا يعدونهم من الأشرار، فينادونهم بطلب الغوث منهم: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحياةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَاذَا وَمَا كَانُواْ بِئَايَاتِنَا يَجْحَدُونَ [الأعراف:50، 51].
ويزيد في عذابهم تلك الخلقة التي زيدت فيهم. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي قال: ((ما بين مَنْكِبيَ الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع)). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: ((ضرس الكافر ـ أو ناب الكافر ـ مثل أُحُد، وغِلَظ جِلده مَسيرة ثلاث)) وهم في ذلك كله يتنقلون من عذاب إلى عذاب، ومن ألم إلى ألم، لا يفترون عن عويل وصياح: يا ويلنا يا ويلنا.
من يطيق زفرة من زفراتها؟ من يطيق لحظة من أيامها؟ من طيق لفحة من لهيبها؟ من يطيق لقمة من زقومها؟ من يطيق شربة من حميمها؟ من يطيق الحجاب عن ربه عز وجل، وهو أشد عذابها.
إلهي لا تعذبني فإني......مقر بالذي قد كان مني
فمالي حيلة إلا رجائي......لعفوك إن عفوت وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا......وأنت عليّ ذو فضل ومنّ
إذا فكرت في ندمي عليها......عضضت أناملي وقرعت سنّي
أجن بزهرة الدنيا جنوناً......وأقطع طول عمري بالتمنّي
ولو أني صدقت الزهد عنها......قلبت لأهلها ظهر المجنّ
يظن الناس بي خيراً وإني......لشرّ الخلق إن لم تعف عنّي
النار عباد الله، دار الذل والهوان، والعذاب والخذلان، دار الشهيق والزفرات، والأنين والعبرات، دار أهلها أهل البؤس والشقاء، والندامة والبكاء، والأغلال تجمع بين أيديهم وأعناقهم، والنار تضطرم من تحتهم ومن فوقهم، شرابهم من حميم يصهر به ما في بطونهم والجلود، وأكلهم شجر الزقوم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، يدعون على أنفسهم بالموت فلا يجابون، ويسألون ربهم الخروج منها فلا يكلمون، كيف لو أبصرتهم وهم يسحبون فيها على وجوههم وهم لا يبصرون، أم كيف لو سمعت صراخهم وعويلهم وهم لا يسمعون: فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحياةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].
جثت الأمم على الركب، وتبين للظالمين سوء المنقلب، انطلق المكذبون إلى ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليلٍ ولا يغني من اللهب، وأحاطت بهم نار ذات لهب، سمعوا الزفير والجرجرة، وعاينوا التغيظ والزمجرة، ونادتهم الزبانية: فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبّرِينَ [النحل:29].
الهاوية تجمعهم، والزبانية تقمعهم، في مضايقها يتجلجلون، وفي دركاتها يتحطمون. ترى المجرمين مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران، وتغشى وجوههم النار. الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، وبالنواصي والأقدام يؤخذون، وفي الحميم ثم في النار يسجرون. يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد فوق رؤوسهم. تكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم.
ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ طعامهم الزقوم والضَّريع، لا يسمن ولا يغني من جوع. شرابهم الحميم والغَسَّاق والماء الصديد، يشوي الوجوه ويقطع الأمعاء، ويملأ البطون: يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ [إبراهيم:17]، وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ [فاطر:37].
يتمنون الموت والهلاك، ولكن أين المفر؟ ومتى الفكاك؟ وَنَادَوْاْ يامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقّ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كَارِهُونَ [الزخرف:77، 78].
ثم يعلو شهيقُهم، ويزداد زفيرهم، وقد حيل بينهم وبين ما يشتهون، فيعظم يأسهم، ويرجعون إلى أنفسهم: سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ [إبراهيم:21]، نعوذ بالله ربِّنا من غضبه وأليم عقابه وعذابه.
نشرت فى 15 فبراير 2012
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش