-----------------------
علي بن عمر بادحدح
جدة
سعيد بن جبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- من سنته تعالى وقوع الفتن وحصول البلاء. 2- ظهور الفتن في هذا العصر وفشوها. 3- أحوال الناس عند وقوع الفتن. 4- تكالب الأعداء على الأمة المسلمة. 5- الاعتصام بكتاب الله تعالى أول ما ينجي عند الفتن. 6- تقوى الله عز وجل تثبت المرء أمام الابتلاء. 7- دأب الصالحين الدعاء عند حلول البلاء. 8- الغلبة والنصر حليف الصابرين الثابتين. 9- حقائق لا بد من الإيمان بها.
-------------------------
الخطبة الأولى
أمر مهم، وموضوع خطير، نحن في أمس الحاجة إليه مع تعاظم البلية، وتفاقم الرزية، وكثرة الاختلاف والتنابز بالألقاب، والتباعد والتجافي في الآراء، والافتراق والانقطاع في الصفوف، وغير ذلك مما نمر به ونشهده. نسأل الله سبحانه وتعالى العصمة من الفتنة.
والفتنة: الابتلاء والامتحان والاختبار، ثم صارت تطلق على المكروه، أو كل ما يول إليه من أمر من المكروه والسوء والشر والفساد. ونسأل الله عز وجل السلامة.
وقد اقتضت سنة الله سبحانه وتعالى وقوع الفتن، وجريان المحن؛ تمحيصًا للإيمان، تمييزًا للصفوف، وابتلاءً يصدق به الصادقون، ويظهر به الكاذبون، ويختم به ويصرف المنافقون، وقد قال سبحانه وتعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2، 3].
قال ابن كثير في تفسيره: "هذا استفهام استنكار، أي هذا سؤال على صيغة الإنكار، ومعناها: أن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان".
وقال السعدي رحمه الله: "سنته تعالى وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليه في بعض الأحيان ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل، ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كله إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، وفتنة الشهوات المعارضة للإرادة". أما من صدق وثبت فأولئك هم المؤمنين.
ثم بين الله سبحانه وتعالى عاقبة هذا الابتلاء، فقال رحمه الله: "فمن كان عند ورود الشبهات لا تؤثر في قلبه شكًا وريبة، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي، أو تصدّه عن الواجبات دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه"، وقد نراه من تحير شكه في ثابت المقطوع به من دين الله، بل من غيره وبدله، وصار مخالفًا ومخالفًا واضحًا تمامًا للمقصد الظاهري البين مما جاء في آيات الله، وثبت في سنة رسول الله .
إنه ينبغي أن نعلم الإيمان ليست كلمة تقال، وإنما هو حقيقة ذات تكليف وأمانة، وذات أعباء وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، والفتنة هي دلالة على أصل الإيمان، وهي سنة الله جل وعلا الجارية، ونحن لا نشك أبدًا أننا في زمن فتنة وأحداثٍ عظيمة وجليلة، لكننا عندما ننظر بنور الله، وعندما نستهدي بهدي رسول الله ، تنكشف لنا حقائق الأمور، وتتبدل ظلمات الشبهات، ونعزف بإذن الله سبحانه وتعالى عن إغراء الشهوات.
ولعلنا نصف واقعنا المعاصر وحالتنا الراهنة، التي يتكالب فيها الأعداء، وتفترق فيها الآراء، ليس بوصف من عندنا، وليس بقول من زماننا، وإنما بما ذكره المصطفى فيما صح عند الشيخين، من حديث أبي هريرة عن الرسول فيما وصف به أواخر الزمان، قال عليه الصلاة والسلام: ((يتقارب الزمان، ويُقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج)) قالوا: وما الهرج؟ قال: ((القتل)).
وهل ترون صورة أوضح وأدق في وصف أحوالنا اليوم، في تقارب هذا الزمان واختصاره، كما يطلقون عليه اليوم: قرية صغيرة، وقبض العلم بموت العلماء، وذهاب المخلصين الصادقين منهم إلا من رحم الله.
وظهور الفتن أي: كثرتها واشتهارها، كما ذكر الشراح، كلما ظهرت فتنة عظيمة ترقق التي قبلها، فتنة في شرق، تنسى فتنة الغرب، وفتنة في عقر داري، وبعد فتنة في الديار، حتى يرى الإنسان هذا الظهور والاشتهار والكثرة وراء الأعين، لا يحتاج إلى بيان، ولا إلى شرح، ويلقى الشر أي يغرس في النفوس.
وكم نراه ظاهرًا الهرج والقتل، وما أدراك ما هو؟ وكم أعداده؟ وما هي أسلحته الفتاكة؟ وما هي الجرائم والقوة العظمى التي تتولى كبره، وتحمل عاقبته وإثمه؟
ثم كذلك تنظر إلى ما بينه النبي في صورة توضحه أكثر، كما ورد في الصحيحين عند البخاري ومسلم أيضًا من حديث ابن زيد رضي الله عنه، أن رسول الله أشرف على أُطُم من آطام المدينة ـ أي: مرتفع من المرتفعات ـ ثم قال: ((هل ترون ما أرى؟ إني أرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القَطْر)).
قطر المطر يصيب كل شيء، فكل قطعة من الأراضي، وكل مكان من الأمكنة، وذلك بكثرة شيوعه، وعموم البلوى بمثل هذه الفتن.
وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول : ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويبيع دينه بعرض من الدنيا)) رواه مسلم في صحيحه.
والله لكأنا نرى ذلك رأي العين، ونرى من اسمه اسم المسلمين، وسمته سمتهم، ثم نرى حاله ومقاله وفعله لا يختلف عن فعل الكافرين، بل ربما كان أشد، ولأجل أي شيء يفعل ذلك؟ لا ترى سببًا ولا تستطيع أن تبحث عن علة، إلا أمرًا يتعلّق بدنياه، حفاظًا على روحه، ورعايةً لمصالحه، أو حفظًا لمطامعه، أو خوفًا على شيء من عرض هذه الدنيا.
قال الحسن البصري في تعليقه وبيانه في هذا الحديث، وهو من أفصح البيان وأوضحه: "يصبح الرجل مُحرمًّا لدم أخيه وعرضه وماله، ويُمسي مستحلاً له، ويمسي مستحلاً له، ويصبح محرمًا له".
أهواء تعبث، ومصالح تحكم، ودين يذوي، وإيمان يرق، ويقين يضعف. نسأل الله عز وجل السلامة.
ثم يقول الحسن رحمه الله عندما ذكر قوله : ((يبيع دنياه بعرض من الدنيا قليل))، قال: "فوالله لقد رأيناهم صورًا لا عقولاً، وأجسامًا لا أحلامًا، فراش نارٍ، وذباب طمع، يغدو يبيع دينه بدرهمين، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز، والله لقد رأيناهم".
من القائل؟! الحسن البصري! في أي زمن؟! في زمن التابعين، ووجود بعض الصحابة الغُر الميامين، والله لقد رأيناهم صورًا لا عقولاً، وأجسامًا لا أحلامًا، ثم بيّن حالهم، أفلسنا نرى من ذلك ما هو أظهر، وما هو أشهر، وما هو أكثر، وما هو أخطر؟ بلى والله، ومن لم ير ذلك، فربما لم تكن حينئذٍ له عينٌ بصيرة. نسأل الله عز وجل السلامة.
واستمع إلى هذه الومضات الإيمانية القرآنية، التي تبيّن الافتراق بين المؤمنين الصادقين، والمنافقين الزائغين، والكافرين المعتدين الظالمين، التي تُبيّن كيف تُمحّص الفتن الناس، وكيف تُظهر مكنونات ما في قلوبهم، وتخرج دخائل نفوسهم، وتُظهر خواطر عقولهم، وتكشف ذلك في فلتات ألسنتهم في كثير من أحوالهم وأفعالهم: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10].
بمجرد الابتلاء اليسير والمحنة العارضة، نجد من ينسلخ من دينه، ويتجرّد من إيمانه، ويمسخ حتى من فطرته وخُلقه، وأي شيء؟ لأجل عذاب دنيوي، أو لأجل رهبة بشرية، وينسى عذاب الآخرة، وينسى قوة الله عز وجل، رب الأرباب، وملك الملوك، وجبّار السماوات والأرض، وينسى أن أمر الله جلّ وعلا بين الكاف والنون، وأن كل قوى الأرض لا يمكن أن يكون لها أثر ولا ذكرٌ ولا خبر إذا أراد الله سبحانه وتعالى إفناءها، وإذا أراد الله عز وجل ردها في نحور أربابها، وإذا أراد الله عز وجل أن تكون شِقوة لمن يأخذون بها، ويؤذون بها ويعتدون بها: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ [الحج:11].
أليس هذا حال نراه؟ أليست هذه صورة ينبغي أن تمتلئ قلوبنا رهبة وخوفًا من أن نكون من أربابها، أو نكون من أصحابها؟ إنها الفِتن التي تُقلِّب القلوب، وتعبث بالآراء، فإن لم يكن لنا من ذلك عصمة بالله، سنضيع مع الضائعين، ونزيغ مع الزائغين، ونهلك مع الهالكين. نسأل الله عز وجل أن يعصمنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يُنجينا وأن يجعلنا أوثق بما عنده مما في أيدينا.
إننا إذا تأملنا وجدنا حالاً تُصوّره الآيات، يشبه حالنا اليوم، وقد تكالب الأعداء وقد اختلفت آراء الأولياء والأحباء، بل تضاربت مصالحهم، بل وقد تهيأت أسباب ظهور صراعهم وعدائهم جلية واضحة، أي شيء في كتاب الله يُصوّر لنا ذلك؟
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنْ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:141].
سبحان الله، كأن الآيات تنطق بألسنة كثير ممن يقع منهم ذلك في هذا اليوم، فالله سبحانه وتعالى كما قال: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء:141].
قاعدة مطّردة، لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، أينما وُجدوا، فلن يكون للكافرين عليهم سبيل، قد تكون جولة، ولكن الدولة تعود إلى أهل الحق إلى قيام الساعة، ولكن كثيرًا من الناس لا يوقنون، وعند الشدة لا يثبتون، وذلك هو أثر الفتنة التي يقضيها الله عز وجل، فإن ثبت الثابت، واعتصم بالله عز وجل، يوشك عمّا قريب أن تنكشف الغمة، وأن تُفرج هذه المُلمة، وأن يكون للناس من وراءها خير عظيم وفرج كبير ونصر عظيم، ولكن كثيرًا من الناس لا يوقنون، ولكن كثيرًا من الناس لا يصبرون، ولا يثبتون. نسأل الله عز وجل أن لا يجعلنا من أولئك.
وعندما نتلو هذه الآيات نجد ما بعدها مباشرة: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].
ثم تُبيّن مواقف المنافقين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أي شيء أوضح من بيان أن هذه المواقف هي مواقف النفاق، الذي لا يصدق معه الإيمان، إنما يكون ظاهرًا لا باطنًا، إنما يكون صورة لا حقيقة، إنما يكون مداهنة لأغراضٍ وليس صدقًا لحقيقة، كما هو الأصل في هذا الإيمان.
ولسنا نريد أن نفيض في الحديث عن الفتنة، فإنها مما يراه الناس ويعرفونه، ولكننا نريد أن نقف مع معالم العصمة من هذه الفتنة، والنجاة من هذا الهلاك، والخروج من هذا المأزق، سيما وأن الأحداث تتوالى، وأن البلايا تتعاظم، قد منّ الله عز وجل علينا بكثير مما نحتاج إليه، ونحتاج إلى التبصر به، حتى نسلم بعون الله عز وجل.
وهذه بعض المعالم، أولها: الاعتصام بكتاب الله وسنة رسول : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].
قال الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يعني بذلك جلّ شأنه وثناؤه وتعلّقوا بأسباب الله جميعًا، يريد بذلك تعالى ذكره تمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهد إليكم في كتابه، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله".
قال ابن كثير: "وقد ضُمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ".
يُعصمون من الخطأ إذا ائتلفوا واتفقوا، ويُنجون من الآراء الزائغة والمواقف الحائرة والمواقف الخاطئة كذلك، وقد بيّن الله سبحانه وتعالى ذلك في آياتٍ كثيرة: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:78].
عندما تأتي الفِتن وتشتد المحن، تجد الناس يلجؤون ويفزعون إلى ما يظنونه مستمسكًا ومستعصمًا وملجأ وملاذًا، فبعضٌ يرجع إلى قوة من قوى أهل الدنيا، وإن كانت قوى كافرة باغية ظالمة، يلتمس الأمن في ظلالها، والحماية في جوارها، والنصرة في طريقها أو في مسيرها، وذلك من أعظم الزيغ وأشد الفتنة وعظمة الارتداد عن دين الله سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل السلامة.
والله جلّ وعلا يُبيّن أن لا عصمة إلا لمن اعتصم به: إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النساء:146].
وغير أولئك لا ينجون، وغير أولئك لا يُصيبون، وغير أولئك لا يكون لهم ما يقع به أمنهم من الخوف، ولا نجاتهم من الهلكة، ولذلك لا بد أن نتأمل الآيات، وكثيرًا غيرها، وكثيرًا كذلك من أحاديث النبي : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء:175].
لا شك أن المسائل مختلطة، وأن الأمور محيّرة، فكيف تنكشف الطريق؟ وكيف يُعرف المسار؟ وكيف تنجلي الغمة؟ وكيف تُكشف الظُلمة؟ إنه لا كاشف إلا بنور الوحي، ولا بصيرة إلا ببصيرة الإيمان، ولا معرفة إلا بمعرفة اليقين، فكلما اعتصمنا بكتاب ربنا اعتصامًا حقيقيًا، عن وعي وإدراك، وعن إيمانٍ ويقين، وعن ثباتٍ وصبر، فإن ذلك هو العون الأساسي.
المعلم الثاني: تقوى الله، ونعني به ذلك التعلّق الذي يزداد عند الفِتن والمحن، والذي يعظُم عند الشدائد والكرب والبلاء.
مع أن كثيرًا من أحوال الناس إذا ازدادت الشدة ذهلت عقولهم، وفزعت قلوبهم، فانصرفوا عن حياض التقوى، وخرجوا من دائرة العبادة، لم يكن ذلك دافعًا لهم لمزيد من التعلّق، وكثيرًا من الارتباط بالعبادة والطاعة، لأن الناس في وقت الفِتن يُذهلون وينشغلون بأمور أنفسهم، وينصرفون كثيرًا عن أمور تعلقهم بطاعة ربهم وعبادته سبحانه وتعالى، أليس قد قال الحق جلّ وعلا: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2].
كُن مع تقوى الله سوف تجد ـ بإذن الله عز وجل ـ كل عسير يسير، وكل صعب سهلاً، وكل مغلق مفتوحًا، وذلك وعد الله القاطع، الذي لا يتخلف بإذن الله عز وجل.
وتأمل كيف يبيّن النبي أثر العبادة في وقت الفتنة على وجه الخصوص، وفي ذلك أحاديث كثيرة، عندما تتأملها تدرك أنه كلما ما زادت الفتنة، ينبغي أن تزيد العبادة والطاعة، هذا حديث مَعْقِل بن يسار رضي الله عنه، يقول فيه عن رسول الله كما روى مسلم: ((العبادة في الهرج كهجرة إليّ)).
وفي رواية أخرى عند الطبراني وهي صحيحة: ((عبادةٌ في الهرج والفتنة كهجرةٍ إليّ)).
قال الشُرّاح: لما كانت فتنة الدين كانت النجاة منها في زمنه الهجرة إليه، وإلى دار الإسلام، لتثبيت الإيمان وإعلاء رايته العبادة لله عز وجل.
فلما كانت الفِتن بعد وفاته ، كان المنجى هو العودة إلى العبادة والطاعة والاستكثار منها، فهي هجرة من المعاصي إلى الطاعات، ومن الفِتن إلى الثبات، ومن كل سوء إلى كل خير بإذن الله سبحانه وتعالى.
حتى أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: ((أن السجدة في زمن الفتنة تعدل الدنيا وما فيها)).
كم نرى من الناس انصرافًا وذهولاً، كلما اشتد الخطب، كلما زاد الشرود والبعد والغفلة عن الطاعة والصلة بالله سبحانه وتعالى.
والأمر الثالث: دعاء الله جلّ وعلا، وقد يكون ذلك مندرجًا فيما قبله، لكن التفصيل مهم، ولكن ذكر الآحاد والأفراد مهم.
أيها الإخوة الأحبة، وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].
أفليس وقت المحن هو وقت الدعاء المهم الخالص، الذي ينطرح فيه المؤمنون بين يدي الله؟ أليس رسولنا قد ضرب به المثل في سيرته، في كل شدة ومحنة، كانت يداه الكريمتان تُرفع تضرعًا إلى الله، وعينه تذرف تبتلاً وخضوعًا وتضرعًا إلى الله، وقلبه يخفق ولسانه ينطق؟
إنها صورة لا بد أن تعظم وتكثر في حياتنا الذاتية عمومًا، وعند هذه الفِتن خصوصًا، والله سبحانه وتعالى بيّن لنا أثر هذا الدعاء، وبيّنه لنا في سيَِر الرسل والأنبياء في آدم وزوجه: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].
عندما وقعت الفتنة بالأكل من الشجرة، كان المخرج الدعاء والتبتل والتضرع لرب الأرض والسماء، فكان الفيض، وكانت التوبة، وكانت النعمة من الله سبحانه وتعالى على آدم.
وفي قصة يونس عليه السلام نعرف ـ جميعًا ـ ماذا كان يقول في جوف الحوت، وماذا كان دعاؤه وذكره الذي كان سببًا من أسباب تفريج همه وكربه، ونجاته مما ألمّ به: أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87].
وفي مثل هذا الدعاء إقرارٌ بالخطأ، واعترافٌ بالذنب، ورجاءٌ وابتهالٌ وتضرعٌ بالسلامة من الآثار الوخيمة.
ولذلك ورد كذلك في حديث النبي في هذه اللفظة: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قال عليه الصلاة والسلام: ((لم يدع بها رجلٌ مسلم في شيء قط، إلا استجاب الله له)) رواه الترمذي في السنن.
ومن الدعاء الاستغفار، وهو من أسباب النجاة، كما قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].
والإكثار من الذكر كما في قصة يونس، فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [الصافات:143، 144].
والله سبحانه وتعالى جعل لنا أنواعًا من ذكره ودعائه والتبتل إليه، من اعتصم بها، وأدمن عليها، وأكثر منها، أحيا الإيمانَ في قلبه، وعظمت التقوى في نفسه، وانكشفت البصيرة في عقله، وأصبح له من نور الله، ومن اعتصامه به، ومن الدعاء له، ومن تضرعه إليه، ما يفيء به إلى خير كثيرٍ بإذن الله.
ومن ذلك: الاستعاذة والتعوذ من هذه الفِتن، من شرورها وضلالها وزيغها، فقد قال رسول الله : ((تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن)) رواه مسلم.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه في هذا التعوّذ: (لا يقولنّ أحدكم: إني أعوذ بالله من الفِتن، فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتملٌ على فتنة، إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مُضلات الفِتن).
نسأل الله عز وجل أن يعيذنا من مُضلات الفتن، وأن يصرفنا عنها، وأن يفيء بنا إلى الحق والثبات والاعتصام بكتابه وسنة النبي .
ومن معالم العصمة الصبر والثبات، ولا بد من ذلك، فإنها محن لا بد أن تصيب بالأذى، ولا بد أن يشعر بما فيها من البلاء، ولكنّ الصابرين بإذن الله عز وجل تكون لهم الغلبة والمخرج السالم من أثر وخيم على إيمانهم ويقينهم، وعلى سلوكهم وأخلاقهم.
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157].
هذه آية ناطقة بأثر هذا الصبر في مثل تلك المحن، وقد قال جل وعلا: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران:120].
لا يضرنا كيد الكايدين، ولا ظلم الظالمين، ولا عدوان المعتدين، وأهم شيء أن لا يضرنا في ديننا واعتقادنا وإسلامنا وثوابتنا، والتزامنا شرع الله سبحانه وتعالى، وهدي رسوله ، والله جل وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].
وكان المصطفى إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما أعطي أحدًا عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر)) متفق عليه.
وقال في دلالة هذا الصبر عند المحن: ((يأتي على الناس زمان، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر)).
ومن هذا الصبر ـ كما ذكر العلماء ـ الصبر في كف اللسان، والمنع من الخوض في الفتن من غير بصيرة وعلم وبيان، ونحن نعلم أن كثيرًا من القول في مثل هذه الأحوال باندفاع وعواطف ومجاراة لمن يقول، وخوض مع الخائضين، إنما تعظم به الرزية، ويكثر به الاختلاف، وتعظم به الحيرة والاضطراب، وأكثر ذلك ليس له أساس يثبت، وإنما هو محض هذه الاضطرابات والاختلافات، وكذلك التنابز بالألقاب، والاختلاف بين الناس، يعظم أثره بما يكون من قول اللسان في هذه الفتن.
وذلك أمر مهم، ولعلنا نختم هذه المعالم بحقائق الإيمان وأباطيل الكفر الواجب معرفتها في ضوء هذه الثوابت، فإننا نعرف من حقائق الولاء والبراء، ومن حقائق معرفة الظلم والاعتداء، ومن حقائق وجوب نصرة أهل الإيمان والإسلام، ومن حقائق الولاء لهم والبراء من أعدائهم، ما ينبغي أن لا يتغير، لأن آيات القرآن لا تتغير، ولأن الحقائق الإيمانية الثابتة المقطوع بها لا تتبدل، والله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [الممتحنة:1].
وبين سبحانه وتعالى حقيقتهم وقال: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة:2].
وقال سبحانه وتعالى لأهل الإيمان: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ [الممتحنة:4].
وهذا أمر واضح، هو الإيمان والكفر، من آمن بالله ربًا، وبرسوله نبيًا، وبالإسلام دينًا، فهو الذي نواليه، ومن برئ من ذلك بل وحاربه وعاداه، فنحن أعداؤه إلى يوم الدين، بدل من بدل، وغير من غير، سيما إذا اجتمعت حقائق أخرى من الظلم والبغي والعدوان.
إن الله عز وجل قد قال: لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8].
إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ [الممتحنة:9].
وأولئك قوم قد عرفنا أنهم أصحاب كل قتال لأهل الإسلام في كل ميدان، قد شهدت بذلك أدغال أفريقيا، كما شهدت به مواطن الضياء التي يزعمونها في أوربا، كما شهدت به مواقع شرق وغرب كثيرة.
ولا ننسى أنه لا بد لنا من معلم مهم، وهو النظر الشامل الكامل في الأحداث، فإنها ليست قضية واحدة، وإنها ليست مسألة عارضة، وإنها ليست مصلحة عابرة، وإنما هي قضية شاملة، ومواجهة كاملة، نحن لن ننسى، ولا يمكن أن ننسى، ولا ينبغي أن ننسى قضيتنا الأولى في حرب أهل الإسلام والإيمان مع اليهود وأحلافهم من الصليبين والنصارى، وقضية فلسطين ليست مما يجري ببعيد، هي أساسها وجوهرها، وهي هدفها وغايتها، وهي طريقها ومعبرها.
ينبغي أن ندرك حقائق كلية شاملة، لا أن نسير مع السائرين، إن تحدثوا غربًا نظرنا غربًا، ولم يكن لنا إلا الغرب، وإن جاؤوا شرقًا ذهبنا معهم، واهتممنا بما يقولون، وما يفعلون، وننسى أن وراء ذلك الحقائق الثابتة، والتاريخ الذي تشهد به لا الأيام ولا الأعوام، بل العقول والدهور والقرون.
ولذلك ينبغي أن نعرف ذلك، وأن نحرص عليه. وأخيرًا لا بد من الحرص فيما بيننا على أن نكون على قلب رجل واحد، وأن نسد أبواب الفتن والاختلاف التي تعظم الفرقة وتزيد الفتنة، حتى نبرأ بإذن الله عز وجل، وتنكشف الغمة، وتنجلي هذه الملمة، ولا بد لها من أن تكون كذلك، وليس لها من دون الله كاشفة.
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.
المصدر: المنبر
نشرت فى 12 نوفمبر 2011
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش