<!--<!--<!--
ولاية الله
-----------------------
قضايا في الاعتقاد
الأولياء
-----------------------
عبد الخالق بن عبد الله سنان جميعان
مكة المكرمة
غير محدد
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- الله يخلق ما يشاء ويختار. 2- فضل ولاية الله. 3- تعريف ولاية الله وحقيقتها. 4- أنواع الولاية. 5- مراتب الولاية. 6- شروط الولاية. 7- الطريق إلى ولاية الله تعالى. 8- مفاهيم خاطئة عن الولاية والأولياء.
-------------------------
الخطبة الأولى
فقد اقتضت حكمة الله تعالى في خلقه أن جعل منهم المؤمن والكافر، والولي والفاجر، والسعيد والشقي، والعالم والجاهل، والغني والفقير، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:68].
ولقد أكرم الله سبحانه بعض عباده فهداهم إلى الإيمان به، وإلى معرفته وطاعته ومحبته ونصرة دينه، فصاروا بذلك أولياء له سبحانه وتعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257].
فجعل لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحياةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:62-64].
وأخبر سبحانه بأنه معهم ينصرهم ويؤيدهم، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ [النحل:128]، وقال سبحانه: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:51]، وفي الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه عز وجل: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه))(1)[1].
وأكرم الله تعالى أولياءه بتبشير الملائكة لهم عند خروج روحهم من هذه الحياة الدنيا، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحياةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ [فصلت:30، 31].
وعادى سبحانه وتعالى من عادهم وآذاهم فقال : ((إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب))(2)[2]، قال ابن رجب: "أي: فقد أعلمته بأني محارب له، حيث كان محاربًا لي بمعاداة أوليائي"(3)[3].
أيها المسلمون، الولاية ضد العداوة، وأصلها: المحبة والقربة.
ولاية الله: موافقته بأن تحب ما يحب، وتبغض ما يبغض، وتكره ما يكره، وتسخط ما يسخط، وتوالي من يوالي، وتعادي من يعادي.
ولي الله: هو العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته، المخلص في طاعته.
أيها الإخوة المؤمنون، إن لولاية الله عز وجل أنواعًا ومراتبَ وشروطًا.
أما أنواعها فهي نوعان: عامة وخاصة.
فالعامة: ولاية كلّ مؤمن، فمن كان مؤمنًا تقيًا كان لله وليًا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه.
والولاية الخاصة: أن يكون العبد قائما لله بجميع حقوقه، مؤثرا له على كل ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابه هي همه ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق عليه، فهذا له الولاية الخاصة، وفي الحديث: ((ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها))(4)[4].
وأما مراتبها فقد ذكرها الله تعالى في قوله: وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]، فالأنبياء هم أفضل الأولياء، ثم يليهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون. وبهذا يتبين أن الأولياء ليسوا في درجة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض.
وما شروطها:
فأولها: الإيمان والتقوى، قال تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:62، 63]، قال الطبري: "وليّ الله هو من كان بالصفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى"(5)[5].
وثانيها: متابعة الرسول والاقتداء به، قال ابن تيمية: "فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد ، فيفعلون ما أمر به، وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بيَّن لهم أن يتبعوه فيه"(6)[6]، وقال رحمه الله: "ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد باطنًا وظاهرًا فهو كافر".
أيها المسلمون، ولاية الله تعالى هي الغاية التي خلقنا من أجلها، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وهي ليست بضاعة يتوارثها الأبناء عن الآباء، بل هي منهج واضح وصراط مستقيم، وَأَنَّ هَاذَا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153]، وإن الطريق إليها ليس مفروشًا بالورود والرياحين، بل يتطلب جهدًا ووقتًا وتضحية.
والباب الأعظم للدخول إلى ساحتها هو الإيمان بالله وبما جاء عنه سبحانه وتعالى، والإيمان برسوله وبما جاء عنه، والقيام بكل ما أمر به، واجتناب كل ما نهى عنه، والإكثار من نوافل العبادات والطاعات، قال : ((إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما يتقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها))(7)[7].
فاحرصوا ـ رحمكم الله ـ على ما يقربكم عند ربكم زلفى لعلكم تفلحون.
-------------------------
الخطبة الثانية
سبق وأن عرفنا أن ولي الله من حافظ على أوامر الله ونواهيه، متابعًا في ذلك رسوله ، مخلصًا في ذلك لربه في عبادته وفي شأنه كله، إلا أنه حصل خلط عند كثير من الناس في معنى الولاية وحقوقها، فالولي عندهم من انتصب لتوزيع الأوراد الطرقية، ولو كان في غاية من الجهل بدينه، وعند بعضهم الولي من اشتهر بالكهانة والسحر وسموه في اصطلاحهم (مرابطًا) ولو تجاهر بترك الصلوات وشرب المسكرات، وعند آخرين هو كل معتوه مجنون يهيم في الفلوات ولا يتحاشى النجاسات.
وهذا فَهَمٌ سقيم، وباطلٌ عظيم؛ لأن الله تعالى يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:62، 63]، قال الجنيد بن محمد: "علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم بعلمنا"(8)[1]، وقال غير واحد من أهل العلم: "لو رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي"(9)[2].
وزادوا على ذلك فاخترعوا لهم مراتب وألقابا، فجعلوا منهم الأقطاب والأئمة والأوتاد والأبدال والنقباء والنجباء والرجيبيون والأفراد.
وهذا تقسيم لا خِطام له ولا زمام، قال ابن تيمية: "أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل "الغوث" الذي بمكة و"الأوتاد الأربعة" و"الأقطاب السبعة" و"الأبدال الأربعين" و"النجباء الثلاثمائة"، فهذه أسماء ليست موجودة في كتاب الله تعالى؛ ولا هي أيضًا مأثورة عن النبي بإسناد صحيح ولا ضعيف"(10)[3].
وحق هؤلاء الأولياء على الناس عند هؤلاء القوم الجزم بولايتهم، والشهادة لهم بالجنة، ثم الطاعة العمياء لهم ولو في معصية الله، وبذل الأعراض والأنفس والأموال لهم.
ثم اعتقدوا فيهم بأنهم يعلمون الغيب، وأنهم قادرون بالتصرف في الكون والحياة، واعتقدوا بأنهم معصومون من جميع الأخطاء، واعتقدوا أنهم يغيثون من يستغيث بهم ويتوجه إليهم بالتوسل والدعاء، وهذا ـ لعمرو الله ـ ضلال مبين وجهلٌ عظيم وخطر مستطير، قال الله تعالى: قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَاواتِ والأرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ [النمل:65]، وقال: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام:59]، وقال تعالى: وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء [يونس:107].
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ ولا تغتروا بأمثال هذه الترّهات، واحرصوا على طاعة ربكم ومرضاته، واقتدوا في كل أقوالكم وأعمالكم بسنة نبيكم تفلحون.
ثم صلوا وسلموا على من بعثه الله رحمة للعالمين، وهاديًا للناس أجمعين، نبيكم محمد...
__________
(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) جامع العلوم والحكم (2/334).
(4) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع (6502) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5) جامع البيان (15/122).
(6) مجموع الفتاوى (11/274).
(7) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(8) انظر: الرد على المنطقيين، لابن تيمية (ص515).
(9) انظر: الرد على المنطقيين (ص515-516).
(10) مجموع الفتاوى (11/433).



ساحة النقاش