23- إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ
عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ ت ، عَنْ رسولِ الله ص قال:$إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة ، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ #.رواهُ مُسلم.
(الذِّبْحَةَ) بكسر الذال والهاء كالقتلةِ ، وهي الهيئة ، ويروى:$الذَّبْحَ #بفتح الذال بغير هاء.
معنى الحديث:
قولُه ص:$ إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ #ظاهرُهُ يقتضي أنَّه كتب على كلِّ مخلوق الإحسّان ، فيكون كُلُّ شيءٍ ، أو كُلُّ مخلوق هو المكتوبَ عليه ، والمكتوب هو الإحسّانُ.
وقيل:إنَّ المعنى:أنَّ الله كتب الإحسّانَ إلى كلِّ شيء ، أو في كلّ شيء ، أو كتب الإحسّانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ ، فيكون المكتوبُ عليه غيرَ مذكور ، وإنَّما المذكورُ المحسَن إليه.
ولفظ:$الكتابة #يقتضي الوجوب عندَ أكثرِ الفقهاء والأصوليين ، وإنَّما يعرف استعمالُ لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتمٌ إمَّا شرعًا ، كقوله تعالى:(إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) (النساء:103) ، وقوله:(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ) (البقرة:183) ، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ) (البقرة:216) ، أو فيما هو واقع قدرًا لا محالة ، كقوله:(كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) (المجادلة:21) ، وقوله:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (الأنبياء:105) ، وقوله:(أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان ) (المجادلة:22).وقال النَّبيُّ ص في قيام شهر رمضانَ:$إنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ #(رواه البخاري ومسلم)
فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسّان ، وقد أمر الله تعالى به ، فقال:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ) (النحل:90) ، وقال:(وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُحْسِنِينَ ) (البقرة:195).
وهذا الأمرُ بالإحسّانِ تارةً يكونُ للوجوب كالإحسّان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ ، والإحسّانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه.
وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها.
دلالة الحديث:
وهذا الحديثُ يدلّ على وجوب الإحسّانِ في كل شيء من الأعمال ، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه ، فالإحسّانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ:الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها ، فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب ، وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب.
والإحسّانُ في ترك المحرَّمات:الانتهاءُ عنها ، وتركُ ظاهرها وباطنها ، كما قال تعالى:(وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ) (الأنعام:120).فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب.
وأما الإحسّانُ في الصبر على المقدورات ، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع.
والإحسّانُ الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم:القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه ، والإحسّانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم ، القيام بواجبات الولاية كُلِّها ، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب.
والإحسّانُ في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب:إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها من غير زيادةٍ في التعذيب ، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه.
وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ ص في هذا الحديث ، ولعله ذكره على سبيلِ المثال ، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال:$ فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة ، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ #والقِتلة والذِّبحة بالكسر ، أي:الهيئة ، والمعنى:أحسنوا هيئة الذبح ، وهيئة القتل.
وهذا يدلُّ على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوه.وقد حكى ابنُ حَزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة.
وأسهلُ وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق ، قال الله تعالى في حقِّ الكفار:(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ ) (محمد:4) ، وقال تعالى:(سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ ) (الأنفال:12) وقد قيل:إنَّه عين الموضع الذي يكونُ الضربُ فيه أسهلَ على المقتول وهو فوقَ العظام دونَ الدماغ ، ووصى دريدُ بنُ الصِّمة قاتله أنْ يَقْتُلَهُ كذلك.
وكان النَّبيُّ ص إذا بعث سريةً تغزوا في سبيل الله قال لهم:$لا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا # (رواه مسلم).
وخرَّج أحمد وأبو داود من حديث عمران بنِ حُصينٍ وسَمُرَة بنِ جُندبٍ:أنَّ النَّبيَّ ص كان يَنْهَى عن المُثْلةِ».(صحيح).
وخرَّجه البخاري من حديث عبد الله بن يزيد ، عن النَّبيِّ ص أنَّه:نَهى عن المُثلَةِ.
القتلَ المباحَ يقع على وجهين:
أحدُهما: أنْ يكون قصاصًا ، فلا يجوزُ التمثيلُ فيه بالمقتص منه ، بل يُقتَلُ كما قَتَلَ ، فإنْ كان قد مَثَّلَ بالمقتولِ ، فهل يُمثَّلُ به كما فعل أمْ لا يُقتل إلا بالسيف؟ فيهِ قولان مشهوران للعلماء:
أحدُهما:أنَّه يُفعَلُ به كما فَعَلَ ، وفي $الصحيحين #عن أنسٍ تقالَ:خَرَجَتْ جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة ، فرماها يهودي بحجر ، فجيء بها إلى رسول الله ص وبها رَمَقٌ ، فقالَ لها رسول الله ص:$فلانٌ قتلك؟ #فرفعت رأسها ، فقال لها في الثالثة:$فلان قتلك؟ # فخفضت رأسها ، فدعا به رسولُ الله ص ، فرضخ رأسه بَيْنَ الحَجَرَين.وفي روايةٍ لهما:فَأُخِذَ فاعترفَ ، وفي روايةٍ لمسلم:أنَّ رجلًا من اليهود قتلَ جاريةً من الأنصار على حُليٍّ لها ، ثم ألقاها في القَلِيب (البئر) ، ورضَخَ رأسَها بالحجارة ، فأُخِذَ ، فأُتي به النَّبيَّ ص ، فأمر به أنْ يُرجَمَ حتّى يموت ، فرُجِمَ حتى ماتَ.
فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍت قَالَ:عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَى جَارِيَةٍ فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ ص وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص :«مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلَانٌ ؟» ، لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا .
قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا ، فَأَشَارَتْ أَنْ لَا ، فَقَالَ فَفُلَانٌ ـ لِقَاتِلِهَا ـ فَأَشَارَتْ أَنْ نَعَمْ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ت فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي روايةٍ لمسلم:عَنْ أَنَسٍتأَنَّ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ قَتَلَ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى حُلِيٍّ لَهَا ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي الْقَلِيبِ ، وَرَضَخَ رَأْسَهَا بِالْحِجَارَةِ فَأُخِذَ فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ حَتَّى يَمُوتَ ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ».
(الْأَوْضَاح): قِطَع فِضَّة ، (رَمَق): بَقِيَّة الْحَيَاة وَالرُّوح.وَالْقَلِيب: الْبِئْر.
( رَضَخَهُ بَيْن حَجَرَيْنِ وَرَضَّهُ بِالْحِجَارَةِ وَرَجَمَهُ بِالْحِجَارَةِ ) هَذِهِ الْأَلْفَاظ مَعْنَاهَا وَاحِد ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَضَعَ رَأْسه عَلَى حَجَر وَرُمِيَ بِحَجَرٍ آخَر فَقَدْ رَجَمَ ، وَقَدْ رَضَّ ، وَقَدْ رَضَخَ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنَّهُ رَجَمَهَا الرَّجْم الْمَعْرُوف مَعَ الرَّضْخ ؛ لِقَوْلِهِ : ثُمَّ أَلْقَاهَا فِي قَلِيب .
وَفِي هَذَا الْحَدِيث فَوَائِد مِنْهَا : أَنَّ الْجَانِي عَمْدًا يُقْتَل قِصَاصًا عَلَى الصِّفَة الَّتِي قَتَلَ ، فَإِنْ بِسَيْفٍ قُتِلَ هُوَ بِالسَّيْفِ ، وَإِنْ قُتِلَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَب أَوْ نَحْوهمَا قُتِلَ بِمِثْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودِيّ رَضَخَهَا فَرُضِخَ هُوَ .
والقول الثاني:لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف
الوجه الثاني من وجهَي القتلَ المباحَ:أنْ يكون القتلُ للكفر ، إما لكفر أصلي ، أو لردَّة عن الإسلام ، فأكثرُ العلماء على كراهة المُثلة فيه ، وأنَّه يُقتل فيه بالسيف.
وكان النَّبيِّ ص قد أَذِنَ في التحريق بالنار ، ثم نهى عنه كما في (صحيح البخاري) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت أَنَّهُ قَالَ:$ بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ص فِي بَعْثٍ وَقَالَ لَنَا إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ» قَالَ:ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ فَقَالَ:« إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا».
وصحَّ عن عليٍّ ت أنَّه حرَّق المرتدين ، وأنكر ذلك ابنُ عباس ت عليه فروى البخاري عن ابن عبَّاسٍ ت:أنَّ النَّبيَّ ص قال:$لا تُعَذّبُوا بِعَذَابِ اللهِ ﻷ» وقيل:إنَّ عليًا ت لم يُحرّقهم ، وإنَّما دَخَّنَ عليهم حتى ماتوا.(ذكره البيهقي 9/71).
وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، والنَّسائي من حديث ابن مسعودٍ ت قال:
$كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ص ، فمَرَرْنَا بِقَرْيَةِ نَمْلٍ قَدْ أُحْرِقَتْ ، فغَضِبَ النَّبِيُّ ص وقَالَ:إنَّه لَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللهِ ﻷ #(صحيح).
وأكثرُ العلماء على كراهةِ التحريق بالنار حتى للهوام ، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: تحريقُ العقرب بالنار مُثلةٌ.ونهت أمُ الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار.وقال أحمد:لا يُشوى السمكُ في النار وهو حيٌّ.
الرفق بالحيوان:
وقد ثبت عن النَّبيِّ صأنَّه نهى عن صَبْرِ البهائِمِ ، وهو:أنْ تحبس البهيمة ، ثُمَّ تُضرب بالنبل ونحوه حتَّى تموتَ.
ففي $الصحيحين #عن أنسٍ ت:أنَّ النَّبيَّ ص نَهَى أنْ تُصْبَرَ البَهَائِم.
وفيهما أيضًا عن ابن عمر:أنَّه مرَّ بقوم نصبوا دجاجةً يرمونها ، فقال ابنُ عمر: «مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ إنَّ رَسُولَ اللهِ ص لَعَنَ مَنْ فَعَلَ هَذَا».
وروى مسلم من حديث ابنِ عباس ، عن النَّبيِّ ص$أنَّه نَهَى أنْ يُتَخَّذَ شَيْءٌ فِيهِ الرُوحُ غَرَضًا# ، والغرض:هو الذي يرمى فيه بالسهام.
وأمر النَّبيُّ صأنْ تُحَدَّ الشَّفْرةُ ، وأنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ. (رواه أحمد وإسناده صحيح) فالذبح بالآلة الحادة يُرِيحُ الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.
وقال عمر ت:«لا تَعْجلُوا الأنْفُسَ قَبْلَ أنْ تُزْهَقَ» (رواه البيهقي وقال الألباني:إسناده يحتمل التحسين)
وخرَّج الخلالُ والطبرانيُّ من حديث عكرمة ، عن ابن عباس قال:مرَّ رسولُ الله ص برجلٍ واضع رجلَه على صفحة شاةٍ وهو يحدُّ شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها ، فقال:$أفَلَا قَبْلَ هَذَا؟ تُرِيدُ أنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَيْنِ؟ # (صحيح).
وقال الإمام أحمد:تُقاد إلى الذبح قودًا رفيقًا ، وتُوارى السكينُ عنها ، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح ، أمر رسولُ الله ص بذلك:«أنْ تُوَارَى الشّفَارُ».وقال:ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنَّها تعرف ربها ، وتعرف أنَّها تموت.
وروى عبدُ الرزاق عن ابن سيرين:أنَّ عُمَرَ رأى رجلًا يسحب شاةً برجلها ليذبحها ، فقال له:وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت قودًا جميلًا.
وروى محمدُ بنُ زيادٍ:أنَّ ابن عمر رأى قصَّابًا يجُرُّ شاةً ، فقال:سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا ، فأخرج القصابُ شفرة ، فقال:ما أسوقها سوقا جميلًا وأنا أريد أنْ أذبحها الساعة ، فقال:سقها سوقًا جميلًا.
وفي $مسند الإمام أحمد #عن معاوية بنِ قُرة ، عن أبيه:أنَّ رجلًا قال للنَّبيِّ ص:يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمها ، فقال النَّبيُّ ص:$والشَاةُ إنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ#. (إسناده صحيح)
وقال مطرف بنُ عبد الله:إنَّ الله ليرحم برحمة العصفور.
وقد رُوي من غير وجه عن النَّبيِّ صأنَّه نهى أنْ تُولَّه والدة عن ولدها ، (أي يفرق بينهما) وهو عام في بني آدم وغيرهم.
فروى البخاري في (الأدب المفرد) و أبو داود والحاكم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ص فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا ، فَجَاءَتْ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَ فَقَالَ:« مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ، رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا »وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ:« مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟» ، قُلْنَا :«نَحْنُ » ، قَالَ :«إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ»(سنده صحيح).
(الحُمَّرة ):بضم الحاء وفتح الميم المشددة:طائر صغير كالعصفور أحمر اللون.
( تُفَرِّش ):أي ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض.
وَسُئِلَ ص عَنْ الْفَرَعِ قَالَ :« وَالْفَرَعُ حَقٌّ وَأَنْ تَتْرُكُوهُ حَتَّى يَكُونَ بَكْرًا شُغْزُبًّا ابْنَ مَخَاضٍ أَوْ ابْنَ لَبُونٍ ، فَتُعْطِيَهُ أَرْمَلَةً ، أَوْ تَحْمِلَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذْبَحَهُ فَيَلْزَقَ لَحْمُهُ بِوَبَرِهِ ، وَتَكْفَأَ إِنَاءَكَ ، وَتُولِهُ نَاقَتَكَ ».(حسن رواه أبو داود).
والمعنى:أنَّ ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عندَ ولادته لم يُنتفع بلحمه ، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته ، فتُكفِئ إناه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة ، وتولَّه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه.
وعن عبد الله بن جعفر تأن النبي ص فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ص حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ص فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ:« مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟» فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ :«أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ » (صحيح رواه أبو داود).
(حَائِطًا): أَيْ بُسْتَانًا(فَإِذَا): لِلْـمُفَاجَأَةِ(فَلَمَّا رَأَى): أَيْ الْجَمَل(النَّبِيّ ص).
(حَنَّ): أَيْ رَجَّعَ صَوْته وَبَكَى( وَذَرَفَتْ): أَيْ جَرَتْ(عَيْنَاهُ): أَيْ عَيْنًا الْجَمَل.
(ذِفْرَاهُ): الذِّفْرَى مِنْ الْبَعِير مُؤَخِّر رَأْسه وَهُوَ الْـمَوْضِع الَّذِي يُعْرَف مِنْ قَفَاهُ.
وقيل:ذِفْرَى الْبَعِير أَصْل أُذُنه.(وَتُدْئِبهُ): أَيْ تُكْرِههُ وَتُتْعِبهُ.
وعَنْ سَهْلِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ:مَرَّ رَسُولُ اللهِ ص بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ : «اتَّقُوا اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْـمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً» (صحيح رواه أبو داود).
(قَدْ لَحِقَ ظَهْره بِبَطْنِهِ): أَيْ مِنْ الْجُوع.
(الْـمُعْجَمَة): أَيْ الَّتِي لَا تَقْدِر عَلَى النُّطْق.وَالْمَعْنَى :خَافُوا اللهُ فِي هَذِهِ الْبَهَائِم الَّتِي لَا تَتَكَلَّم فَتَسْأَل مَا بِهَا مِنْ الْجُوع وَالْعَطَش وَالتَّعَب وَالْمَشَقَّة.
وأصل الأعجم:الذي لا يفصح بالعربية ولا يجيد التكلم بها عجميًا كان أو عربيًا سمي به لعجمة لسانه ، والتباس كلامه.
( وَكُلُوهَا صَالِحَة): أَيْ حَال كَوْنهَا صَالِحَة لِلْأَكْلِ أَيْ سَمِينَة.
قال الألباني:«قوله (كلوها) قيَّدُوها بضم الكاف من الأكل وعليه جرى المناوي في شرح هذه الكلمة ، فإذا صحت الرواية بذلك فلا كلام ، وإلا فالأقرب عندي أنها (كِلوها) بكسر الكاف من وكل يكل كل أي اتركوها ، هذا هو المتبادر من سياق الحديث.
وروى البخاري في $الأدب المفرد #أن رسول الله ص قال:« مَنْ رَحِمَ وَلَوْ ذَبِيحَةَ عُصْفُورٍ ، رَحِمَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (سنده حسن).
وقال ص:« عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ #.(رواه البخاري ومسلم).(فِي هِرَّة )أَيْ بِسَبَبِ هِرَّة. (خَشَاشِ الْأَرْضِ): هَوَامّ الْأَرْض وَحَشَرَاتهَا
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تأَنَّ رَسُولَ الله ص قَالَ:«بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ ، فَقَالَ:«لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي ».
فَمَلَأَ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ ؛ فَشَكَرَ الله لَهُ ؛ فَغَفَرَ لَهُ ».
قَالُوا:« يَا رَسُولَ الله ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟»
قَالَ:« فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». (رواه البخاري)
بَيْنَا: بَيْنَمَا. يَلْهَث:لَهَثَ الْكَلْبُ: أَخْرَجَ لِسَانه مِنْ الْعَطَش.
الثَّرَى:الْأَرْض النَّدِيَّة.خُفّه:الـخُفّ: ما يُلبَس في الرِّجْل من جِلْدٍ رقيق.
ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ:أَيْ أمسك أَحَد خُفَّيْهِ الَّذِي فِيهِ الْـمَاء بفمه ، وَإِنَّمَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِج بِيَدَيْهِ لِيَصْعَد مِنْ الْبِئْر ، وَهُوَ يدل على أَنَّ الصُّعُود مِنْهَا كَانَ عَسِرًا.
رَقِيَ: صَعِدَ. وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم أَجْرًا:أَيْ فِي سَقْي الْبَهَائِم أَوْ الْإِحْسَان إِلَى الْبَهَائِم. فِي كُلّ كَبِد رَطْبَة أَجْر: أَيْ كُلّ كَبِد حَيَّة ، وَالْـمُرَاد رُطُوبَة الْحـَيَاة ، أَوْ لِأَنَّ الرُّطُوبَة لَازِمَة لِلْحَيَاةِ فَهُوَ كِنَايَة ، أَيْ الْأَجْر ثَابِت فِي إِرْوَاء كُلّ كَبِد حَيَّة.
قَالَ الدَّاوُدِيُّ : الْمـَعْنَى: فِي كُلّ كَبِد حَيّ أَجْر ، وَهُوَ عَامّ فِي جَمِيع الْـحَيَوَان.
وَقَالَ النَّوَوِيّ :إِنَّ عُمُومه مَخْصُوص بِالْـحَيَوَانِ الْـمُحْتَرَم ـ وَهُوَ مَا لَمْ يُؤْمَر بِقَتْلِهِ ـ فَيَحْصُل الثَّوَاب بِسَقْيِهِ ، وَيَلْتَحِق بِهِ إِطْعَامه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ وُجُوه الْإِحْسَان إِلَيْهِ.
وَقَالَ اِبْن التِّين:لَا يَمْتَنِع إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومه ، يَعْنِي: فَيُسْقَى ثُمَّ يُقْتَل لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِن الْقِتْلَة وَنُهِينَا عَنْ الْـمُثْلَة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تعَنْ رَسُولِ اللهِ ص قَالَ:« غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ ، كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا ، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا ، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمـَاءِ ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ ». (رواه البخاري).
ولفظ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تعَنْ النَّبِيِّ ص:«أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ ، قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنْ الْعَطَشِ ، فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا »(رواه مسلم). الْبَغِيّ: الزَّانِيَة ، وَالْبِغَاء هُوَ الزِّنَا. رَكِيٍّ:ِبِئْرٍ.يُطِيفُ بِبِئْرٍ: يَدُور حَوْلهَا.
أَدْلَعَ لِسَانه: أَيْ أَخْرَجَهُ لِشِدَّةِ الْعَطَش.الْـمُوق: الْـخُفّ:وهو ما يُلْبَس في الرِّجْل من جلد رقيق. نَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا :أي أخْرَجَتْ له الماءَ بِخُفِّها مِن البِئْرِ.
ومن الآثار في الرفق بالحيوان (ذكرها الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة):
أ - عن المسيب بن دارم قال:رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمالا ، وقال:لم تحمل على بعيرك مالا يطيق؟ !(رواه ابن سعد في $الطبقات #و سنده صحيح).
ب - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ت:
أن رجلًا حَدَّ شفرة وأخذ شاة ليذبحها ، فضربه عمر تبالدِّرّة وقال أتعذب الروح؟!ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟ !(رواه البيهقي).(الدِّرَّة:السوط).
ج - عن محمد بن سيرين:أن عمر ت رأى رجلًا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدِّرَّة وقال:سُقْها ـ لا أمَّ لك ـ إلى الموت سوقًا جميلًا.(رواه البيهقي).
د - عن وهب بن كيسان:أن ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح ، وقد رأى ابن عمر مكانا أمثل منه ، فقال ابن عمر:ويحك يا راعي حوِّلْها ، فإني سمعتُ النبي ص يقول:$كُلُّ رَاعٍ مَسْؤُولٌ عَنْ َرِعَّيِتِهِ #.(رواه أحمد وسنده حسن)
هـ - عن معاوية بن قرة قال:كان لأبي الدرداء جمل يقال له:(دمون) ، فكان إذا استعاروه منه قال:لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا ، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك ، فلما حضرته الوفاة قال:يا دمون لا تخاصمني غدًا عند ربي ، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق.(رواه أبو الحسن الأخميمي في $حديثه #).
قال الشيخ الألباني:تلك هي بعض الآثار ، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي ص في الرفق بالحيوان ، وهي في الحقيقة نقطة من بحر ، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذى وضع للناس مبدأ (الرفق بالحيوان) ، خلافا لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوربيين ، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين ، ثم توسعوا فيها ، ونظموها تنظيمًا دقيقًا ، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم ، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم ! وغرهم في ذلك أنه لايكاد يرى هذا النظام مطبقا في دولة من دول الإسلام ، وكانوا هم أحق بها وأهلها !
24-المستقبل لهذا الدين رغم مرارة الواقع
البشارة بمستقبل الدين رغم مرارة الواقع:
كثيرًا ما يرد على أسماع المصلحين والدعاة وطلاب العلم أن المستقبل لهذا الدين ، وأن المستقبل للإسلام ، وأن النصر قادم إن شاء الله تعالى.فيقول القائل في مرارة وحسرة:أيّة بشرى بمستقبل الإسلام والمذابح الوحشية تلاحق المسلمين في كل مكان ، أية بشرى وأيّ أمل وقد بُتر من جسد الأمة القدس الحبيب ، أولى القبلتين ومسرى الرسول الأمين ص؟
أية بشرى وأي أمل وقد اتفق أعداء الإسلام ـ على اختلاف مشاربهم وتعدد دياناتهم ـ على القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين ، أية بشرى وأي أمل وقد مات ثلة من علماء الأمة الربانيين والمصلحين المخلصين واحدًا تلو الآخر رحمهم الله تعالى جميعا ، وبالرغم من كل هذا بل وأكثر من هذا نقول:
لئِنْ عـرفَ التاريخُ أوسًا وخزرجَا فلِلّهِ أوسٌ قادمونَ وخزرجُ
وإن كنوز الغيب تُـخْفِـي طلائعـًا صابرةً رغمَ المكائدِ تخــرجُ
كيف يكون المستقبل للإسلام والأعداء قد اجتمعوا عليه وتكالبوا من كل جهة؟
كيف والأعداء يملكون القنابل النووية والأسلحة الفتاكة ، والمسلمون عزّلٌ من السلاح؟إن هذا السائل ينسى:
1-أن الذي ينصر المسلمين هو الله لا بجهدهم ولا قوتهم قال الله تعالى:(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) (التوبة:14) فالمسلمون سبب لتحقيق قدر الله وإرادته (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْـمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:17).
2- وينسى هذا السائل أن الله يُسبِّح له من في السموات ومن في الأرض ، ومما يسبح له قنابل هؤلاء وأسلحتهم.
3- وينسى أن الله إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ)(القمر:50) (وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)
(يوسف: 21)
4-وينسى أن الأعداء وصلوا إلى هذه القوة الهائلة والتمكين بجهدهم البشري ، وهو ليس حكرًا على أحد ، وحركة التاريخ لا تتوقف قال الله تعالى:(إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:140).
وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ، فمهما كادوا للإسلام وأهله واجتمعوا لحربه فإن الله ناصرٌ دينه ومُعْلي كلمته ، من كان يظن ورسول الله ص مع قلة مؤمنة في مكة يُعَذّبون ويُضطَهَدون ويحارَبون بل ويُطرَدون من بيوتهم وبلدهم ، بل ونال الأذى والبلاء رسول الله ص ووضع التراب وسلى الجزور على رأسه وهو ساجد وفي تلك الحالة يعدهم الرسول ص بكنوز كسرى وقيصر.
فما هي إلا سنوات قليلة ويعود برسول الله ص إلى مكة فاتحًا منتصرًا يحيط به عشرة آلاف رجل ، ويدخل الحبيب ص المسجد الحرام فتشرق شمس التوحيد حول الكعبة وتتبعثر الأصنام والآلهة المكذوبة في ذل وخزي شديد ، ويردد الحبيب قول الله ﻷ:(وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء81).
وبعد فترة يموت النبي ص ، وتبرز فتنة الردة بوجهها الكالح حتى ظنّ بعض مَن في قلبه مرض أنه لن تقوم للإسلام قائمة ، فنهض الصديق ت ، ووقف وقفته الخالدة ، وانتهت الفتنة ، وازداد الإسلام رفعةً وعزةً.
ومن كان يظن أن تقوم للمسلمين قائمة بعد ما استولى الصليبيون على كثير من بلدان المسلمين ودنسوا المسجد الأقصى ما يقارب قرنًا من الزمان حتى حرر الله الأرض وطهر المسجد الأقصى على يد البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين الحاسمة التي سطرها التاريخ.
تنسم رسول اللهص النصر في أضيق الظروف وأصعب الأوقات:
لقد كان النبي ص عند تناهي الكرب والشدائد يبشر أصحابه بالنصر والتمكين؛ فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ تقَالَ:أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ص بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ ، وَعَرَضَ لَنَا صَخْرَةٌ فِي مَكَانٍ مِنْ الخَنْدَقِ لَا تَأْخُذُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ ، فَشَكَوْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ص فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ص ، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ:« بِسْمِ اللهِ » فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ:«اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا».
ثُمَّ قَالَ:«بِسْمِ اللهِ » ، وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ :«اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ ، وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ».
ثُمَّ قَالَ:«بِسْمِ اللهِ » ، وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ:«اللهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ ، وَاللهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا »(إسناده حسن رواه الإمام أحمد).
وعَنْ رَجُلٍ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ص قَالَ:لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ص بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ عَرَضَتْ لَهُمْ صَخْرَةٌ حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَفْرِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صوَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَوَضَعَ رِدَاءَهُ نَاحِيَةَ الْخَنْدَقِ وَقَالَ :« تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ، فَنَدَرَ ثُلُثُ الْحَجَرِ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَائِمٌ يَنْظُرُ فَبَرَقَ مَعَ ضَرْبَةِ رَسُولِ اللهِ ص بَرْقَةٌ.
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ وَقَالَ :« تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْآخَرُ فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَرَآهَا سَلْمَانُ.
ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ وَقَالَ :« تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » ، فَنَدَرَ الثُّلُثُ الْبَاقِي وَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ص فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَجَلَسَ.
قَالَ سَلْمَانُ :يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُكَ حِينَ ضَرَبْتَ مَا تَضْرِبُ ضَرْبَةً إِلَّا كَانَتْ مَعَهَا بَرْقَةٌ ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ص:«يَا سَلْمَانُ رَأَيْتَ ذَلِكَ؟» ، فَقَالَ:« إِي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللهِ ».
قَالَ :« فَإِنِّي حِينَ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الْأُولَى رُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ كِسْرَى وَمَا حَوْلَهَا وَمَدَائِنُ كَثِيرَةٌ حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ».
قَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ:« يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ» ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ص بِذَلِكَ ـ « ثُمَّ ضَرَبْتُ الضَّرْبَةَ الثَّانِيَةَ فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ قَيْصَرَ وَمَا حَوْلَهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ » ، قَالُوا:« يَا رَسُولَ اللهِ ادْعُ اللهَ أَنْ يَفْتَحَهَا عَلَيْنَا وَيُغَنِّمَنَا دِيَارَهُمْ وَيُخَرِّبَ بِأَيْدِينَا بِلَادَهُمْ» ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ص بِذَلِكَ ـ « ثُمَّ ضَرَبْتُ الثَّالِثَةَ فَرُفِعَتْ لِي مَدَائِنُ الْحَبَشَةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنْ الْقُرَى حَتَّى رَأَيْتُهَا بِعَيْنَيَّ » قَالَ رَسُولُ اللهِ ص عِنْدَ ذَلِكَ:« دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ »(حسن رواه النسائي).
(حَالَتْ بَيْنهمْ وَبَيْن الْحَفْر) أَيْ مَنَعَتْهُمْ مِنْ الْحَفْر.(الْمِعْوَل) آلَة.(فَنَدَرَ) َيْ سَقَطَ(فَبَرَقَ) مِنْ الْبَرِيق بِمَعْنَى اللَّمَعَان.(رُفِعَتْ) َيْ أُظْهِرَتْ.
(دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ) أَيْ اُتْرُكُوا الْحَبَشَة وَالتُّرْك مَا دَامُوا تَارِكِينَ لَكُمْ.
أيها المؤمنون ، إن أشد ساعات الليل سوادًا هي الساعة التي يليها ضوء الفجر ، وفجر الإسلام قادم لا محالة كقدوم الليل والنهار ، وإن أمة الإسلام قد تمرض وتعتريها فترات من الركود الطويل ، ولكنها بفضل الله ﻷ لا تموت ، وإن الذي يفصل في الأمر في النهاية ليس هو قوة الباطل وإنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق ، ولا شك أنه معنا الحق الذي من أجله خلقت السماوات والأرض ، والجنة والنار ، ومن أجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل ، معنا رصيد الفطرة.
يوم جاء الإسلام أول مرة وقف في وجهه واقع ضخم ، وقفت في وجهه عقائد وتصورات ، ووقفت في وجهه قيم وموازين ، ووقفت في وجهه أنظمة وأوضاع ، ووقفت في وجهه مصالح وعصبيات ، كانت المسافة بين الإسلام يوم جاء وبين واقع الناس مسافة هائلة سحيقة ، ولو أنه قيل لكائن من كان في ذلك الزمان أن هذا الدين الجديد هو الذي سينتصر لما لقي هذا القول إلا السخرية والاستهزاء والاستنكار!
ولكن هذا الواقع سرعان ما تزحزح عن مكانه ليخليه للوافد الجديد ، فكيف وقع هذا الذي يبدو مستحيلًا ، كيف استطاع رجل واحد أن يقف وحده في وجه الدنيا كلها ، إنه لم يتملق عقائدهم ، ولم يداهن مشاعرهم ، ولم يهادن آلهتهم ، ولم يوزع الوعود بالمناصب والمغانم لمن يتبعونه ، فكيف إذن وقع الذي وقع؟ لقد وقع الذي وقع من غلبة هذا المنهج لأنه تعامل من وراء الواقع الظاهري مع رصيد الفطرة.
إذن معنا رصيد الفطرة ، وقبل ذلك كله معنا الله ، ويا لها من معية كريمة جليلة مباركة ، والله غالب على أمره ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وعد الله ﻷ:
إنه وعد الله وكلمته (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْـمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات: 171ـ173) إن هذا الوعد المبارك سنة من سنن الله الكونية الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير ، وإن هذا النصر سُنّة ماضية كما تمضي الكواكب والنجوم في أفلاكها بدقة وانتظام.
دَعْنا نسافرُ في دُروبِ آبائِنــا ولنا مِن الهممِ العظيمةِ زادُ
ميعادُنا النصرُ المبينُ فإنْ يكنْ موتٌ فعِنـدَ إلهِنا الميعــــادُ
أسباب تأخر النصر لن تمنع تحققه ولو بعد حين أيها المسلمون:
قد يبطئ النصر لأسباب كثيرة جدًا ، ولكنه آت بإذن الله تعالى في نهاية المطاف مهما رصد الباطل وأهله من قوى الحديد والنار ، ونحن لا نقول ذلك رجمًا بالغيب ولا من باب الأحلام الوردية لتسكين الآلام وتضميد الجراح كلا ، ولكنه القرآن الكريم يتحدث ، والرسول الصادق الأمين يبشر ، والتاريخ والواقع يشهد.
البشائر في كتاب الله:
فمع بشائر القرآن العظيم:قال الله تعالى:(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْـمُشْرِكُونَ) (التوبة: 33) وقال تعالى:(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف:8) ووعد الله ﻷ المؤمنين بالنصر فقال:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْـمُؤْمِنِينَ) (الروم:47) وقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7).
ففي هذه الآيات أخبر الله ـ أن من سنته في خلقه أن ينصر عباده المؤمنين إذا قاموا بنصرة دينه وسعوا لذلك ، ولئن تخلفَتْ هذه السنة لحكمة يريدها الله في بعض الأحيان فهذا لا ينقض القاعدة ، وهي أن النصر لمن ينصر دين الله.
ومن البشائر وعد الله للمؤمنين بالتمكين في الأرض (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النــور55) وقد وعد الله في هذه الآية وهو الذي لا يخلف الميعاد وعد المؤمنين باستخلافهم في الأرض ، وأن يمكن لهم دينهم ، وأيّ أمل للمسلمين فوق وعد الله ﻷ ، وأيّ رجاء بعد ذلك للمؤمن الصادق.



ساحة النقاش