30-عَظيمٌٍ ولَكِنّه يَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه
عَنْ مُعاذٍ تقال:قُلتُ:يا رَسولَ الله أَخبِرني بِعَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُباعِدُني مِنَ النَّارِ ، قال:$لقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظيمٍ وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ الله عليه:تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بهِ شيئًا ، وتُقيمُ الصَّلاةَ ، وتُؤتِي الزَّكاةَ ، وتَصُومُ رَمضَانَ ، وتَحُجُّ البَيتَ #.ثمَّ قالَ:$ ألا أَدُلُّكَ على أبوابِ الخير؟ الصَّومُ جُنَّةٌ ، والصَّدقَةُ تُطْفِئُ الخَطيئَةَ كَما يُطفئُ الماءُ النارَ ، وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوفِ اللَّيلِ ، ثمَّ تلا:( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الـْمَضَاجِعِ) حتَّى بَلَغَ: (يَعْمَلُوْنَ ) (السجدة:16 - 17).
ثُمَّ قالَ:$أَلا أُخْبِرُكُ برَأْسِ الأمْرِ وعَمودِه وذِرْوَة سنامِهِ؟ # قُلتُ:بَلَى يا رَسولَ الله ، قال:$رَأسُ الأمْرِ الإسلامُ ، وعَمُودُه الصَّلاةُ ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجهادُ # ، ثم قال:$ألا أُخبِرُكَ بمَلاكِ ذلك كُلِّهِ؟ # ، قلتُ:بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسانه ، قال:$كُفَّ عَلَيكَ هذا # ، قلتُ:يا نَبيَّ الله ، وإنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ:$ثَكِلتْكَ أُمُّكَ ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِمْ ، أو على مَنَاخِرِهم إلاَّ حَصائِدُ أَلسِنَتِهِم #.(صَحيحٌ رواهُ الترمذيُّ).
حرص معاذٍ ت على الأعمال الصَّالحة:
قول معاذت:$ أَخبِرني بِعَمَلٍ يُدخِلُني الجَنَّةَ ويُباعِدُني مِنَ النَّارِ # يدلُّ على شدَّةِ اهتمامِ معاذٍ ت بالأعمال الصَّالحة ، وفيه دليلٌ على أنَّ الأعمالَ سببٌ لدخول الجنَّة ، كما قال تعالى:(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الزخرف:72). وأما قولُه ص:$لَنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِنْكُمُ الجَنَّة بِعَمَلِه # (رواه البخاري ومسلم) فالمراد ـ والله أعلم ـ أنَّ العملَ بنفسه لا يستحقُّ به أحدٌ الجنَّة لولا أنَّ الله جعله ـ بفضله ورحمته ـ سببًا لذلك ، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده ، فالجنَّةُ وأسبابُها كلٌّ من فضل الله ورحمته.
أمرٌ عظيم جدًا :
وقوله ص:$ لقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ # وذلك لأنَّ دخولَ الجنَّة والنَّجاةَ من النار أمرٌ عظيم جدًا ، ولأجله أنزل الله الكتب ، وأرسلَ الرُّسلَ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تقَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِرَجُلٍ :«مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟».
قَالَ:«أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ». فَقَالَ ص:«حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ» (صحيح رواه ابن ماجه).
( مَا أَحْسَن دَنْدَنَتك )أَيْ كَلَامك الْخَفِيّ. يشير إلى كثرة دعائهما واجتهادهما في الدعاء
( حَوْلهَا )وَفِي بَعْض النُّسَخ (حَوْلهمَا )بِالتَّثْنِيَةِ فَعَلَى الْأَوَّل مَعْنَاهُ حَوْل مَقَالَتك أَيْ كَلَامنَا قَرِيب مِنْ كَلَامك ، وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَاهُ حَوْل الْجَنَّة وَالنَّار أَيْ كَلَامنَا أَيْضًا لِطَلَبِ الْجَنَّة وَالتَّعَوُّذ مِنْ النَّار.
التَّوفيقَ كُلَّه بيد اللهﻷ:
وقوله ص:$ وإنَّهُ لَيَسيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْه # إشارةٌ إلى أنَّ التَّوفيقَ كُلَّه بيد الله ﻷ ، فمن يسَّرَ الله عليه الهدى اهتدى ، ومن لم يُيسره عليه ، لم يتيسَّر له ذلك ، قالَ الله تعالى:( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) (الليل:5 - 10).
وقالص:«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ».
قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ «أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ ».
قَالَ:« اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ »، ثُمَّ قَرَأَ:(فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ) الْآيَةَ »(رواه البخاري ومسلم).
وكان النَّبيُّ ص يقولُ في دعائه:$واهْدِنِي وَيَسِّرِ الْـهُدَى لِي # (صحيح رواه أبو داود والترمذي).
وأخبر الله ﻷعن نبيه موسى ؛ أنَّه قال في دعائه:(رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ) (طه:25 - 26).
وكان ابنُ عمر يدعو:«اللهمَّ يسرني لليُسرى ، وجنِبني العُسرى».
الطريق إلى الجنَّة:
قوله ص:« تَعْبُدُ الله لا تُشْرِكُ بهِ شيئًا ، وتُقيمُ الصَّلاةَ ، وتُؤتِي الزَّكاةَ ، وتَصُومُ رَمضَانَ ، وتَحُجُّ البَيتَ »دل على أن دخول الجنَّة مترتب على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة ، وهي:التَّوحيدُ ، والصَّلاةُ ، والزَّكاةُ ، والصِّيام ، والحجُّ.
وقوله ص:$ألا أدُلُّكَ عَلَى أبْوَابِ الخَيْرِ # لمَّا رتَّبَ دخولَ الجنَّة على واجبات الإسلام ، دلَّه بعد ذلك على أبواب الخيرِ مِنَ النَّوافِل ، فإنَّ أفضلَ أولياءِ الله هُمُ المقرَّبون ، الذين يتقرَّبون إليه بالنَّوافل بعدَ أداءِ الفرائض.
الصومُ جُنَّة:
قوله:$الصَّومُ جُنَّة# هذا الكلام ثابتٌ عن النَّبيِّ ص من وجُوهٍ كثيرةٍ ، وخرَّجاه في $الصحيحين # ورواه الإمام أحمد بزيادة ، وهي:$الصِّيَامُ جُنَّةٌ وحِصْنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ # (صحيح) ورواه عن النَّبيِّ ص ، قال:$الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ ، كَجُنَّة أحَدِكُمْ مِنَ القِتَالِ # (إسناده صحيح).
وقالص:«الصِّيَامُ جُنَّةٌ ؛ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ»(رواه البخاري ومسلم)
وقال بعضُ السَّلف:الغيبةُ تخرقُ الصِّيامَ ، والاستغفارُ يرقَعُهُ ، فمن استطاع منكم أنْ لا يأتي بصوم مخرَّقٍ فليفعل.
وقال ابنُ المنكدر:الصائمُ إذا اغتاب خرق ، وإذا استغفر رقع.
فالجُنَّة:هي ما يستجنُّ بها العبد ، كالمجنِّ الذي يقيه عندَ القتالِ من الضَّرب ، فكذلك الصيام يقي صاحبه منَ المعاصي في الدُّنيا ، كما قال ﻷ:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:183) ، فإذا كان له جُنَّةٌ من المعاصي ، كان له في الآخرة جُنَّةٌ من النار ، وإنْ لم يكن له جُنَّةٌ في الدنيا من المعاصي ، لم يكن له جُنَّةٌ في الآخرة من النار.
وقال ص:$إِنَّ اللهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا ، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا فَقَالَ عِيسَى:إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ ، فَقَالَ يَحْيَى:أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ.
فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ فَقَالَ:إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ:أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ:« هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ » ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ.
وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا ؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ.
وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ:«أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ» ، فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ.
وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ » (صحيح رواه الترمذي والنسائي).
الصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ:
قوله ص:$والصَّدَقةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ #:
قال ص:«صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ ، وصَدَقَةُ السِّرِ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمْرِ».(حسن رواه الطبراني).
ورُوي عن عليِّ بنِ الحسينت:أنَّه كان يحملُ الخبزَ على ظهرهِ باللَّيل يتَّبِعُ به المساكين في ظُلمة الليل ، ويقول:إنَّ الصَّدقة في ظلامِ اللَّيلِ تُطفئُ غضبَ الرَّبِّ ﻷ .
وقد قال الله ﻷ:(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ) (البقرة:271) ، فدلَّ على أنَّ الصدقة يُكفَّر بها من السيئات:إما مطلقًا ، أو صدقة السر.
الصلاة في جوف الليل:
وقوله ص:$وصلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ # ، يعني:أنَّها تُطفئ الخطيئة أيضًا كالصَّدقة وفي $صحيح مسلم #عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ ص ، قال:$أفضلُ الصَّلاةِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللّيْلِ #.
وعن عبد الله بن مسعود تقال قال رسول الله ص:$تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ الصُبْحَ غَسَلَتْهَا ، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ الظُهْرَ غَسَلَتْهَا ، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ العَصْرَ غَسَلَتْهَا ، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ فَإِذَا صَلّيْتُمُ المَغْرِبَ غَسَلَتْهَا ، ثُمَّ تَحْتَرِقُونَ تَحْتَرِقُونَ فَإِذَا صَلّيْتُمُ العِشَاءَ غَسَلَتْهَا ، ثُمَّ تَنَامُونَ فَلَا يُكْتَبُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَسْتَيْقِظُوا » (رواه الطبراني وإسناده حسن).
وكذلك قيامُ الليل يُكفر الخطايا ؛ لأنَّه أفضلُ نوافل الصلاة.
عَنْ بِلَالٍ بْنِ رَبَاحٍ ت أَنَّ رَسُولَ اللهِ صقَالَ :«عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ ؛ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ ، وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ ، وَمَنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ» (صحيح رواه الترمذي).
(عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ )أَيْ التَّهَجُّدِ فِيهِ( فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ) أَيْ عَادَتُهُمْ وَشَأْنُهُمْ. (وَإِنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إِلَى اللهِ )أَيْ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى (وَمَنْهَاةٌ ) أَيْ نَاهِيَةٌ(عَنْ الْإِثْمِ) أَيْ عَنْ اِرْتِكَابِهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْـمُنْكَرِ )(وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ )أَيْ مُكَفِّرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَسَاتِرَةٌ لَهَا(وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْجَسَدِ)أَيْ طَارِدٌ وَمُبْعِدٌ لِلدَّاءِ عَنْ الْبَدَنِ.
وقد تقدَّم أنَّ صدقة السِّرِّ تُطفئُ الخطيئة ، وتُطفئ غضبَ الرَّبِّ ، فكذلك صلاةُ الليل.
وقوله:$ثُمَّ تَلَا:( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة:16 - 17) ، يعني:أنَّ النَّبيَّ ص تلا هاتين الآيتين عندَ ذكره فضلَ صلاة الليل ، ليبيِّنَ بذلك فضل صلاة الليل ، وقد رُويَ عن أنس أنَّ هذه الآية نزلت في انتظار صلاةِ العشاء ، (رواه الترمذي وإسناده جيد).ورُوي عنه أنَّه قال في هذه الآية:كانوا يتنفلون بينَ المغرب والعشاء.(رواه أبو داود وإسناده صحيح).
وكلُّ هذا يدخل في عموم لفظ الآية ، فإنَّ الله مدح الذين تتجافى جنوبُهم عن المضاجع لدعائه ، فيشملُ ذلك كلَّ مَنْ ترك النَّومَ بالليل لذكر الله ودُعائه ، فيدخلُ فيه مَنْ صلَّى بين العشاءين ، ومن انتظرَ صلاة العشاءِ فلم ينم حتَّى يُصليها لاسيما مع حاجته إلى النوم ، ومجاهدة نفسه على تركه لأداء الفريضة ، وقد قال النَّبيُّ ص لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاء:$إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ # (رواه البخاري ومسلم).
ويدخلُ فيه مَنْ نامَ ثمَّ قام مِنْ نومه باللَّيل للتهجُّدِ ، وهو أفضلُ أنواع التطوُّع بالصَّلاة مطلقًا.وربما دخل فيه من ترك النَّوم عندَ طُلوع الفجر ، وقام إلى أداء صلاةِ الصُّبح ، لاسيما مع غَلَبَةِ النَّوم عليه ، ولهذا يُشرع للمؤذِّن في أذان الفجر أنْ يقولَ في أذانه:الصَّلاة خَيرٌ مِن النوم.
وقوله ص:$وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ # ذكر أفضلَ أوقات التهجُّد بالليل ، وهو جوفُ الليل
عَنْ أَبِي أُمَامَةَت قَالَ:قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِص ، أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ:«جَوْفَ اللَّيْلِ الْآخِرِ ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الـْمَكْتُوبَاتِ»(صحيح رواه الترمذي).
( أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ )أَيْ أَوْفَقُ إِلَى السَّمَاءِ أَوْ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ.
وعن عَمْرو بْنُ عَبَسَةَت أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صيَقُولُ: $ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ # (صحيح رواه الترمذي).
وقد قيل:إنَّ جوف الليل إذا أطلق ، فالمرادُ به وسطُه ، وإنْ قيل:جوف الليل الآخر ، فالمرادُ وسط النِّصف الثاني ، وهو السدسُ الخامسُ من أسداس الليل ، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النزول الإلهي.
آدِمِ الصيـــامَ مع القيـامِ تعبدًا فكلاهما عمــلانِ مقبــولانِ
قُمْ في الدُجَـــى واتْلُ الكتـابَ ولا تَنَمْ إلا كنَوْمةِ حائرٍ ولهَانِ
فلــربما تأتِـــي المنِيَّـــةُ بغتَــةً فَتُسَاقُ مِنْ فُرُشٍ إلى الأكفانِ
يا حبَّذا عَيْنانِ في غَسَقِ الدُجَى مِن خشيةِ الرحمــنِ باكيتــانِ
رأسِ الأمر وعموده وذِروة سنامه:
ثُمَّ قالَ:$أَلا أُخْبِرُكُ برَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِه وذِرْوَة سِنَامِهِ؟ # قُلتُ:بَلَى يا رَسولَ الله ، قال:$رَأسُ الأمْرِ الإسْلامُ ، وعَمُودُه الصَّلاةُ ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجهادُ #
فأخبر النَّبيُّ ص عن ثلاثة أشياء:رأس الأمر ، وعموده ، وذروة سنامه.
فأمَّا رأس الأمر ، ويعني بالأمر:الدين الذي بعث به وهو الإسلام ، وقد جاء تفسيرُه في رواية أخرى بالشهادتين ، فمن لم يقرَّ بهما ظاهرًا وباطنًا ، فليسَ من الإسلام في شيء.وأمَّا قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين كما يقومُ الفسطاطُ على عموده ، فهو الصلاة.
وأمَّا ذِروة سنامه ـ وهو أعلى ما فيه وأرفعه ـ فهو الجهاد ، وهذا يدلُّ على أنَّه أفضلُ الأعمال بعدَ الفرائض ؛ ففي $الصحيحين #عن أبي ذرٍّ ، قال:قلتُ:يا رسولَ اللهِ ، أيُّ العمل أفضلُ؟ قال:$إيمانٌ باللهِ وجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ #.
وفيهما عن أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ ص ، قال:$أفْضَلُ الأعْمَالِ إيمانٌ بِاللهِ ، ثُمَّ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ #.والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ جدًا.
ولستُ أبالي حين أُقتَلُ مسلماٌ على أي جنبٍ كان في اللهِ مصرعِي
وذلكَ في ذاتِ الإلهِ وإنْ يَشَأ يُبارِكْ علَى أوصالِ شِـــــلوٍ مُمَزَّعِ
أصلُ الخير كُلّه كفَّ اللسان وضبطه وحبسه:
وقوله:$ألا أُخْبِرُكَ بملَاكِ ذلِكَ كُلِّه # قلتُ:بلى يا رسول الله ، فأخذ بلسانه فقال:$كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا # إلى آخر الحديث.هذا يدلُّ على أنَّ كفَّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصلُ الخير كُلِّه ، وأنَّ من ملك لسانه ، فقد ملك أمره وأحكمه وضبطه ، وقد قال ص:$ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ # (رواه البخاري ومسلم).
حصائد الألسنة:
والمرادُ بحصائد الألسنة:جزاءُ الكلام المحرَّم وعقوباته ؛ فإنَّ الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسنات والسَّيِّئات ، ثم يَحصُدُ يومَ القيامة ما زرع ، فمن زرع خيرًا من قولٍ أو عملٍ حَصَد الكرامةَ ، ومن زرع شرًَّا مِنْ قولٍ أو عملٍ حصد غدًا النَّدامة.
لسانُك لا تذْكُـــرْ به عَــــوْرةَ امرِءٍ فكُلّكَ عوْراتُ وللناسِ ألسُـنُ
وعينُك إنْ أبْدَتْ إليـــكَ مَعَــــائِبًا فَصُنْها وقُلْ يا عَيْنُ للناسِ أعيُنُ
وعاشِرْ بمعروفٍ وسامِحْ مَن اعتدَى وفارِق ولكنْ بالتي هيَ أحسنُ
وظاهرُ حديثِ معاذ يدلُّ على أنَّ أكثر ما يدخل النَّاسُ به النار النُّطقُ بألسنتهم ، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ الله ﻷ ، ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم ، وهو قرينُ الشِّركِ ، ويدخلُ فيه شهادةُ الزُّور التي عدَلت الإشراك بالله ﻷ ، ويدخلُ فيها السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائر والصَّغائر كالكذب والغيبةِ والنَّميمة ، وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالبًا من قول يقترن بها يكون معينًا عليها.
وفي حديث أبي هُريرة ، عن النَّبيِّ ص ، قال:$أكْثَرُ مَا يُدخِلُ النَّاسَ النَارَ الأجْوَفَانِ:الفَمُ والفَرْجُ # (صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي ).وفي $الصحيحين #عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ ص ، قال:$ إنَّ الرَجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّّنُ مَا فِيها ، يَزِلُّ بها في النَّارِ أبْعَدَ مَا بَيْنَ المَشْرِقِ والَـمْغْرِبِ # ورواه الترمذي ، ولفظه:$ إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأسًا ، يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ # (صحيح).
وقال ابن مسعود:«والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان».وكان يقول:«يا لسان قُل خيرًا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم».
وعن أبي الدرداء ت قال:« أنصف أذنيك من فِيكَ (فمك) ، وإنما جُعل لك أذنان وفم واحد لتسمع أكثر مما تتكلم».
وقال شميط بن عجلان:يا ابن آدم إنك ما سكت فأنت سالم فإذا تكلمت فخذ حذرك إما لك وإما عليك ».
وقال الحسن:اللسان أميرُ البدن ، فإذا جنَى على الأعضاء شيئًا جنَتْ ، وإذا عفَّ عفَّتْ.
وقال يحيى بن أبي كثير:ما صلح منطقُ رجل إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله ، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله.
وقال المبارك بن فضالة ، عن يونس بن عبيد:«لا تجدُ شيئًا مِنَ البرِّ واحدًا يتَّبعه البِرُّ كلّه غيرَ اللسان ، فإنَّك تَجِدُ الرجل يصومُ النهار ، ويُفطر على حرام ، ويقومُ الليل ويشهد بالزور بالنهار ـ وذكرَ أشياءَ نحو هذا ـ ولكن لا تجده لا يتكلَّم إلا بحقٍّ فَيُخالف ذلك عمله أبدًا».
احفَظْ لسانَكَ أيُّها الإنْسانُ لا يلْدَغَنَّــكَ إنَّهُ ثعبـــــانُ
كَمْ في المقابرِ مِن قتيلِ لسانهِ كانتْ تهابُ لقائِه الشجعانُ
31-قُلْ:آمَنْتُ باللهِ ، ثمَّ استقِمْ
عَنْ سُفيانَ بن عبدِ اللهِ ت ، قالَ:قُلتُ:يا رَسولَ اللهِ ، قُلْ لي في الإسلام قولًا لا أسألُ عَنْهُ أحدًا غَيرَكَ ، قال:$ قُلْ:آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ # (رواهُ مُسلم).
ولفظ الترمذي:عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّت قَالَ:قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ ، قَالَ:« قُلْ رَبِّيَ اللهُ ثُمَّ اسْتَقِمْ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالَ:« هَذَا »(صحيح رواه الترمذي).
كلام جامع :
طلب سفيان بن عبد الله تمن النَّبيِّ ص أنْ يُعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا حتّى لا يحتاجَ بعدَه إلى غيره ، فقالَ لهُ النَّبيُّ ص:$ قُلْ:آمَنْتُ بِاللهِ ، ثُمَّ اسْتَقِمْ #.
هذا منتزع من قوله ﻷ:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْـمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (فصلت:30) ، وقوله ﻷ:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأحقاف:13-14).
قال أبو بكر الصديق في تفسير (ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال:لم يشركُوا بالله شيئًا.وعنه قال:لم يلتفتوا إلى إله غيره.وعنه قال:ثم استقاموا على أنَّ الله رَبُّهم.
ورُوي عن عمر بن الخطاب أنَّه قرأ هذه الآية على المنبر (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) فقال:لم يَروغوا رَوَغَانَ الثَّعلب.
وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) قال:استقاموا على أداءِ فرائضه.
وعن أبي العالية ، قال:ثمَّ أخلصوا له الدينَ والعملَ.
وعن قتادة قال:استقاموا على طاعة الله.
وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال:اللهمَّ أنت ربُّنا فارزقْنا الاستقامة.
ولعل من قال:إنَّ المرادَ الاستقامة على التوحيد إنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النار ، وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله ، فإنَّ الإله هو الذي يُطاعُ ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالًا ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلًا ودعاءً.
والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد ؛ لأنَّها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان ، قال الله ﻷ:(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ) (الجاثية:23) قالَ الحسن وغيره:«هوَ الذي لا يهوى شيئًا إلاَّ ركبه » ، فهذا يُنافي الاستقامة على التوحيد.
قوله ص:$قُلْ:آمنْتُ بِاللِه # الإيمانَ يدخل فيه الأعمالُ الصالحة؛ فالإيمان قول وعمل ، قول باللسان وهو الإقرار ، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، مع الإخلاص بالنية الصادقة.
وقال الله ﻷ:(فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:112).فأمره أنْ يستقيمَ هوَ ومن تاب معه ، وأنْ لا يُجاوزوا ما أُمِروا به ، وهو الطغيانُ ، وأخبر أنَّه بصيرٌ بأعمالهم ، مطَّلعٌ عليها.
وقال تعالى:(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ )(الشورى :15).قال قتادة:أُمِرَ محمد ص أنْ يستقيمَ على أمر الله.وقال الثوري:على القرآن.
وقال ﻷ:( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) (فصلت:6).
وقد أمرَ الله تعالى بإقامةِ الدِّين عمومًا كما قال:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) (الشورى:13) ، وأمر بإقام الصلاة في غير موضعٍ من كتابه ، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين.
معنى الاستقامة:
الاستقامة:هي سلوكُ الصِّراطِ المستقيمِ ، وهو الدِّينُ القيِّم من غير تعريجٍ عنه يَمنةً ولا يَسرةً ، ويشمل ذلك فِعلَ الطَّاعات كلّها ، الظاهرة والباطنة ، وتركَ المنهيات كُلِّها كذلك ، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها.
وفي قوله ﻷ:(فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) إشارةٌ إلى أنَّه لابُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامة المأمور بها ، فيُجبَرُ ذلك بالاستغفار المقتضي للتَّوبة والرُّجوع إلى الاستقامة ، فهو كقول النَّبيِّ ص لمعاذ:$اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وأتْبِعِ السَّيِّئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا # (رواه التِّرمِذيُّ (حسن).
وقد أخبر النَّبيُّ ص أنَّ الناس لن يُطيقوا الاستقامة حق الاستقامة ، فعَنْ ثَوْبَانَ تقَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:«اسْتَقِيمُوا ، وَلَنْ تُـحْصُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ ». (صحيح رواه ابن ماجه).
فالِاسْتِقَامَة اِتِّبَاع الْحَقّ وَالْقِيَام بِالْعَدْلِ وَمُلَازَمَة الْمَنْهَج الْـمُسْتَقِيم مِنْ الْإِتْيَان بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَات وَالِانْتِهَاء عَنْ جَمِيع الْمَنَاهِي ، وَذَلِكَ خَطْب عَظِيم لَا يُطِيقهُ إِلَّا مَنْ اِسْتَضَاءَ قَلْبه ، وَتَخَلَّصَ عَنْ الظُّلُمَات ، وَأَيَّدَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ عِنْده ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ، فَأَخْبَرَ بَعْد الْأَمْر بِذَلِكَ أَنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى إِيفَاء حَقّه وَالْبُلُوغ إِلَى غَايَته بِقَوْلِهِ:
(وَلَنْ تُـحْصُوا)أَيْ وَلَنْ تُطِيقُوا ، وَأَصْل الْإِحْصَاء الْعَدْل وَالْإِحَاطَة بِهِ لِئَلَّا يَغْفُلُوا عَنْهُ فَلَا يَتَّكِلُوا عَلَى مَا يُوفُونَ بِهِ وَلَا يَيْأَسُوا مِنْ رَحْمَته فِيمَا يَذَرُونَ عَجْزًا وَقُصُورًا لَا تَقْصِيرًا ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: لَنْ تُحْصُوا ثَوَابه.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةَ)أَيْ إِنْ لَمْ تُطِيقُوا بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ الِاسْتِقَامَة فَحَقّ عَلَيْكُمْ أَنْ تَلْزَمُوا فَرْضهَا وَهِيَ الصَّلَاة الْجَامِعَة لِأَنْوَاعِ الْعِبَادَات الْقِرَاءَة وَالتَّسْبِيح وَالتَّهْلِيل وَالْإِمْسَاك عَنْ كَلَام الْغَيْر.
قَوْله (وَلَا يُحَافِظ عَلَى الْوُضُوء ) أَيْ فِي أَوْقَاته ( إِلَّا مُؤْمِنٌ) فَإِنَّ الظَّاهِر عِنْوَان الْبَاطِن فَطَهَارَة الظَّاهِر دَلِيل عَلَى طَهَارَة الْبَاطِن سِيَّمَا الْوُضُوء عَلَى الْمَكَارِه كَمَا فِي أَيَّام الْبَرْد.
وفي (الصحيحين) عن أبي هريرة ت، عن النَّبيِّ ص قال:$سَدِّدُوا وَقَارِبُوا #.
فالسَّدادُ:هو حقيقةُ الاستقامة ، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمال والمقاصد ، كالذي يرمي إلى غرض ، فيُصيبه ، وقد أمرَ النَّبيُّ ص عليًّا تبأنْ يسألَ الله ﻷ السَّداد والهدى ، فعَنْ عَلِيٍّ تقَالَ:قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ص:$قُلْ اللهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي ، وَاذْكُرْ بِالْـهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ وَالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ» (رواه مسلم).
وَسَدَاد السَّهْم:تَقْوِيمه ، وَمَعْنَى (سَدِّدْنِي):وَفِّقْنِي وَاجْعَلْنِي مُنْتَصِبًا فِي جَمِيع أُمُورِي مُسْتَقِيمًا ، وَأَصْل السَّدَاد الِاسْتِقَامَة وَالْقَصْد فِي الْأُمُور ، وَأَمَّا الْهُدَى هُنَا فَهُوَ الرَّشَاد.
وَمَعْنَى (اُذْكُرْ بِالـْهُدَى هِدَايَتك الطَّرِيق وَالسَّدَاد سَدَاد السَّهْم ) أَيْ:تَذَكَّر فِي حَال دُعَائِك بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ ، لِأَنَّ هَادِي الطَّرِيق لَا يَزِيغ عَنْهُ ، وَمُسَدِّد السَّهْم يَحْرِص عَلَى تَقْوِيمه ، وَلَا يَسْتَقِيم رَمْيه حَتَّى يُقَوِّمهُ ، وَكَذَا الدَّاعِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِص عَلَى تَسْدِيد عِلْمه وَتَقْوِيمه ، وَلُزُومه السُّنَّة ، وَقِيلَ:لِيَتَذَكَّر بِهَذَا لَفْظ السَّدَاد وَالْهُدَى لِئَلَّا يَنْسَاهُ.
والمقاربة:أنْ يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسَه ، ولكن بشرط أنْ يكونَ مصمِّمًا على قصد السَّداد وإصابة الغرض ، فتكون مقاربتُه عن غير عمدٍ ، ويدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ ص:$ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَنْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تُطِيقُوا كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ ، وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا # (حسن رواه الإمام أحمد).
والمعني:اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في العمل كلِّه ، لكانوا قد فعلوا ما أُمِرُوا به كُلِّه.
أصلُ الاستقامةِ:
أصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد ، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه:( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ) (الأحقاف:13) بأنَّهم لم يلتفتوا إلى
غيره ، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله ، وعلى خشيته ، وإجلاله ، ومهابته ، ومحبته ، وإرادته ، ورجائه ، ودعائه ، والتوكُّلِ عليه ، والإعراض عما سواه ، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته ، فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء ، وهي جنودهُ ، فإذا استقامَ الملك ، استقامت جنودُه ورعاياه.
وكذلك فسَّر قوله تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ) (الروم:30) بإخلاص القصد لله وإرادته وحدَه لا شريكَ له.
والإخلاص شرط في قبول الله تعالى للعمل الصالح ، قال الله تعالى:( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(البينة:5).
وقال:( فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ* أَلَا لِله الدِّينُ الـْخَالِصُ ) (الزمر:2-3) .
(فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) أي: أخلص للّه تعالى جميع دينك، من الشرائع الظاهرة والشرائع الباطنة: الإسلام والإيمان والإحسان، بأن تفرد اللّه وحده بها، وتقصد به وجهه، لا غير ذلك من المقاصد.
( أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْـخَالِصُ ) هذا تقرير للأمر بالإخلاص، وبيان أنه تعالى كما أنه له الكمال كله، وله التفضل على عباده من جميع الوجوه، فكذلك له الدين الخالص الصافي من جميع الشوائب، فهو الدين الذي ارتضاه لنفسه، وارتضاه لصفوة خلقه وأمرهم به، لأنه متضمن للتأله للّه في حبه وخوفه ورجائه، وللإنابة إليه في عبوديته، والإنابة إليه في تحصيل مطالب عباده.
وذلك الذي يصلح القلوب ويزكيها ويطهرها، دون الشرك به في شيء من العبادة. فإن اللّه بريء منه، وليس للّه فيه شيء، فهو أغنى الشركاء عن الشرك، وهو مفسد للقلوب والأرواح والدنيا والآخرة ، مُشْقٍ للنفوس غاية الشقاء،
وعن أبي هريرة ت قال قال رسول الله ص:« قالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: أنَا أغْنَى الشُرَكَاءِ عَنِ الشِركِ ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْري تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ»( رواه مسلم).
وَمَعْنَاهُ: أَنَا غَنِيّ عَنْ الْـمُشَارَكَة وَغَيْرهَا ، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلهُ ، بَلْ أَتْرُكهُ لِذَلِكَ الْغَيْر . وَالـْمُرَاد أَنَّ عَمَل الْـمُرَائِي بَاطِل لَا ثَوَاب فِيهِ ، وَيَأْثَم بِهِ .
قال الفضيل بن عياض/:«ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما»( ).
وإن تمام الاستقامة بشهادة أن لا إلَه إلاّ الله أن لا ينوي حينما يفعل إحسانا الاّ أن ذلك لله وحده ، ولا يترك فعلا إلا لله ، ولا يتأثر بفعل ما سواء حضر الناس أم غابوا.
وعلى المؤمن أن يكون عمله خالصًا من أي رياء أو منّ على أحد ، وأن يكون له من أعمال السر ما لا يعلم به أحد إلاّ الله كصدقة السر أو صلاة التهجد منفردًا أو إحسان لا يعلم به أحد حتى من يستفيد منه ، ويجاهد نفسه على أن تكون الأعمال الظاهرة الأخرى خالصة من الشوائب قدر استطاعته فتلك خطوة أخرى على طريق الاستقامة.
كما أن عليه أن لا يترك عملا صالحًا من أجل الناس قال الله تعالى عن المؤمنين: (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ) (المائدة54) فهو لا يرى لغير الله إرادة أو استطاعة لضرر إلاّ بإذنه وكلما ازداد المؤمن إيمانًا ، كلما وضحت عنده تلك الحقيقة وفتح الله له بحيث يرى براهين جديدة تطمئن إليها نفسه.
كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بنُ أبي سُفْيَان ب إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْـمُؤْمِنِينَ لأَنْ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي عَلَيَّ فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ لإِلَى مُعَاوِيَةَ :«سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صيَقُولُ :«مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ» ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ» (صحيح رواه الترمذي).
( مَنْ اِلْتَمَسَ)أَيْ طَلَبَ(بِسَخَطِ النَّاسِ)السَّخَطُ وَالسُّخُطُ وَالسُّخْطُ وَالْمَسْخَطُ الْكَرَاهَةُ لِلشَّيْءِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ( كَفَاهُ اللهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ)لِأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِنْ حِزْبِ اللهِ وَهُوَ لَا يَخِيبُ مَنْ اِلْتَجَأَ إِلَيْهِ ، أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمْ الْـمُفْلِحُونَ.
(وَكَلَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ)أَيْ سَلَّطَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤْذُوهُ وَيَظْلِمُوا عَلَيْهِ.
استقامة اللسان:
وأعظم ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح اللسانُ ، فإنَّه ترجمانُ القلب والمعبِّرُ عنه ، ولهذا لما أمر النَّبيُّ ص بالاستقامة ، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظ لسانه ، وفي (مسند الإمام أحمد) عن النَّبيِّ ص ، قال:$ لا يَسْتَقِيمُ إيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، ولَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُه حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ # (إسناده حسن).
وقال النبي ص: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ اتَّقِ اللهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا # (حسن رواه الترمذي).
قَوْلُهُ ص:$إِذَا أَصْبَحَ اِبْنُ آدَمَ # أَيْ دَخَلَ فِي الصَّبَاحِ (فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ)جَمْعُ عُضْوٍ كُلُّ عَظْمٍ وَافِرٍ بِلَحْمِهِ(كُلَّهَا)تَأْكِيدٌ(تُكَفِّرُ اللِّسَانَ)بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَكْسُورَةِ ، أَيْ تَتَذَلَّلُ وَتَتَوَاضَعُ لَهُ ، والتَّكْفِيرُ هُوَ أَنْ يَنْحَنِيَ الْإِنْسَانُ وَيُطَأْطِئَ رَأْسَهُ قَرِيبًا مِنْ الرُّكُوعِ كَمَا يَفْعَلُ مَنْ يُرِيدُ تَعْظِيمَ صَاحِبِهِ.
( فَتَقُولُ )أَيْ الْأَعْضَاءُ لَهُ (اِتَّقِ اللهَ فِينَا)أَيْ خَفْهُ فِي حِفْظِ حُقُوقِنَا (فَإِنَّمَا نَحْنُ بِك)أَيْ نَتَعَلَّقُ وَنَسْتَقِيمُ وَنَعْوَجُّ بِك(فَإِنْ اِسْتَقَمْت)أَيْ اِعْتَدَلَتْ(اِسْتَقَمْنَا) أَيْ اِعْتَدَلْنَا تَبَعًا لَك( وَإِنْ اعْوَجَجْت )أَيْ مِلْت عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى(اعْوَجَجْنَا)أَيْ مِلْنَا عَنْهُ اِقْتِدَاءً بِك.
ما يعين على الاستقامة:
1- التمسك بكتاب الله:قال ص:«وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللهِ» (رواه مسلم) وقال ص:«عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللهِ أحِلُوا حَلَالَه وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ» (صحيح رواه الطبراني) ، فكتاب الله تعالى ففيه خبر الأمم السالفة وفيه التحذير من غوائل ما سيقع وفيه حكم ما بيننا وفيه الترغيب والترهيب وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق وفيه الأحكام لكل الأزمنة والأمكنة فهو كلام رب العالمين الذي يعلم ما يصلح للناس في دنياهم وأخراهم.
2- اتباع سنة رسول الله ص فعن أبي هريرة ت قال:قال رسول الله ص:$كُلّ أمَّتِي يَدخُلُونَ الجَنّةَ إلاّ مَنْ أبَى # ، قيل:ومن يأبى يا رسول الله؟ قال:$ مَنْ أطَاعَنِي دَخَلَ الجَنّة ، ومَنْ عَصَانِي فَقَد أبَى # (رواه البخاري)
واتباع السنة الذي يشير إليه هذا الحديث ، ثابت بالقرآن:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )(آل عمران:31)
( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْـهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْـمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا ) (النساء: 115) .
والمسلم يهرع إلى سنة رسول اللهص مستفتيًا كلما طرأ له أمر ذي بال إذ أن حياته المعنوية قائمة بين المسلمين متمثلة بكتب السنة.وعليه أن يرضى بعد ذلك بحكم رسول الله الوارد في سنته.
3- محبة الله ورسولهص:
فعن أنس بن مالك ت عن النبي ص قال:$ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا للهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ # (متفق عليه)
محبة العبد لربه نور يقذفه الله في قلوب من يحب من عباده الصالحين حتى إن العبد ليجد حلاوة ذلك فلا يعبأ بما يلاقي من أذى في سبيل الله.اسمع قوله جل شأنه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (المائدة:54) وهكذا فإن محبة العبد لربه مقترنة بمحبة الله تعالى لعبده.ومحبة العبد لربه دليل على معرفته به.
قال الحسن البصري:«من عرف ربه أحبه ، ومن عرف الدنيا زهد فيها ، والمؤمن لا يلهو حتى يغفل ، فإذا تفكر حزن».
ولكن ما الدليل على صدق من يدعي محبة الله تعالى؟ إن جواب ذلك في كتاب الله:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31) ، ومن يصدق في محبته لله ولرسوله يرخص عنده كل غال في سبيل الله.استمع إلى قوله تعالى:( قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة:24) وقد أحسن من قال:
تَعْصِي الإلَهَ وأنتَ تزعُمُ حُبـَّـهُ هذَا ـ ورَبِّي ـ في القـــــياسِ شـنيعُ
لو كان حبُّكَ صادقًا لأطعْتَــهُ إن المحــــبَّ لِـمَـــنْ يُحبُّ مطـيـعُ
عَنْ أَنَسٍ تأَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صعَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ: « مَتَى السَّاعَةُ » ، قَالَ:« وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟» ، قَالَ:« لَا شَيْءَ ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ ص» ، فَقَالَ :«أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
قَالَ أَنَسٌت:« فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ص:«أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
قَالَ أَنَسٌ:« فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صوَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ». (رواه البخاري ومسلم).
4ـ جهاد النفس:قال تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْـمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: 69) ، وقال أيضا:( وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) (الطلاق: 4).
وكلما ازداد المؤمن تقوى ، كلما ازداد عون الله له وتسديدهُ لخطاهُ ، فإذا أحَسَن وجد الثواب سريعا كإجابة الدعاء أو تيسير المزيد من الصالحات أو وقايته من السيئات ، قال تعالى:( فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (الليل:5-7).
أما إذا غفل المؤمن التقي فأخطأ ، فإن تسديد الله له يكون بتذكره لخطئه بشكل ما ، قال الله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) (الأعراف:201) .
5- الرضا:قال رسول الله ص» إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ »(حسن رواه الترمذي).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَت قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ » ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ت:فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ » فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ:« اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ» (حسن رواه الترمذي).
(هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ )أَيْ الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ لِلسَّامِعِ الْـمُصَوَّرَةَ فِي ذِهْنِ الْـمُتَكَلِّمِ.
(وَقَالَ اِتَّقِ الْمَحَارِمَ )أَيْ اِحْذَرْ الْوُقُوعَ فِيمَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْك
( تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ )أَيْ مِنْ أَعْبَدْهُمْ.
( وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَك)أَيْ أَعْطَاك( تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) فَإِنَّ مَنْ قَنَعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ وَلَمْ يَطْمَعْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ اِسْتَغْنَى عَنْهُمْ ، قال ص:«لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ »(رواه البخاري ومسلم).
والْعَرَض هُوَ مَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا.
(وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِك) بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ(تَكُنْ مُؤْمِنًا)أَيْ كَامِلَ الْإِيمَانِ.
(وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِك)مِنْ الْخَيْرِ( تَكُنْ مُسْلِمًا )أَيْ كَامِلَ الْإِسْلَامِ.
( وَلَا تُكْثِرْ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ )أَيْ تُصَيِّرُهُ مَغْمُورًا فِي الظُّلُمَاتِ ، بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا مَكْرُوهًا ، وَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ
قال عبد الله بن مسعود ت:«ارْضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، واجتنب ما حرم الله عليك تكن مِن أورعِ الناس ، وأدِّ ما افترض الله عليك تكن من أعبدَ الناس ، ولا تَشْكُ مَن هو أرحمُ بك (الله ﻷ) إلى من لا يرحمك (الناس) ، واستعن بالله تكن من أهل خاصته».
وكتب عمر بن الخطاب ت إلى أبي موسى الأشعري:«أما بعد فإن الخير كله في الرضا ، فإن إستطعت أن ترضى وإلاّ فاصبر».
وكان ص يدعو:$أللّهُمّ إنّي أسْألُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ #(صحيح رواه أحمد).
إن عدم الرضا بمصائب الدنيا قد يصحبه الجزع ، ومَن جزعَ من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه ، لأن الجزع نفسه هو مصيبة في الدين ، فالمؤمن يرضى عن ربه وعن ما يقضي به ربه ، فالخير ما يختاره الله لعبده المؤمن لا ما يحبه �



ساحة النقاش