جرأة بعض الكُتَّاب العلمانيين على الله ورسوله الفوج الأول للإسلام
تبليغ الرسالة بالتدرج يسلم وهو يعلم أنه سيتعرض للخطر
صبر الرسول على الأذى لولا العهد المكي لما كان العهد المدني
إيذاء قريش للنبي وأصحابه أصبح المسلمون سادة الدنيا
الهجرة إلى الحبشة كوسوفا أرض إسلامية منذ القدم
مقاطعة قريش للرسول اقتصادياً واجتماعياً علينا أن نقف مع أخوتنا في كوسوفا

 

جرأة بعض الكُتَّاب العلمانيين على الله ورسوله

أيها الأخوة المسلمون .. في الخطبة الماضية تحدثنا عن الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة وعن أهم الدروس المستفادة من هذه الهجرة الكريمة، ولاشك أن الهجرة كانت حداً فاصلاً بين عهدين متميزين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، عهد تكوين الفرد المؤمن الصابر المصابر المجاهد في مكة، وعهد تكوين المجتمع المؤمن المتآخي الذي أعد نفسه للجهاد في سبيل الدعوة الجديدة في المدينة، كانت الهجرة حداً فاصلاً بين عهدين، اليوم نتحدث عن هذا العهد الأول عهد مكة قبل الهجرة وخصوصاً أن بعض الكُتَّاب العلمانيين قال في بعض صحف الكويت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظل ثلاثة عشر عاماً باءت بالفشل وانتهت بالإخفاق هكذا حكم على هذا العهد المكي وهذا من جرأته على الله وعلى رسوله وعلى حقائق العلم والتاريخ، إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُخفِق ولم يبوء بالفشل في العهد المكي بل العهد المكي كان هو التأسيس للعهد المدني، النبي صلى الله عليه وسلم ظل ثلاث عشرة سنة في مكة يؤسس وينشئ الجيل الأول الذي تقوم عليه أعباء الدعوة وأعباء الدولة بعد ذلك، كان الله سبحانه وتعالى قادراً على أن ينصر رسوله بريشة من جناح ملك من الملائكة يقضي بها على قريش وعلى أهل مكة يخسف بهم الأرض أو يُسقِط عليهم كسفاً من السماء أو تصيبهم صيحة كصيحة ثمود فيهلكوا كما هلك الأولون، كان الله لا يعجزه شيء من ذلك ولكن الله تبارك وتعالى أراد لرسوله أن يمضي في دعوته وفق السنن الإلهية لا وفق الخوارق الربانية، الخوارق تأتي عند الحاجة إليها ولكن الله أراد لرسوله أن يصارع هؤلاء القوم ويصارعوه، وأن ينازلهم وينازلوه، وأن يتعرض لاضطهادهم ولإيذائهم هو وأصحابه هكذا أراد الله..

إلى أعلى

تبليغ الرسالة بالتدرج

أراد الله لرسوله من أول الأمر وأن يولد يتيماً حتى لا يتعلق بأحد ولا يُقال أن أباه هو الذي نصره ولولا عزوة أبيه وشكيمة أبيه ومنـزلته ..، لا .. بل ولد يتيماً، حتى أمه ماتت بعد ست سنوات حتى جده الذي كان ذا شأن في مكة مات بعد ثماني سنوات من ميلاده حتى عمه شقيق أبيه أقرب الناس إليه الذي حنا عليه وأدخله في أسرته حتى عمه هذا أراد الله ألا يدخل في الإسلام، وإن كان يحنو عليه ويدافع عنه بحكم العصبية، أراد الله لرسوله أن يمضي في دعوته وفق قوانينه في هذا الكون، فبلَّغ الرسالة .. بلغ الدعوة سراً وجهراً، في أول الأمر اعتمد على الدعوة الفردية دعا أصدقاؤه وأصحابه ومن يثق بهم مثل أبي بكر، وأبو بكر دعا أصدقاؤه ودخل هؤلاء السابقون الأولون في الإسلام وهم عدد قليل لكن الله بارك فيهم، أنذر عشيرته الأقربين كما أمره الله عز وجل، جمعهم في بيته وأولم لهم وليمة وصنع لهم طعاماً فأكلوا وشربوا قام فيهم خطيباً وقال "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كَذَبت الناس جميعاً ما كَذَبتكم، ولو غَرَرت الناس جميعاً ما غَرَرتكم، والله إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، والله لتموتُنَّ كما تنامون، ولتُبعثُنَّ كما تستيقظون ولتُجزوُنَّ بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً أو لنار أبداً" بعد ذلك صدع بأمر الله كما أمره الله (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) ووقف على الصفا ونادى بطون قريش وعرض عليهم دعوته وسكت القوم حينما قال لهم "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تُغير عليكم أكنتم مصدقين" أي لو أن هناك على مسافة قريبة هناك عدو قد جمع جحافله وجيوشه وجاء يُغير عليكم ويهاجمكم في عقر داركم أكنتم مصدقين؟ قالوا: "نعم ما جرَّبنا عليك كذباً" ولم يستطيع أحداً أن ينبس ببنت شفة إلا عمه أبا لهب الذي قال له في تحدٍّ واستفزاز: تباً لك سائر هذا اليوم ألهذا جمعتنا؟ أي جمعتنا لتقول لنا هذا الكلام فنـزل قول الله تعالى يدافع عن رسوله (تبت يدا أبي لهب وتب * ما أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد).

إلى أعلى

صبر الرسول على الأذى

وظل النبي صلى الله عليه وسلم يبلِّغ دعوته والقوم يُعرِضون عنها ويقابلون الدعوة بالإيذاء للنبي عليه الصلاة والسلام ولأصحابه، والرسول وأصحابه يلاقون الإيذاء بالصبر والاحتمال، فالله تعالى قد أمره عليه الصلاة والسلام من أول يوم بالصبر، من أوائل ما نزل في القرآن سورة المدثِّر فيها يقول الله تعالى (يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبِّر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر) اصبر لله على ما تلاقي من الأذى ومن الصاب العلقم، فالطريق طريق طويل، طريق مفروش بالأشواك مضرَّج بالدماء (ولربك فاصبر) وجاءت سورة المزمل بعد ذلك (يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتِّل القرآن ترتيلاً * إنَّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) يربي الله تعالى رسوله ويعده ويهيئه في مدرسة الليل ومدرسة القرآن (ورتِّل القرآن ترتيلاً) لماذا؟ (إنَّا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً) أمامك حمل ثقيل أمامك رسالة ضخمة تريد أن تبلِّغها إلى العرب ثم إلى العالم، فأنت رحمة للعالمين، نذير للعالمين وفي هذه السورة يقول (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً) قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤذيه ما يقولون عنه، قالوا ساحر وقالوا شاعر، وقالوا مجنون وقالوا مفترٍ كذاب، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملَى عليه بكرة وأصيلاً وقالوا إنما يعلِّمه بشر وقالوا ما قالوا، فكان هذا يؤذي النبي عليه الصلاة والسلام، الله تعالى يقول (فلا يحزنك قولهم) اصبر على ما يقولون تكررت هذه الوصية في القرآن، (واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً * وذرني والمكذبين أولي النعمة ـ النعيم والترف ـ ومهلهم قليلاً).

إلى أعلى

إيذاء قريش للنبي وأصحابه

ظل النبي عليه الصلاة والسلام يبلِّغ الدعوة لا ييأس ولا يقنط ولا يكلّ ولا يملّ وهم يقابلون هذا بالإيذاء له ولأصحابه، خصوصاً المستضعفين منهم، من لا جاه لهم ولا قبيلة ولا سند، كانوا أشد الناس تعذيباً وإيذاء مثل بلال الحبشي مثل عماد بن ياسر وأبيه ياسر وأمه سمية، وقد مر عليهم النبي عليه الصلاة والسلام وهم يعذَّبون وقال: "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" وقد ماتت أم عمار زوجة ياسر وأبوه ياسر ماتا تحت العذاب، خباب بن الأرَتّ كانت له مولاة تشتد في إيذائه وتعذيبه وتكويه بالنار فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يوماً وهو مستند يسند ظهره إلى الكعبة فقال: "يا رسول الله ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟" من شدة ما لاقى ومن شدة ما قاسى وعانى جاء يستنصر "ألا تستنصر لنا؟" ادع الله على هؤلاء القوم، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم محمراً وجهه وقال: "يا خباب إن من كان قبلكم كان يمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ويُنشر أحدهم بالمنشار فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه والذي نفسي بيده ليُظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" طمأنه على المستقبل بشَّره بأن الغلبة والنصر لهذا الدين في النهاية، لكن كل شيء بأجل مسمى "ولكنكم تستعجلون" سيحدث الأمن ويسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، فهكذا كانت الفترة المكية، كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي عند الكعبة وأبو جهل ابن هشام والملأ من قريش ينظرون إليه فقال أبو جهل: "لقد نُحرت بالأمس جزور لبني فلان ـ ناقة ذُبحت ـ من منكم يذهب إلى سلاها ـ يعني كرشتها ـ ويأتي ليلقيها بين كتفي محمد إذا سجد" فانبعث أشقاهم فجاء بسلا الجزور فوضعه بين كتفي النبي عليه الصلاة السلام وهو ساجد، ابن مسعود يقول: وأنا أنظر لو كان لي مَنَعة لذهبت احجزها عنه أو أبعدها عنه ولكن أحداً من الناس أبلغ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي جويرية ـ جارية صغيرة ـ فجاءت وأزاحت هذا الأذى عن أبيها، كان كاتم عليه وهو ساجد ثم شتمت القوم ولم يستطع منهم أحد أن يرد عليها، وبكت لما حدث لأبيها عليه الصلاة والسلام وقال لها النبي عليه الصلاة والسلام "يا فاطمة لا تبكي فإن الله مانع أباك" الله سيحميه وسيمنعه، يقول ابن مسعود: وعندما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته اتجه إلى السماء ودعا قال "اللهم عليك الملأ من قريش" ففزع القوم لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال "اللهم عليك فلاناً وفلاناً وفلاناً .." عد سبعة: أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، سبعة من صناديد قريش وعتاتهم ورؤوس الكفر فيهم، يقول ابن مسعود: فوالله لقد رأيت هؤلاء الذين سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيهم صرعى يوم بدر، الله استجاب الدعوة ولكن بعد عدة سنوات، إن الله لا يعجل بعجلة أحدكم، الله عز وجل يجيب الدعوات ولكن كل شيء عنده بأجل مسمى.

إلى أعلى

الهجرة إلى الحبشة

اضطر المسلمون أن يهاجروا إلى الحبشة وكان هذا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فراراً بدينهم من هذه الأرض، اختار لهم أرض الحبشة وكانت هي الأرض المناسبة جغرافيا لأنها قريبة، فالحبشة قريبة من الجزيرة العربية، ولا يجوز أن يذهبوا إلى أرض بعيدة في الصين أو كذا فتنقطع أخبارهم وربما هلكوا، كانت هي المناسبة جغرافياً والمناسبة دينياً، لأن أهلها نصارى أهل كتاب فهم أقرب مودة إلى المسلمين، وهي المناسبة سياسياً فقد كان بها ملك لا يُظلم أحد عنده، وهذا يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن غافلاً عما حوله ومن حوله وفعلاً كان هذا الرجل عند حسن الظن فاستقبل المسلمين استقبالاً حسناً وسمع من رئيسهم جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما شرح له دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيَّن آفاقها الدينية والاجتماعية والأخلاقية، وأرسلت قريش في إثر هؤلاء عمرو بن العاص وآخر معه إلى ملك الحبشة بالتحف والهدايا يريدون أن يغروه حتى يطرد المسلمين ولكن الرجل كان عند حسن ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يسلم هؤلاء المسلمين، وعاد المسلمون بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة حينما شاعت شائعة أن قريشاً دخلت في الإسلام، فعادوا وإذا قريش أشد وطأة على الإسلام من قبل..

إلى أعلى

مقاطعة قريش للرسول اقتصادياً واجتماعياً

واضطر منهم أن يهاجر من هاجر الهجرة الثانية إلى الحبشة وبقوا بها إلى السنة السابعة بعد الهجرة، في هذه الأثناء قوطع النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون مقاطعة اقتصادية اجتماعية، بل حتى بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم، مسلمهم من باب الغيرة على الإسلام وكافرهم من باب العصبية أنهم كانوا يدافعون عن رسول الله بحكم العصبية أبو طالب ومن معه، فقاطعتهم قريش لا يبيعون لهم ولا يشترون منهم ولا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم، وحُصِروا في شِعب بني طالب وظلوا عدة سنوات، ثلاث سنوات أكلوا فيها أوراق الشجر ودميت أشداقهم وحدث لهم ما حدث حتى هيأ الله لهم من رجالات قريش من طالب بشق الصحيفة الظالمة الجائرة القاطعة التي تعاهد فيها أهل قريش على مقاطعة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، في هذه المدة لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يدع فرصة تمر إلا ويبلِّغ فيها الدعوة وكان ينتهز فرصة مواسم الحج فمكة هي موطن البلد الحرام والبيت الحرام، وقبائل العرب تأتي إليها من كل فج عميق، فكان النبي عليه الصلاة والسلام ينتهز هذه الفرصة ليعرض الدعوة على هذه القبائل ولم يكتف بمكة بل ذهب إلى الطائف إلى قبيلة ثقيف التي تسكن الطائف في وقت حر شديد والطريق وعر وكله جبال، وهو قد ذهب ماشياً وزيد بن حارثة وبلال، ذهب ليعرض دعوته واستُقبل أسوأ استقبال ورجع من ثقيف ومن الطائف بعد أن أدى رسالته وبلَّغ دعوته ولم يستجب له أحد منهم، وفي الطريق جاء جبريل وجاء ملك الجبال يعرض عليه أن يخسف بالقوم ولكنه أبى عليه الصلاة والسلام وقال "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم ذرية تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئاً" وكان الإسراء والمعراج بعد ذلك وكان فرض الصلوات.

إلى أعلى

الفوج الأول للإسلام

هكذا كان العهد المكي عهد تبليغ للدعوة على كل المستويات، وعهد تربية للجيل الأول في دار الأرقم بن أبي الأرقم بجوار الصفا معهد التربية الإسلامي الأول الذي تخرَّج فيه الفوج الأول للإسلام، الصحابة الأولون المهاجرون، هؤلاء تخرَّجوا في مدرسة الأرقم بن أبي الأرقم، هذه الدار التي كان يلتقي فيها المسلمون سراً أو أشبه بالسر يقرؤون فيها القرآن ويتتلمذون تتلمذاً مباشراً على محمد عليه الصلاة والسلام، يلقنهم الصبر والمصابرة والتوكل على الله والإيمان بالغد والاستبشار بالمستقبل، هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرجت ثمرات يانعة من هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، من الصحابة الأولين الذي حملوا أعباء الرسالة ونشروها في العالم ثم انضم إلى هذا الفوج الأول والجيل الأول أفواج أخرى من أبناء يثرب من أبناء الأوس والخزرج الذين وفدوا على مكة في أحد المواسم وشرح الله صدورهم للإسلام، إن الله إذا أراد أمراً هيأ له الأسباب وأزال الموانع، النبي عليه الصلاة والسلام ظل سنوات عدة يعرض دعوته على القبائل فلا يجد من يستجيب له ويقول لهم قولوا: لا إله إلا الله تملكوا بها العرب وتدين لكم بها العجم، كيف بكم إذا ورثتم ملك كسرى وقيصر، وقال أحدهم له: كسرى! كسرى بن هرمز؟! الذي يملك فارس وإيران؟ قال: نعم كسرى بن هرمز، وأبو لهب يأتي بعدها يقول: يا معشر العرب لا تصدقوا هذا فإنه مجنون يهذي، فيرد عليه بعضهم يقول: قد عرفنا ذلك حينما ذكر كسرى، يقول لنا سترثوا ملك كسرى!! لما واحد يأتي يقول لكم: يا أهل قطر سترثون البيت الأبيض وتملكون الولايات المتحدة وروسيا؟ ستقولون مجنون هذا، المسلمون بضعة أفراد من الناس، أربعين أو نحو ذلك، ويقول لهم: سترثوا ملك كسرى، النبي عليه الصلاة والسلام يزرع وأبو لهب يخلع ويقلع ما يزرعه بهذه الكلمات.

إلى أعلى

يسلم وهو يعلم أنه سيتعرض للخطر

ولكن النبي عليه الصلاة والسلام يظل يعرض على بعض القبائل فيقولون له: نحن مستعدون أن نتبعك على أن يكون لنا الأمر من بعدك إذا مت فالملك لنا، فالرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد من يشترط يريد من يدخل في الإسلام للإسلام، لا لدنيا ولا لمُلك ولا لجاه، هذا التعذيب وهذا الأذى الذي نزل بالمسلمين أراد الله أن يمحصهم أن يطهِّر قلوبهم ألا يدخلوا هذا الدين لغَرَض من الأغراض ولا لعَرَض من الأعراض، بل يدخلون هذا الدين وهم يعلمون أن مصالحهم ستتعرض للخطر، من يدخل هذا الدين في ذلك الوقت يدخل وهو يعلم أن الناس سوف يرمونه عن قوس واحدة وسيصاب في نفسه وماله وأهله وولده، لذلك قال الله تعالى عن المهاجرين (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون)، (للفقراء المهاجرين) سمَّاهم جميعاً فقراء مع أن منهم من يملك الأموال والديار والعقارات والتجارات ولكنه خلفوا ذلك كله وراءهم وأداروا ظهورهم لهذه الأشياء ولم يبالوا بما يصيبهم في سبيل الله فـ (أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله) كان صهيب الرومي من أهل التجارة في مكة وكان له تجارة رابحة، وله مال وثروة فلما أراد أن يخرج للهجرة جاء أبناء قريش وفرسان قريش وحاصروه وقالوا له قد جئتنا فقيراً ثم عملت بيننا تجارة وصار لك أموال ودنانير ودراهم وثروة وتريد أن تخرج بها والله لا نتركك أبداً حتى تدلنا أين ثروتك أين دنانيرك ودراهمك، قال والله إن كنتم تريدون منعي من الهجرة فقد علمتم والله أني من أرماكم رجلاً سأرميكم بكل سهم في كنانتي ـ ولا تمنعوني من الهجرة ـ وإن كنتم تريدون المال فدونكم المال، هو في المكان الفلاني، اذهبوا إليه وخذوه، وذهبوا إلى المال ووجدوه فيه وأخذوه وذهب صهيب رضي الله عنه بعد أن اشترى نفسه بهذه الأموال وخرج لله ونزل فيه قول الله تعالى (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد)، وحينما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا يحيى ربح البيع .. ربح البيع، أي الصفقة التي أتممتها هذه هي صفقة رابحة، إنه ربح الجنة إنه ربح الإسلام.

إلى أعلى

لولا العهد المكي لما كان العهد المدني

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صامتاً ولم يكل ولم يمل ولم يسأم ولم ينفض يده من هؤلاء القوم ويجلس في بيته ويقول: لا فائدة فيهم لا بل ظل مثابراً على دعوته حتى هيأ الله له بعد ذلك أبناء الأوس والخزرج، دخل منهم ستة في أول الأمر ثم سبعين ثم كذا كانت بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية التي عاهدوا فيها رسول الله أن يهاجر إليهم وأن يمنعوه ويحموه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم، وكانت بيعة وصفقة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين هؤلاء، قالوا: ما لنا بعد ذلك يا رسول الله؟ قال: الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل، كان العهد المكي إذن عهد التأسيس، لولا العهد المكي ما كان العهد المدني، العهد المدني هو ثمرة لهذا العهد المكي ثمرة لهذا الكفاح الطويل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويكفي أن في هذا العهد نزلت نحو ثمانين سورة من كتاب الله من القرآن الكريم من سور القرآن هي السور المكية، تربي هذا الجيل تنشئ هذه الفئة، تشد أزر هؤلاء المؤمنين الذين وقفوا في وجه الباطل وفي وجه الطغيان يدعون الله على بصيرة ويتلون كتابه عن بينة ويقولون للمبطلين: نحن وراءكم ولن ندعكم وسينصرنا الله تعالى عليكم، كان المشركون إذا رأوا المسلمين في مكة يقولون: انظر هؤلاء ملوك الغد الذين سيرثون ملك كسرى وقيصر ويتضاحكون ويتغامزون ونزل في ذلك قول الله تعالى (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين).

إلى أعلى

أصبح المسلمون سادة الدنيا

وصدقت الأيام ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصبح هؤلاء المستضعفون في الأرض القليلون من الناس، الذين كانوا يخافون أن يتخطفهم البشر هنا وهناك أصبحوا سادة الدنيا وأصبحوا ملوك العالم وورثوا كسرى وقيصر وأخذوا أموالهم فأنفقوها في سبيل الله وأقاموا دولة العدل والإحسان وشادوا حضارة العلم والإيمان وكانوا نوراً في الأرض يهدي الناس إلى الله ويحشدهم في ساحة الإيمان فلم يعد هناك مناة ولا اللات ولا العزى ولا الحجارة ولا البشر الذين يعبدون من دون الله، بل كان المعبود هو الله وحده وكانت رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر وملوك أهل الكتاب تختم بهذه الآية (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله). هذا هو العهد المكي هذا هو عهد التأسيس للدعوة الإسلامية وللحياة الإسلامية وللأمة الإسلامية نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل لنا نصيباً من إيمان أولئك الجيل الأول الجيل القرآني والجيل الرباني، والجيل المحمدي الفريد الذي لم تكتحل عين الدنيا برؤية مثله (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً).

إلى أعلى

كوسوفا أرض إسلامية منذ القدم

أيها الأخوة المسلمون لازالت قضية أخوتنا في كوسوفا لازالت القضية مستمرة ولازال واجبنا نحو إخواننا قائماً، لازال مطلوباً منا أن نكون مع هؤلاء الأخوة قلباً وقالباً، فهم منا ونحن منهم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلِمه"، (إنما المؤمنون إخوة) المسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله، هؤلاء الإخوة علينا واجب نحوهم، كلٌ بما يستطيع، لو استطعنا أن نذهب لنجاهد مع المجاهدين لكان واجباً علينا ولكن الأبواب مغلَّقة والطرق مسدودة إنما علينا أن نؤيد المجاهدين بقدر ما نستطيع "من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا" و"من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا" وعلينا أن ننقذ اللاجئين المشردين الهائمين على وجوههم في الأرض لا يكادون يجدون فراشاً يفترشونه ولا لحافاً يلتحفونه هؤلاء المساكين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم ولا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله وديننا الإسلام، فالمتعصبون من الصرب لا يريدون أن ترتفع للإسلام راية، ولا أن يُسمع الآذان في أوروبا،يزعمون أن هؤلاء دخلاء ووافدون عليهم وهم والله الدخلاء، أرض كوسوفا هي أرض ألبانية، سكانها الألبان ولم يملكها الصربيون إلا قرنين من الزمان، وكان الألبان قبلهم والألبان بعدهم قرون وقرون، ولم يدخل الألبان الإسلام بعد الفتح العثماني بالعكس الإسلام دخل قبل الفتح الإسلامي بعدة قرون، صار للإسلام في تلك البلاد ألف سنة وسبع سنوات، الإسلام عريق في هذه البلاد ولكن هؤلاء عندهم أساطير يريدون أن يعيدوا الإمبراطورية الصربية القديمة ويقولون أن كوسوفا لها قدسية عندنا مثل قدسية القدس عند اليهود، هؤلاء لا يقاوَمون إلا بالقوة وليتنا نحن المسلمين نملك القوة، نحن نملك قوة ولكنها ضائعة، ضائعة لبعدنا عن الإسلام ضائعة بتفرقنا ضائعة بمخاوفنا وأطماعنا الخائف ضعيف والطامع ضعيف، ومادام عندنا حكَّام يخافون ويطمعون سنظل ضعفاء، وسنظل ضعفاء حتى نتحرر من الخوف ومن الطمع إلا الخوف من الله عز وجل، والطمع في جنته ومثوبته.

إلى أعلى

علينا أن نقف مع أخوتنا في كوسوفا

علينا أيها الأخوة أن نمد أيدينا إلى إخواننا لننقذهم من حياة البؤس والتشرد التي يعانونها حتى يعودوا إن شاء الله إلى ديارهم، ونرجو أن يعودوا إلى ديارهم ولا يصيبهم ما أصاب أخوتنا في فلسطين حينما خرجوا سنة 1948 من ديارهم على أن يعودوا بعد أسابيع أو شهور فمرت السنون ومر نصف قرن أو يزيد ولازال بعضهم يحتفظ بمفاتيح بيته على أمل أن يعود إليه وبعضهم مات وسلَّم المفاتيح لأولاده، نرجو ألا يصيب هؤلاء ما أصاب إخوانهم في فلسطين، علينا أن نقف بجوار أخوتنا ولا نبخل بنفس ولا نفيس ولا بمال ولا بشيء كلٌ بما يستطيع إن شاء الله، والقليل على القليل كثير، وقد قام أخوتنا في قطر: جمعية قطر الخيرية وجمعية الشيخ عيد بن محمد الخيرية قاموا بدور جيد ويجب أن نسدد خطاهم ونشد أزرهم ونقوِّي أعضادهم في هذه القضية، الأخوة هنا من جمعية قطر الخيرية وبعض الأخوة من الضيوف الألبانيين يُصلون معنا هنا ويجمعون التبرعات فعلينا أن نبذل لهم ما بذلناه فلن يضيع لا في الدنيا ولا في الآخرة، هناك ملكان يدعوان كل يوم يقول أحدهما "اللهم أعط منفقاً خلفاً" ويقول الآخر "اللهم أعط ممسكاً تلفاً" والله تعالى يقول (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)، (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً).

abdosanad

الاختيار قطعة من العقل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 240 مشاهدة
نشرت فى 12 فبراير 2012 بواسطة abdosanad

ساحة النقاش

عبدالستار عبدالعزيزسند

abdosanad
موقع اسلامي منوع »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

417,796