17-الإصلاح بين الناس
كونُوا جميعًا يا بَنِيَّ إذا اعْـــتَرَى خَطْبٌ ولا تتفرقُوا آحَــادَا
تأبَى الرماحُ إذا اجْتَمَعْنَ تكسُّرًا وإذا افترقْنَ تكسَّرتْ أفرادَا
الضغينة حرمان من المغفرة:
إن الشريعة الإسلامية قد جعلت أمر مصارمة المسلم لأخيه أمرًا خطيرًا ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تأَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ:« تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ ، فَيُقَالُ:أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا ، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا »(رواه مسلم).فيحرم المتصارمان من مغفرة الله تعالى بسبب الشقاق الذي قام بينهما وبسبب الهجران الذي حل بينهما.
لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تقَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:«لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ؛ فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ»(صحيح رواه أبو داود).
(فَمَاتَ ): أَيْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَة مِنْ غَيْر تَوْبَة.( دَخَلَ النَّار) : أَيْ اِسْتَوْجَبَ دُخُول النَّار.
وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّتأَنَّ رَسُولَ اللهِ ص قَالَ:« لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ ؛ يَلْتَقِيَانِ فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» (صحيح رواه الترمذي).
( أَخَاهُ)أَيْ الْـمُسْلِمَ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَالصَّحَابَةِ.
(فَوْقَ ثَلَاثٍ) فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ :«فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ »وَالْـمُرَادُ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا.
قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الْهَجْرِ بَيْنَ الْـمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَإِبَاحَتُهَا فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلُ بِنَصِّ الْحَدِيثِ ، قَالُوا :« وَإِنَّمَا عَفَا عَنْهَا فِي الثَّلَاثِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مَجْبُولٌ مِنْ الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَفَا عَنْ الْهَجْرِ الثَّلَاثَ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ».
( يَلْتَقِيَانِ)أَيْ يَتَلَاقَيَانِ.
(فَيَصُدُّ هَذَا وَيَصُدُّ هَذَا) مَعْنَى يَصُدُّ يُعْرِضُ أَيْ يُوَلِّيهِ عُرْضَهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَهُوَ جَانِبُهُ ، وَالصُّدُّ بِضَمِّ الصَّادِ ، وَهُوَ أَيْضًا الْجَانِبُ وَالنَّاحِيَةُ.
(وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ)أَيْ هُوَ أَفْضَلُهُمَا.
الخصومة من سعي الشيطان:
والشيطان أيس أن يعبده المسلمون في جزيرة العرب ، ولكنه رضي بالتحريش فيما بينهم وبما يحقرون من الأمور المنكرة ، قال رسول اللهص:$ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْـمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ # (رواه مسلم).
وَمَعْنَاهُ:أَيِس أَنْ يَعْبُدهُ أَهْل جَزِيرَة الْعَرَب ، وَلَكِنَّهُ سَعَى فِي التَّحْرِيش بَيْنهمْ بِالْخُصُومَاتِ وَالشَّحْنَاء وَالْحُرُوب وَالْفِتَن وَنَحْوهَا.
وذلك هو واقع كثير من المسلمين اليوم عندما ابتعدوا عن الكتاب والسنة وتحكيمهما في حياتهم في كل صغيرة وكبيرة ، فلعدم الإنصاف بين المتخاصمين وظلمهم لبعضهم ، ولعدم تدخل المصلحين بينهم امتلأت المحاكم والإدارات ذات العلاقة بالخصومات والدعاوى الكيدية ، وفشا الظلم وانتشر.
وساعدهم على ذلك المماطلة وعدم معرفة الحق ودراسته ومعرفة الحق من الباطل ، أو الوقوف بجانب الباطل من قبل ضعاف النفوس ، وتدخل جهات للفصل في الخصومات ليس لها علاقة شرعية ، حيث تعددت الاختصاصات وتباينت ، والمعروف في الإسلام والواجب الذي يجب أن يكون التحاكم إليه هو الكتاب والسنة.
كُلٌ يرَى رأيًا وينصــرُ قــولَه وله يعادِي ســائرَ الإخوانِ
ولو أنهــم عند التنازعِ وُفِّقُوا لَتَحاكمــوا للهِ دونَ تــوانِ
ولَأصبحوا بعد الخصامِ أحِبَّةً غيظَ العِدَا ومذَلّةَ الشيطانِ
الإصلاح بين الناس:
إن الإصلاح بين الناس واجب ، قال الله تعالى:( وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) (الأنفال:1) وهذا أمرٌ لابد منه ، أصلحوا ما بينكم وبين إخوانكم ، أصلحوا بين النفوس ، قربوا بينها ، أزيلوا أسباب العداوة.
والصلح يكون بين متغاضبين كالزوجين ، ويكون في الجراحات كالعفو على مال ، ويكون لقطع الخصومة ، كما إذا وقعت المزاحمة في الأملاك أو المشتركات ، وقد كان النبي ص يقوم بذلك ، وقد دلَّ الكتاب والسنة على فضل الإصلاح بين الناس.
حث الكتاب والسنة وترغيبهما في الإصلاح بين الناس:
وإصلاح ذات البين من العبادات الجليلة التي رغب عنها الكثير من الناس ، مع ما فيها من الأجر الجزيل والخير العميم ؛ فإن من مقاصد التشريع تحقيق المودة والألفة بين الناس ، قال تعالى:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )( الأنفال:1).
فقوله تعالى:(فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ) أي واتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا ، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أي في قسمه بينكم على ما أراده الله فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف وقال ابن عباس هذا تحريض من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم وكذا قال مجاهد.
وقال الله تعالى في فضل الإصلاح:(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )(النساء:114).فإذًا..كثيرٌ من الناس الذين يتسارون ويتناجون ليس في نجواهم خير إلا من قام بالتناجي في الخير وإصلاح ذات البين ، فإن هذا مأجور ونجواه مأجورٌ عليها ، وقد قال الله تعالى في أجر المصلح بين الناس:(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)(النساء:114) أي ثوابا جزيلًا كثيرًا واسعًا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ »(رواه البخاري ومسلم).
فالشاهد من الحديث قوله:$ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ # حينما قال بأن على كل مفصل في الجسم صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس ، وذلك شكرًا لله ﻷ على نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى.
فجعل الله طرق الخير متعددة وكثيرة من أجل كسب الحسنات بالأعمال الصالحة التي تُنال بها الدرجات الرفيعة.فمن الأشياء التي ذكرها الرسول من الصدقات التي يُزكّي بها الإنسان عن مفاصله وعظامه وجسمه كله ، ويحمد بها ربّه لأداء كل عضو من أعضائه وظيفته ، ذلك هو الإصلاح بين الاثنين والحكم بالعدل لا بالجور والظلم ، وكان البدء به في أول الصدقات والحسنات وعمل الخيرات لأهميته.
إصلاح ذات البين أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة وفساد ذات البين تحلق الدين:
وقد أخبر الرسول ص أن إصلاح ذات البين أعلى درجة من الصلاة والصيام والصدقة. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ تقَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟»
قَالُوا:« بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ».
قَالَ:« إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ ، لَاأقُولُ إنَّها تحلِقُ الشَّعْرَ ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ # (صحيح رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان وأحمد).
نعم ، إنها تحلق الدين وتذهب به ؛ لأن العناد والخصومة قد يؤديان إلى الكفر ، وهذا أمر مشاهد وواقع في مجتمعات المسلمين عندما يذهب لبّ الخصم ولا يردعه إيمانه فهو يُجانب الحق والعدل والإنصاف ، ولا يقول كلمة الحق في الغضب والرضا ، بل يتكلم في خصمه بما يسوغ له من إلحاق التّهم به والكذب والبهتان وقول الزور والفحش والبذاءة وسلاطة اللسان ونشر قالة السوء بين الناس كذبًا وزورًا ، وتحريض العامة والتحرش بالمسلم لتدعيم باطله ، ليخرج ذلك الباطل أمام الناس لابسًا ثوب الحق.
ومِن جهل أو تجاهل الظالم لنفسه وغيره استطالته في عرض أخيه المسلم ، وتدبير المكائد ، ونصب شباك الباطل في الخفاء ، وما يبيّته ويضمره هو وأهل الباطل الذين يدفعونه إلى الشر دفعًا ليكون هو المنتصر ، وليظهر أمام الناس بأنه صاحب الحق ، ولو أدى ذلك إلى ارتكاب ما حرم الله.
كل ذلك جعله يقدم على هذه الأفعال المشينة لما غاب عنه الخوف من الله ومن أليم عقابه ، وما علم أنه وأعوانه الخاسرون في الدنيا والآخرة ، وأن الله لهم بالمرصاد ، هذا شأن من يبيّت سوءًا ، ويضمر عداوة ، ويحمل بين جنبيه قلبًا أسود لاختلال إيمانه وضعف عقيدته وقلة حظه من الفقه في دينه.
وهذه العلاقة والصفة عدها رسول الله صمن علامات النفاق حين عدّد صفات المنافق فقال:$أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا:إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»(رواه البخاري).$ وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ # أَيْ مَال عَنْ الْحَقّ ، وَقَالَ الْبَاطِل وَالْكَذِب.
أما المؤمن الحق فهو على العكس من ذلك ؛ لا يحمل الغل والحقد والبغضاء لسلامة صدره من ذلك ، قلبه أبيض ناصع ، لا يبيت وفي قلبه على مسلم شيء مما يجده الأعداء محترقًا متغلغلًا في سويداء قلوبهم ، لا يطيش به عقله ، ولا يخرج عن العدل وقول الحق قدر أنملة ، منصف فيما يقول ويدلي به ، سواء كان الخصم غائبًا أو حاضرًا ، يخشى الله في سره وعلنه ، لا يهمه أمر البشر ؛ لأن إيمانه وخوفه من الله يردعه عن الوقوع فيما حرم الله ، فهو ينتصب للدفاع عن نفسه ودفع الظلم عنه بالكلمة الصادقة والقول الحق العدل السديد.
وما المــــرءُ إلا بإخـــوانِه كما يَقبِضُ الكفُّ بالمعصــمِ
ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً ولا خيرَ في الساعدِ الأجْذَمِ
الإنسان لو حلف على ما فيه إفساد ذات البين فعليه أن يُكَفّر عن يمينه ويأت الذي هو خير:
قال تعالى:(ولا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 224)
المعنى:لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها كقوله تعالى:( وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْـمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (النــور: 22).
قالت عائشة ل ـ في أثناء حديثها عن حادثة الإفك ـ:«...فَأَنْزَلَ اللهُ ﻷ ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ ) الْعَشْرَ الْآيَاتِ كُلَّهَا ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ت ـ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ ـ:«وَاللهِ لَا أُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ فَأَنْزَلَ اللهُ:(وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْـمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )قَالَ أَبُو بَكْرٍ:« بَلَى وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي» ، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ:« وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا».(رواه البخاري).
فالاستمرار على اليمين آثَم (أي أكثر إثمًا) لصاحبها من الخروج منها بالتكفير كما روى البخاري عن النبي ص قال:$وَاللهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ #.$ وَاللهِ لَأَنْ يَلِجَّ # مِنْ اللَّجَاجِ وَهُوَ أَنْ يَتَمَادَى فِي الْأَمْر وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ خَطَؤُهُ $ آثَم # أَيْ أَشَدُّ إِثْمًا.
ومَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا تَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ بِحَيْثُ يَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ فَيَفْعَلَ ذَلِكَ الشَّيْء وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينه ، فَإِنْ قَالَ لَا أَحْنَثُ بَلْ أَتَوَرَّعُ عَنْ اِرْتِكَاب الْحِنْث خَشْيَةَ الْإِثْم فَهُوَ مُخْطِئٌ بِهَذَا الْقَوْل بَلْ اِسْتِمْرَاره عَلَى عَدَم الْحِنْث وَإِقَامَة الضَّرَر لِأَهْلِهِ أَكْثَر إِثْمًا مِنْ الْحِنْث ، وَلَا بُدّ مِنْ تَنْزِيله عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْحِنْث لَا مَعْصِيَة فِيهِ.والْـمُرَاد أَنَّ الرَّجُل إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْء يَتَعَلَّق بِأَهْلِهِ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ كَانَ أَدْخَلَ فِي الْوِزْرِ وَأَفْضَى إِلَى الْإِثْم مِنْ الْحِنْث ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللهُ عُرْضَة لِيَمِينِهِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.
وقال علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله:(ولا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) قال:لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تقَالَ:أَعْتَمَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ص ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَوَجَدَ الصِّبْيَةَ قَدْ نَامُوا فَأَتَاهُ أَهْلُهُ بِطَعَامِهِ فَحَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ أَجْلِ صِبْيَتِهِ ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَكَلَ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ص فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص:« مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» (رواه مسلم))أَعْتَمَ:تأخر).
فضّ الخصومة بين المتنازعين المتداينين:
عن عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ص فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ص وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ص إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَقَالَ:$ يَا كَعْبُ» ، فَقَالَ:لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّه.فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ فَقَالَ كَعْب:قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص:«قُمْ فَاقْضِه#. (رواه البخاري ومسلم).
معنى تقاضاه طالبه به وأراد قضاءه ، سِجْفَ:ستر ، والمراد بالشطر النصف. وقوله:$قم # خطاب لابن أبي حدرد ، وفيه إشارة إلى أنه لا يجتمع الوضيعة والتأجيل.
وفي هذا الحديث جواز المطالبة بالدين في المسجد والشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحسن التوسط بينهم وقبول الشفاعة في غير معصية.
عن عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ لتَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ص صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُول:«وَاللهِ لا أَفْعَلُ » ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ص:$فَقَالَ أَيْنَ الْـمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ» ، فَقَالَ:أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ ، وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ#.(رواه البخاري ومسلم).
(يَسْتَوْضِع الْآخِر وَيَسْتَرْفِقهُ) أَيْ يَطْلُب مِنْهُ أَنْ يَضَع عَنْهُ بَعْض الدَّيْن ، وَيَرْفُق بِهِ فِي الِاسْتِيفَاء وَالْـمُطَالَبَة.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْس بِمِثْلِ هَذَا ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْإِلْحَاح وَإِهَانَة النَّفْس أَوْ الْإِيذَاء وَنَحْو ذَلِكَ إِلَّا مِنْ ضَرُورَة.
والْـمُتَأَلِّي:الْحَالِف وَفِي هَذَا كَرَاهَة الْحَلِف عَلَى تَرْك الْخَيْر ، وَإِنْكَار ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِمَنْ حَلَفَ لَا يَفْعَل خَيْرًا أَنْ يَحْنَث فَيُكَفِّر عَنْ يَمِينه.وَفِيهِ الشَّفَاعَة إِلَى أَصْحَاب الْحُقُوق ، وَقَبُول الشَّفَاعَة فِي الْخَيْر.
اقتراح ما فيه مصلحة الطّرفين:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ ص:$اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ:خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأرْضُ:إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا ، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ:أَلَكُمَا وَلَدٌ؟قَالَ أَحَدُهُمَا:لِي غُلامٌ ، وَقَالَ الآخَرُ:لِي جَارِيَةٌ قَالَ أَنْكِحُوا الْغُلامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا#.(رواه البخاري).
العقار المراد به هنا الدار (ألكما ولد)؟ المعنى ألكل منكما ولد؟ وفي الحديث:فضل الإصلاح بين المتنازعين.
18- الإصلاح بتن الناس وآداب المصلح
التدخل الحكيم من أهل الزوجين وذِكر ما يدل على التعامل بحكمة مع الخلافات الزوجية وغيرها من الخلافات بين الناس:
ومن أنواع الإصلاح الإصلاح بين الزوجين المختلفين ؛ لأن الإصلاح بين الزوجين تبنى عليه البيوت ، وتترابط به الأسر التي هي أسس المجتمعات البشرية ، وفساد ما بين الزوجين يترتب عليه فساد البيوت وتفكك الأسر وتشتتها ، قال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) (النساء:128) ، وقال تعالى:( وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ) (النساء:129) ، ففي أي خصومة بين الزوجين ينبغي أن لا تخرج المرأة من بيت زوجها لئلا يدخل شياطين الإنس والجن ويفسدون العلاقة بين الزوجين بإلقاء العداوة بينهما بما يزينونه من الباطل من القول لكل منهما لكي يفرقوا بينهما ، والإفساد بين الزوجين أو المتخاصمين هو شأن شياطين الإنس والجن في كل زمان ومكان ، وذلك بالإيحاء بزخرف القول غرورًا.
ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية ، ولا أن يُخرجها زوجها عندما يطلقها الطلقة الأولى أو الثانية ؛ لئلا تتسع الشُّقّة والخلاف بينهما ، ولئلا يجد المغرضون والمفسدون مدخلًا لإفساد العلاقة الزوجية بينهما ، ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا يحبانه ويرتاحان له بدخولهما وخروجهما ولقائهما ببعض خلال العدة ، فيرجع إليها ويراجعها ، هذا إذا كان في الطلاق فما بالنا في غيره من الأمور الأخرى التي لا يخلو منها بيت من البيوت؟!
وهذا أمر يغفل عنه كثير من المسلمين ، فيقع الشقاق والخلافات والخصومات ، وهذا ما يسعى إليه الشيطان وجنوده كل ليلة وهو على عرشه في البحر ، حيث ينتشرون للفتنة بين الناس ، ويكون أقربهم وأحبهم إليه من سعى بالتحريش بين المرء وزوجه حتى يقع الطلاق والفراق بين الزوجين.
فعَنْ جَابِرٍ تقَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ ص:«إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ:« فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا» فَيَقُولُ:« مَا صَنَعْتَ شَيْئًا».
قَالَ:ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ:«مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ».
قَالَ:« فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ:نِعْمَ أَنْتَ » قَالَ الْأَعْمَشُ:«أُرَاهُ قَالَ فَيَلْتَزِمُهُ »(رواه مسلم).
قَوْله:(فَيُدْنِيه مِنْهُ وَيَقُول:نِعْمَ أَنْتَ)
هُوَ بِكَسْرِ النُّون وَإِسْكَان الْعَيْن وَهِيَ نِعْمَ الْمَوْضُوعَة لِلْمَدْحِ فَيَمْدَحهُ لِإِعْجَابِهِ بِصُنْعِهِ ، وَبُلُوغه الْغَايَة الَّتِي أَرَادَهَا.
قَوْله:(فَيَلْتَزِمهُ)أَيْ:يَضُمّهُ إِلَى نَفْسه وَيُعَانِقهُ.
ولْنتأمل هذا الموقف:
فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:$ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ص بَيْتَ فَاطِمَةَ فَلَمْ يَجِدْ عَلِيًّا ت فِي الْبَيْتِ فَقَالَ:أَيْنَ ابْنُ عَمِّك؟ِ قَالَت:كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَيْءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي.فَقَالَ:رَسُولُ اللهِ ص لإِنْسَان:انْظُرْ أَيْنَ هُوَ فَجَاءَ فَقَال:يَا رَسُولَ اللهِ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ رَاقِدٌ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ص وَهُوَ مُضْطَجِعٌ قَدْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ شِقِّهِ وَأَصَابَهُ تُرَابٌ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ص يَمْسَحُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ:قُمْ أَبَا تُرَابٍ.قُمْ أَبَا تُرَابٍ #.(رواه البخاري ومسلم) $فَلَمْ يَقِلْ عِنْدِي:مِنْ الْقَيْلُولَة وَهُوَ نَوْم نِصْف النَّهَار #
قوله ص:$أين ابن عمك# فيه إطلاق ابن العم على أقارب الأب لأنه ابن عم أبيها لا ابن عمها وفيه إرشادها إلى أن تخاطبه بذلك لما فيه من الاستعطاف بذكر القرابة وكأنه ص فهم ما وقع بينهما فأراد استعطافها عليه بذكر القرابة القريبة التي بينهما.
وفي هذا الحديث:أن أهل الفضل قد يقع بين الكبير منهم وبين زوجته ما طبع عليه البشر من الغضب وقد يدعوه ذلك إلى الخروج من بيته ولا يعاب عليه.ويحتمل أن يكون سبب خروج عليٍّت خشية أن يبدو منه في حالة الغضب ما لا يليق بجناب فاطمة ت ، فحسم مادة الكلام بذلك إلى أن تسكن فورة الغضب من كل منهما.
وفيه كرم خلق النبي ص لأنه توجه نحو علي ليترضاه ومسح التراب عن ظهره ليبسطه وداعبه بالكنية المذكورة المأخوذة من حالته ولم يعاتبه على مغاضبته لابنته مع رفيع منزلتها عنده ص فيؤخذ منه استحباب الرفق بالأصهار وترك معاتبتهم إبقاء لمودتهم لأن العتاب إنما يخشى ممن يخشى منه الحقد لا ممن هو منزه عن ذلك.
التحكيم بين الزوجين من أجل الإصلاح:
والصلح بين الزوجين المتخاصمين من أعظم أنواع الصلح ؛ فإن الأسر تقوم على المحبة والألفة وتدوم بدوامها ، فإذا انتهت المحبة والألفة وحل الشقاق ، صار الفراق ، ولابد للمصلحين من القيام بواجبهم تجاه الأسر المتفككة والسعي في الإصلاح بين الأزواج.
وقد قال الله ﻷ عند حصول الشقاق:( فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا ) (النساء:35).إذا كانت النية طيبة جاءت النتيجة طيبة:(إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا )(النساء:35
فماذا يفعل الحكمان؟ يقوم كل واحدٍ منهما بالالتقاء بوكيله أو مندوبه الذي انتدبه ، أو طرفه الذي ينوب عنه ـ وإذا قلنا:إنه حاكم ، فإن كلام الحكمين معتمد ـ ويسمع منه سبب الشقاق والخلاف ، ثم يجتمع الحكمان فيعتمدان أمورًا ، ويتوصلان إلى صاحب الخطأ ، من هو الطرف المخطئ لأجل وعظه ونصحه ، أو وعظ الطرفين إذا كان كلاهما مخطئ ، والسعي في تقريب وجهات النظر.
ولذلك فإن من الحكمة أن يذكّر الحكمان الزوج بوصية رسول الله ص بالنساء ، وبقوله ص في الوصية بالزوجة:« خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» (صحيح رواه الترمذي وابن ماجه).
ويقولان له:إن عليك يا أيها الزوج أن تعامل زوجتك بالفضل لا بالعدل ؛ الواحدة بواحدة ، وإذا فعلت ترد عليها ، وإنما تتعامل معها بالفضل وبالمسامحة وبالزيادة منك والتغاضي ، لأن أهلها استودعوها عندك ، وائتمنوك عليها ، ووثقوا أنك لن تسبب لهم المتاعب بسببها ، وأنها أم أولادك ، أو أنها ستكون كذلك مستقبلًا ، والولد الصالح مما ينتفع به أبوه في الحياة وبالدعاء له بعد الممات.
ويذكرونه بأن الزوجة كالأسيرة بيد زوجها ، وليس من الإسلام ولا من المروءة ولا من الشجاعة التي جاء بها الإسلام أن يسيء المسلم إلى أسيرته ، أو أسيره ، فكيف إذا كانت الأسيرة الزوجة؟ وأن الزوج الكريم هو الذي لا يستغل قوته وبطشه ولا يتعسف باستعمال سلطته على زوجته على نحوٍ يلحق بها الضرر.
فهذه المعاني إذا قدمها الحكمان إلى الزوج بأسلوبٍ لطيف وقولٍ لين ، فالغالب أنها ستؤثر في نفس الزوج ، وسيقلع عما أدى إلى الشقاق.
وكذلك ينبغي للحكم من أهل الزوجة أن يكلم الزوجة بمعاني الإسلام ، ويذكرها بأحكامه المتعلقة بالزوجة في علاقتها بزوجها ، وأن يذكرها بعظيم حق الزوج عليها ، وأن من حسن معاشرتها له بالمعروف أن تسمعه الكلمة الطيبة اللينة ، وأن تسارع إلى طاعته فيما أوجبه الشرع عليها من طاعته ، وفيما يأمرها به زوجها من المباحات ، وألا تثقل عليه بطلباتها الكثيرة ، وأن تتحمل عبوسه وصدوده وإساءته وأن تقابل ذلك بابتسامتها وإحسانها وخدمتها.
فإن الزوج إذا رأى ذلك منها ، فسرعان ما يزول عنه العبوس والصدود ويكف عن الإساءة ، وعليها ألا تستقصي في طلب الحقوق ، وإذا أحست بكراهتها له ، فلتطرد هذا الإحساس ، ولتذكر نفسها بأنه قد يجعل الله لها فيما تكرهه الخير الكثير ، فيرزقها الله منه ولدًا تقر به عينها ، ويزول عن قلبها ما تحسه من كراهة لزوجها.فتذكير الطرفين بحق كل واحدٍ منهما على الآخر وبالمعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها ، مما يجعل أمرهما لينًا سهلًا ، والصلح بينهما وشيكًا.
الإصلاح بين الجماعات والقبائل:
ومن أنواع الإصلاح بين الناس الإصلاح بين الطوائف المقتتلة من المسلمين صغرت أم كبرت في داخل الدولة الواحدة أو على مستوى الدول ، واجب المسلمين السعي للإصلاح بين المتقاتلين من أجل القضاء على أسباب الفتنة بالعدل الذي يعطي كل ذي حق حقه ؛ لكي يستتبّ الأمن ، وتُحقن الدماء ، ويؤخذ على يد المعتدي ، ويكف عن الظلم والتعدي على غيره فيما بعد ، ويتم إنصاف المُعْتَدَى عليه ، ولئلا تضعف شوكة المسلمين أمام أعدائهم ، وعندها يتربصون بهم الدوائر.
قال تعالى:(وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:9 ، 10).
وعن أَنَس ت قَالَ:قِيلَ لِلنَّبِيِّ ص:«لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ؟» ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ص وَرَكِبَ حِمَارًا فَانْطَلَقَ الْـمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ وَهِيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ ص فَقَالَ:$ إِلَيْكَ عَنِّي وَاللهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِك».َ
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأنْصَارِ مِنْهُم:وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ ص أَطْيَبُ رِيحًا مِنْك.فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَشَتَمَه ، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأيْدِي وَالنِّعَالِ فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْـمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)# (رواه البخاري ومسلم).سَبِخَةٌ أَيْ ذَات سِبَاخ ، وَهِيَ الْأَرْض الَّتِي لَا تُنْبِت.
وَفِي الْحَدِيث بَيَان مَا كَانَ النَّبِيّ ص عَلَيْهِ مِنْ الصَّفْح وَالْحِلْم وَالصَّبْر عَلَى الْأَذَى فِي اللهُ وَالدُّعَاء إِلَى اللهُ وَتَأْلِيف الْقُلُوب عَلَى ذَلِكَ.وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَة عَلَيْهِ مِنْ تَعْظِيم رَسُول اللهُ ص وَالْأَدَب مِنْهُ وَالْمَحَبَّة الشَّدِيدَة.
وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ت أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ص بِذَلِكَ فَقَالَ:$ اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ #.(رواه البخاري).
عن أَبَي بَكْرَةَ تقال:$ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ص عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ:إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْـمُسْلِمِينَ»(رواه البخاري).
سَلَّمَ الْحَسَن ت لِمُعَاوِيَةَ ت الْأَمْر وَبَايَعَهُ عَلَى إِقَامَة كِتَاب اللهُ وَسُنَّة نَبِيّه ، وَدَخَلَ مُعَاوِيَة الْكُوفَة وَبَايَعَهُ النَّاس فَسُمِّيَتْ سَنَة الْجَمَاعَة لِاجْتِمَاعِ النَّاس وَانْقِطَاع الْحَرْب.
العيدُ يومَ نعودُ قلبًا واحـدًا والحب يَعْمُرُه معَ التوحيدِ
حُبٌ لغيرِ مصالحٍ تُرجَى به حبٌ لوجهِ إلهِنا المعبـــودِ
جواز الكذب للإصلاح:
قال ص:$ لَيْسَ الْكَذابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا # (رواه البخاري ومسلم).
نَمَيْت الحديث إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت نمَّيته بالتشديد.
قال العلماء:المراد هنا أنه يخبر بما علمه من الخير ويسكت عما علمه من الشر ولا يكون ذلك كذبا لأن الكذب الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به وهذا ساكت ولا ينسب لساكت قول.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:«وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ:الْحَرْبُ ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا».(رواه مسلم).
قال بعض العلماء:لَا يَجُوز الْكَذِب فِي شَيْء أَصْلًا.قَالُوا:وَمَا جَاءَ مِنْ الْإِبَاحَة فِي هَذَا الْـمُرَاد بِهِ التَّوْرِيَة ، وَاسْتِعْمَال الْمَعَارِيض ، لَا صَرِيح الْكَذِب ، مِثْل أَنْ يَعِد زَوْجَته أَنْ يُحْسِن إِلَيْهَا وَيَكْسُوهَا كَذَا ، وَيَنْوِي إِنْ قَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ.وَحَاصِله أَنْ يَأْتِي بِكَلِمَاتٍ مُحْتَمَلَة ، يَفْهَم الْـمُخَاطَب مِنْهَا مَا يُطَيِّب قَلْبه.
وَإِذَا سَعَى فِي الْإِصْلَاح نَقَلَ عَنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَلَامًا جَمِيلًا ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ وَوَرَّى وَكَذَا فِي الْحَرْب بِأَنْ يَقُول لِعَدُوِّهِ:مَاتَ إِمَامكُمْ الْأَعْظَم ، وَيَنْوِي إِمَامهمْ فِي الْأَزْمَان الْمَاضِيَة:أَوْ غَدًا يَأْتِينَا مَدَد أَيْ طَعَام وَنَحْوه.هَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الْـمُبَاحَة.
وَأَمَّا كَذِبه لِزَوْجَتِهِ وَكَذِبهَا لَهُ فَالْـمُرَاد بِهِ فِي إِظْهَار الْوُدّ وَالْوَعْد بِمَا لَا يَلْزَم وَنَحْو ذَلِكَ ، فَأَمَّا الْـمُخَادَعَة فِي مَنْع مَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا ، أَوْ أَخْذ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ لَهَا فَهُوَ حَرَام بِإِجْمَاعِ الْـمُسْلِمِينَ.
وذهبت طائفة من العلماء إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح وقالوا:إن الثلاث المذكورة كالمثال وقالوا:الكذب المذموم إنما هو فيما فيه مضرة أو ما ليس فيه مصلحة.
واتفق العلماء على جواز الكذب عند الاضطرار كما لو قصد ظالم قتل رجل وهو مختَفٍ عنده فله أن ينفيَ كونه عنده ويحلف على ذلك ولا يأثم.
ثمرات الصلح بين المسلمين:
إن فوائد الصلح كثيرة ، فإنه يثمر إحلال الألفة مكان الفرقة ، واستئصال داء النزاع قبل أن يستفحل ، وحقن الدماء التي تراق ، وتوفير الأموال التي تنفق للمحامين بالحق وبالباطل ، والحماية من شهادة الزور ، وتجنب المشاجرات والاعتداءات على الحقوق والنفوس ، بل إن الشريعة جعلت للمصلح حقًا من الزكاة أو من بيت المال ، لأداء ما تحمله من الديون بسبب الإصلاح ، وإن كان قادرًا على أدائها من ماله ، فقال الله تعالى:( وَالْغَارِمِينَ) (التوبة:60) وهم من تحملوا الديات لأجل الإصلاح بين الناس ، وكف بعضهم عن قتل بعض.
المصلح بين الناس..وآدابه:
إذا كان المتدخل في الخصومة غير عاقل لا يحسن التصرف ، فإن إفساده أكثر من إصلاحه ، وهذا أمرٌ مشاهد ، فإن عددًا من الناس يتدخل في القضية لأجل الإصلاح ـ بزعمه ـ ، فإذا به يباعد الشقة ، ويتسبب في مزيدٍ من الفرقة ، ويحصل الكثير من الخلاف بعد أن كان شيئًا محدودًا ، فإذا به يستشري وينتشر.
فنذكر المصلحين الذين يريدون التدخل للإصلاح:
أولًا:أن يبتغوا وجه الله تعالى:( إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا )(النساء:35) أي:إذا كانت النية صافية ومُخْلَصَةً لله كانت النتيجة طيبة( يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا )(النساء:35).
ثانيًا:الحكمة في التعامل في الأمور ، فإن في كثيرٍ من الأشياء بين المتخاصمين حساسيات.
ثالثًا:التكتم:النبي ص ، « اسْتَعِينُوا على إنْجَاحِ الحَوَائِجِ بالكِتْمَانِ» (صحيح رواه البيهقي والطبراني وغيرهما) فلكي تنجح القضية ، لابد من التكتم وعدم نشر التفاصيل بين الناس.
رابعًا:أن يذكر كل واحد من المتخاصمين بالله ﻷ ، وبحق الآخر عليه ، إن كان أخًا في الله يذكر بحقوق الأخوة ، وإن كان زوجًا يذكر بحقوق الزوجة ، وإن كانت زوجة تذكر بحقوق الزوج.
وكذلك فإنه لا بأس أن تنقل إليه كلمات من الخير على لسان الطرف الآخر ، وتكتم عنه أمورًا من الشر جاءت على لسان الطرف الآخر ، هذا من الحكمة والسياسة في الإصلاح بين المتخاصمين.
عبادة فرطنا فيها:
إن إصلاح ذات البين والإصلاح بين المتخاصمين عبادة عظيمة جدًا فرط فيها الكثير ، ولذلك عمت الفرقة والشتات في كثيرٍ من طبقات المجتمع ونواحيه ، وتفككت كثيرٌ من الأسر ، لو أن المسلمين تدخلوا كما أمر الله:( وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) (الأنفال:1) ـ وهو أمرٌ واجب ـ لَتَفادَيْنا كثيرًا من الشر ، ولكنك ترى هذا يخالف الشرع ، وهذا يهمل ولا يهمه الأمر ، ولذلك انتشرت الخلافات والشقاق بين المسلمين ، فلنبادر إلى الإصلاح على جميع المستويات ؛ الإصلاح بين الدعاة إلى الله أنفسهم ، والإصلاح بين كل متخاصمين من المسلمين.
أيها المسلمون:هذه عبادة أوصى بها الله ، وأوصى بها رسول الله ص ، فانتدبوا أنفسكم للقيام بها ، فإن في القيام بها أجرًا عظيمًا لا يعلمه إلا الله ﻷ.



ساحة النقاش