علي بن عمر بادحدح
جدة
سعيد بن جبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- أهم الصفات الواجب توفرها في مقام الخطابة. 2- لا بد أن يكون المسلمون في أوقات المحن على بصيرة واعتصام بثوابتهم. 3- على قدر اليقين والقوة الروحية يكون تحقق النصر. 4- المصارحة ومواجهة الذات أهم سبل الإصلاح. 5- أثر الذنوب والمعاصي. 6- المعنى الصحيح للأخوة. 7- الإيمان يبقى دائمًا أعلى وأجل من أي قوة مادية.
-------------------------
الخطبة الأولى
أيها الإخوة المؤمنون، خطوات عملية في أوقات المحن، ذلك ما يسأل عنه الناس، ويريدون معرفته، ويعزمون على الأخذ به وهو موضوع حديثنا اليوم.
لأننا في هذا المقام ينبغي أن نُذّكر أنفسنا، ونُذّكر إخواننا، لأن مقام الخطبة مقامٌ عظيم، لا بد من أن تتوفر فيه كثير من الصفات، ولكننا نُشير إلى أهمها:
أولاً: المقصد الأعظم، فإن هذا المنبر ليس لمناورة سياسية ولا لمظاهرة إعلامية، إنما أصله الأعظم ومقصده الأكبر الإخلاص لله عز وجل، وابتغاء رضوانه، وإن سخط الناس، وقصد وجهه سبحانه وتعالى دون الالتفات إلى الناس.
وثانيًا: الهدي الأقوم والاقتداء بسيد الخلق ، كيف كان في خطابته، وفي تأثيره، وفي وضوحه، وفي صراحته، وكيف كان في علاجه لأمراض الأمة، وتناول شؤونها العامة والخاصة، وكيف كان ذلك دائمًا ناشئًا عنده من معايشته لأصحابه وأمته، ومن معرفته العظيمة الواضحة الجلية لحاجتها، أي: لحاجة الأمة.
وأمرٌ ثالث: مراعاة المصالح والمفاسد، والأخذ بالحكمة والبصيرة.
أمّا والناس يريدون كما يقولون كذا وكذا، فليس هذا المنبر مثل وسائل الإعلام، يُقدم ما يطلبه الجمهور، فنسأل الله عز وجل أن يجعل لهذه المنابر إخلاصًا لله كاملاً، ومتابعة لرسوله تامة وحكمة فيها بالغة.
هذه الخطوات:
أولاً في الجانب الفكري، حتى نفهم ونفقه، وربما نؤكد ونكرر، ونزيد ونعيد لأهمية مثل هذه المعاني.
ولست أُطيل ولكن أؤكد وأرّكز على المهم من هذه المعاني التي لابد لنا منها:
أولاً: وضوح الرؤية وقوة العصمة، لابد أن نكون على بصيرة واعية ووضوح تام، وبيّنة فاصلة من أمر ديننا وكتاب ربنا وسنة نبينا .
لسنا في شكٍ من أي قضية وحقيقة إيمانية قرآنية أو نبوية، لسنا نبحث هنا وهناك، لسنا نقبل ما يروج من الشائعات، وما يكون له صدىً واسع ودوي كبير من الأخبار أو الأقوال أو المقالات، لأننا كما قال الحق عز وجل في خطابه لنبيه : قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ [الأنعام:57].
بيّنة من الله واضحة، آيات أنوارها ساطعة، أحكام أدلتها باهرة، لابد أن تكون معرفتنا بذلك واضحة، حتى في سنن الله الماضية، وفي حكمته البالغة، التي نقرأها في آيات كتابه، ونرى تطبيقها في واقع الحياة، كل ذلك له أهميته.
ولذلك لا يُمكن حينئذٍ أن يكون شكٌ ولا ارتياب، ولا حيرة ولا اضطراب، ولا ترددٌ وتشكك، إذ هذه هي البيّنة الواضحة، والرؤية التي ليس فيها غبشٌ مطلقًا: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ [يونس:105].
قال الله جلّ وعلا في خطابه لرسوله ليُخاطب البشرية كلها والناس أجمعين: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنْ الظَّالِمِينَ [يونس:104-106].
ثم من بعد آياتٍ قليلة، يعود الخطاب إلى رسول الله، ليصبح بها أمام الناس كلهم والخليقة جمعاء: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [يونس:108، 109].
نبقى على ثوابتنا، ونعرف عاقبتنا وخاتمتنا، لأن الله جلّ وعلا قد قال: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].
ونوقن ـ أيضًا ـ في وضوح رؤيتنا أن الدائرة على الكافرين، كما كُسر الكياسرة، وقُصر القياصرة، وأُغرق فرعون، فإن ظَلَمة اليوم من الغزاة المعتدين ـ أمريكيين أو بريطانيين ـ عاقبتهم ـ ولو بعد حين ـ إلى ذل وهوان، فلا ينبغي أن تكون هناك عجلة، ولا ينبغي أن تكون هناك حيرة، قد تكون لهم جولة، وقد يكون لهم نصرٌ في دائرة أو ميدان، فهل يعني ذلك أن يَدِب اليأس في النفوس؟ وهل يعني ذلك أن الكفر ظهر على الإيمان؟ وهل يعني ذلك أن نتشكك في حقائق القرآن؟ وهل يعني ذلك أن تضطرب الآراء وتحتار؟
لقد رأى رسول الله ذلك ببصيرته النافذة، وكان قد أعلن عن نتائج كثير من معاركه وغزواته قبل بدئها، ألم يكن في يوم بدرٍ قد قال: ((هذا مصرع فلان غدًا إن شاء الله، هذا مصرع أبي جهل، هذا مصرع عُقبة بن أبي مُعيط، هذا مصرع أمية بن خلف))، لماذا؟ لأن يقينه بالله كان عظيمًا، ولأنه يعرف أن سنة الله ماضية في نصر من نصر الله، إن تخلّف وعدٌ فلم يكن تخلّفه لذات الوعد، وإنما لتخلّف شروط تحقق الوعد.
فلا ينبغي أن نُسرف في عواطفنا، وأن نُجاري هذه الموجات الإعلامية، التي تتلاعب بعواطف الناس، ثم لا يكون لهم من بصيرتهم، ورؤيتهم، ويقينهم، ومعرفتهم القرآنية والإسلامية ما يكشفون به ذلك.
ولقد كان في يوم أُحد ألم لرسول الله ومن معه، فأي شيء صنع عليه الصلاة والسلام؟ هل استسلم لليأس؟ وهل شك أصحاب محمد في نبوّته؟ وهل ظنوا أن الإسلام قد ذهبت ريحه، وانقضت أيامه، وزالت دولته؟ لم يكن من ذلك شيء، في اليوم الذي يليه خرج بهم رسول الله ليلحقوا عدوهم، ليُثبتوا أن الهزيمة لم تصل إلى القلوب، وأنها لم تبلغ النفوس، وأنها لم تُخالط العقول، وأنها لم تُغيّر الشعور.
ذلك هو الذي كان يقصده رسول الله ، لم يكن يقصد مجرد المواجهة المادية، بقدر ما كان يريد تثبيت الروح والقوة، والفهم المعنوي لأصحابه رضوان الله عليهم.
وهكذا كان في كل واقعة عليه الصلاة والسلام، يوم بدأت حُنين بما بدأت به من ارتداد بعض الأصحاب في أول الأمر، واختلاط الرؤية، وتضارب جيش المسلمين، ونزول السهام والنبال عليهم كوقع المطر، ثبت عليه الصلاة والسلام وأي شيء كان يقول؟
بعض الذين كانوا من مُسلمة الفتح، لم يثبت الإيمان في قلوبهم، قال بعضهم: بطُل اليوم سحر محمد، لم تكن عندهم وضوح رؤية، لم يكن عندهم صدق إيمانٍ بعد، فهل نقول مثل ذلك إن وقعت واقعة أو حلّت كارثة؟ كلا ينبغي أن لا يكون ذلك، لقد قالها عليه الصلاة والسلام:
((أنا النبي لا كذب ...أنا ابن عبد المطلب)).
رفع بها صوته، ثبت في موقعه، تقدّم في مواجهة عدوه، ثابت العقول إلى رشدها، رجعت العزائم إلى قوتها، انعطفت الجيوش إلى مقدّمتها، فعادت الجولة والنصر إلى أهل الإسلام والإيمان.
ويوم كُسر المسلمون في بغداد في محرم من عام 656هـ، وكان ما كان من قتل 800 ألف، أو 800 ألف وألف ألف، كما ذكر ابن كثير في تفسيره، واستمر القتل 40 يومًا، وسالت الميازيب من دماء المسلمين، وبلغ نتن جيافهم إلى بلاد الشام، أمرٌ عظيم، قامت الأمة من كبوتها، ونهضت من وهدتها، واستعادت عزيمتها، لأن كتابها بين يديها، لأن سنة نبيها أمامها، لأن القوة الموّلدة موجودة، بقي أن نوصلها بنا، وأن نرجع إليها لنشحن أنفسنا بها.
في الخامس والعشرين من شهر رمضان، في يوم الجمعة عام 658هـ، بعد أقل من 3 أعوام، نهض المسلمون، وواجهوا التتار وكسروهم وهزموهم وتتبعوهم، حتى لم يبق منهم أحد.
وذلك ما ينبغي أن نعرفه، ليست مواجهتنا لأهل الكفر والعدوان في ميدان واحد، ولا في جولة واحدة، ولا في دولة واحدة، فإن رأينا ذلك كذلك وخسرنا الجولة أو ذهبت الدولة، كأنما نسينا كل شيء، كلا ينبغي أن نُدرك أننا نؤسس ونواجه أعداءنا على مدىً طويل من الزمان، كما فعلوا، وكما يفعلون، وأننا نواجههم في كل الميادين، قتالية، وفكرية، وخُلقية، وعقدية، كما يفعلون.
قطفوا الزهرة قالت: مِن ورائي برعمٌ سوف يثور.
قطعوا البرعم قالت: غيره ينبني في رحم الجذور.
قلعوا الجذر من التربة قالت: إنني من أجل هذا اليوم خبأت البذور.
كامنٌ ثأري بأعماق الثرى.
وغدًا سوف يرى كل الورى.
كيف تأتي صرخة الميلاد من صمت القبور.
تبرد الشمس ولا تبرد ثارات الزهور.
وذلك ما ينبغي أن نستحضره في رؤيتنا، أن يبقى ولاؤنا لله، ولعباد الله، ولدين الله، وأن يبقى بُغضنا وبراؤنا لأعداء الله، وتربصنا بهم الدوائر، وشحذ هممنا للقائهم، وتغذية أبنائنا ورضاع ذلك مع لِبانهم، فإنها ليست جولة واحدة.
إن اغتصاب الأرض لا يُخيفنا.
فالريش قد يسقط عن أجنحة النسور.
والعطش الطويل لا يُخيفنا.
فالماء يبقى دائمًا في باطن الصخور.
هزمتم الجيش إلا أنكم لم تهزموا الشعور.
قطعتم الأشجار من رؤوسها وظلّت الجذور.
أبقوا الجذور للإيمان في قلوبكم، فسوف تبسق شجرته، وتَينَع ثمرته، ويعظم ظله ويشمخ بإذن الله عز وجل، رغم أنف كل قوى الأرض قاطبة، وإن عظمت، وإن تضخّمت، وإن هوّل الناس هولها، وعظّموا أمرها.
ثانيًا: معرفة الخلل وطريق العمل، لا ينبغي أن نُخادع أنفسنا، ما الذي آل بنا إلى هذا الأمر؟ ما الذي جعل عجزنا واضحًا فاضحًا؟ ما الذي جعل ذلنا ظاهرًا بيّنًا؟ ما الذي جعل خلافنا مؤسفًا محزنًا؟ ما الذي حلّ بنا؟
نعم ذلك كيد من أعدائنا، وهل يُتصور من الأعداء إلا ذلك؟ لكننا نريد أن نُكاشف أنفسنا، أن نضع النقاط على الحروف، أن نقرأ آيات القرآن الكريم: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].
انتبه إلى هذه المعاني، ولقد جاءت صريحة واضحة، ليس فيها مداراة ولا مجاملة، خطب بها سيد الخلق ، وصفوة البشر من أصحابه رضوان الله عليهم، في حادثة واحدة، في معصية، ومخالفة واحدة، في يوم أُحد جاء الخطاب الربّاني: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا [آل عمران:165].
كيف وقع هذا؟ كيف حلّ بنا هذا؟ كيف وبيننا رسول الله ؟ كيف ونحن ننصر دين الله؟ لقد كان ذلك والرسول معهم، وصحبه والصفوة المختارة، فهل تجاوزتهم سنة الله؟ وهل لم يمضِ عليهم قدر الله؟
أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ.
كلامٌ واضح، ومباشرة صريحة، نفتقدها ونداري أنفسنا ونُغالطها، ونقول هنا وهناك، ونرمي بالتبعة على الحكام، أو نُلّبسها على الحكام، أو ندفع بها نحو الأعداء، وكأننا من كل ذلك براء، وكأننا مُطّهرون ليس فينا نقصٌ ولا عيب، وكأننا لسنا سببًا من أسباب هذا البلاء، وكأننا لسنا طريقًا من طرق تسلط الأعداء.
إن لم يكن هذا هو وقت المصارحة والمواجهة، ولقد تنزّلت الآيات يوم أُحد والجراح ما زالت نازفة، والحزن ما زال في القلوب يعصرها، وفي النفوس يثريها ويؤلمها، ومع ذلك جاء الوضوح القرآني والمنهج الرّباني، فهل نحن قادرون على أن نقول: نحن أصحاب الأخطاء، ونحن جزء من البلاء، ونحن الذين مكنّا في بلادنا وديارنا وأوضاعنا وأحوالنا للأعداء.
هل نقولها؟ ينبغي أن نقولها؟ وينبغي أن لا ننظر يمنة ويسرة، بل أن ننظر إلى ذوات أنفسنا، أن ننظر في المرآة إلى أحوالنا، أن نكشف خللنا، إذا عرفنا مصدر الخلل، يُمكن أن نعرف مصدر الإصلاح والعمل، وذلك أمره بيّن.
إذا شكا أصحاب النبي وقالوا ما قالوا، وهم مَن هم من أمرٍ يسيرٍ، ومخالفة واحدة، فكيف نحن نسأل اليوم: لِم يجري ذلك؟ ولِم يحل بنا ذلك؟
ألسنا نرى معاصي تبلغ إلى درجة الكفر؟ بنبذ دين الله، والاستهزاء بكتاب الله، والتعدّي على شخص رسول الله ، تقع في ديار المسلمين، وبلسانٍ عربي مبين، ألسنا نرى فسقًا وفجورًا؟ ألسنا نرى غير ذلك مما تعلمون؟
وهذه مرة أخرى في وصف أُحد: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران:152].
تقتلونهم قتلاً قويًا سريعًا أي في أول المعركة: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:152].
لابن القيّم كلمات كثيرة انتخبت منها واحدة يقول فيها: "من آثار المعاصي والذنوب: قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق، والوحشة بين العبد وبين ربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء، وطول الهم والغم، وضنك العيش، وكسف البال".
كل ذلك يتولّد عن المعصية والغفلة عن ذكر الله، كما يتوّلد الزرع عن الماء، لِم لا نبحث في ذلك، كما كان يعرفه ويتشّربه سلفنا الصالح.
عن ثوبان رضي الله عنه، عن رسول الله قال: ((وإن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه)).
كانوا يرون أن خفاء المسألة، أو أن نسيان النص، إنما هو بسبب الذنب، ومن مقالات السلف: "كان أحدنا يجد أثر الذنب في خُلق زوجته ودابته".
إذا رأى في زوجته خُلقًا سيئًا اتهم نفسه أنه قد قصّر وأساء، فابتلاه الله بذلك في أدّق الدقائق، وفي أبسط الأمور، كانوا يعرفون ويوقنون أنهم من الأسباب، فيبدؤون أولاً بعلاج أنفسهم.
لله در أبي هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله وهو يقول لنا: (ما بالك تُبصر القَذَى في عين أخيك، ولا تُبصر الجَذَع في عين نفسك).
نحن بصيرون بالبحث والتنقيب والاستخراج لعيوب الناس، ونحن أعمى الناس عن عيوبنا، وأغفل الناس عن تقصيرنا.
إن كنّا نريد في هذه المحن والفتن، أن نخرج منها بخير، فلتكن معرفة تقصيرنا وتفريطنا أول ما نبدأ به، ونحن نعلم أن طريق العمل كما قال الله جلّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].
الجانب النفسي، وهو مهم جدًا أيضًا، ونذكر فيه أمرين:
المشاركة الشعورية العميقة الصادقة، أين أخوة الإيمان؟ أين آصرة الإسلام؟ أين الصورة المثالية العظيمة الفريدة والمثل، الحي الكامل الذي ضربه سيد الخلق : ((مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمى)).
لقد كنت أُحدّث نفسي، وحدّثت بذلك بعض الناس، قلت: إني أُنكر من نفسي أن حزنها ما زال قليلاً، لا يكافئ المصاب والخطب العظيم، وإن ألم القلب ما زال دون المطلوب بكثير، وإننا ما زلنا نستطيع أن نضحك، وأن نفرح، وأن نلهو، وأن ننام، وأن نطعم، وأن نشرب، وكأن خنجر لم يُطعن في قلوبنا، أو لم يدخل وينفذ إلى ظهورنا، وكأننا لسنا مصابين بذلك المصاب الضخم الهائل، كأننا لن يكون منا هذا الأثر النفسي، حتى يكون المصاب في أنفسنا، وفي أعراضنا، وفي بيوتنا وحرماتنا.
لقد كان صلاح الدين لا يضحك ولا يتبسّم، فلما قيل له في ذلك قال: "كيف أضحك وبيت المقدس في أيدي النصارى؟".
ذلك كان همهم وحزنهم، قد خالط شغاف قلوبهم، وجرى مع دمائهم، في عروقهم، لم يملكوا معه أن يناموا، وأن يهجعوا، ولا أن يلهوا، ولا أن يضحكوا.
لا بد أن نُعمّق هذا الشعور، وأن نجعله عظيمًا في قلوبنا.
لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ...إن كان في القلب إسلام وإيمان
لا بد أن نستشعر هذه المعاني، وأن نُعمّقها في نفوسنا ونفوس أبنائنا، أن لا يتبلّد الإحساس ونحن نشاهد المناظر أمامنا، كم طفل رأيناه مشّوه الوجه قد قُتلت براءته؟ كم أمٍّ رأيناها وهي تبكي على رضيعها وصغيرها؟ كم رأينا ممن فقدوا دُورهم وأموالهم؟ ليس اليوم، ليس في العراق وحسب، بل في فلسطين على مدى 50 عامًا، وفي كشمير مثلها، وفي غيرها، وفي غيرها، وما زال الحزن في نفوسنا قليلاً.
ولقد قلت هذا لأني أعني به نفسي، وأرى أننا إن لم يكن ذلك حُرقة نشعر بها، تقض مضاجعنا، تؤرق نومنا، تجعلنا لا نهنأ بعيشنا، إن لم يكن ذلك كذلك، فلنتهم أخوتنا، ولنتهم صدق مودتنا، ولنتهم تلاحمنا كالجسد الواحد، الذي أخبر عنه رسول الله .
قلبي يفيض أسىً وعيني تدمعُ ...والجسم من فرط الضنى متضعضعُ
نار تمور بها الحشا وتألمٌ ...يثري نياط القلب فهي تقطّعُ
حرٌ يُسام أذىً ويُهتك عِرضه ...قهرًا فيا لله كم ذا مُفزعُ
وفتاة طُهرٍ بالحجاب تلّفعت ...عنها حجاب الطُهر قهرًا يُنزعُ
وبيوتهم فوق الرؤوس تهدّمت ...والطفل مات وأمه تتوجعُ
أفليس في قلوبنا رحمة إنسانية، وأخوة إيمانية، وعاطفة إسلامية؟ لا، لم نُذكها ما لم نُحركها، ما لم نقصد بذلك أن نقويها، فلن تكون لنا تلك الحركة الإيجابية التي نرجوها ونأملها.
ثانيًا: القوة والعزة، فلسنا نريد لهذه الأحزان أن تنال من عزيمتنا، ولا أن تُوهن من قوتنا، ولا أن تُضعف من عزتنا، كلا نريدها وقودًا يتّفجر قوة، ويتطاير عزة، نريد أن نؤكد في كل الظروف والأحوال، بل في ظروف المحن والفتن على وجه الخصوص، أننا نستعلي بإيماننا، وأننا نشرف ونفخر بإسلامنا، وأننا نرفع رؤوسنا، وأننا سادة الدنيا، وأننا نُعلّم البشرية، وأننا قادة الإنسانية، وأننا دعاة الحرية، نحن أمة محمد ، نحن الأمة التي اختارها الله عز وجل لتكون الأمة الباقية إلى قيام الساعة، ولتكون الأمة الشاهدة على الأمم يوم القيامة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].
ما بالنا في نفوسنا وهنٌ، في قلوبنا ذلٌ، في أحوالنا تقهقرٌ، ما لم يكن ذلك كذلك، فإنه لا يُرجى أن يتوّلد لنا عملٌ، وأن تكون لنا حركة، لا بد أن نستحضر قول الحق سبحانه وتعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139].
أقدامنا فوق كل الرؤوس، وإن علت وشمخت بقوتها المادية، فإن قوتنا الإيمانية أعظم، وإن جولتنا معهم أوسع وأشمل، وإن نصرنا عليهم مؤزّرٌ مؤكد، ليس في ذلك أدنى شكٍ لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
ينبغي أن نُدرك ذلك، وأن نستحضر موقف رِبعي بن عامر ـ وكلكم يعرفه، وقد قلناه وكررناه لأنه موقفٌ يدل على ما ينبغي أن يعمر قلوبنا ونفوسنا ـ يوم دخل على أبهة المُلك عند رستم، قائدٌ عظيمٌ من قادة الفُرس في بهرج الدنيا، وزُخرف الحضارة، وقوة الجُند، وهيبة المُلك، هل لفت نظره شيءٌ من ذلك؟ هل أضعف شيءٌ من ذلك قوته وعزيمته؟ هل نال من فخره وعزته؟ دخل يُخرّق الطنافس برمحه، ويسير إلى أن يجلس على سرير مُلكه، ثم يُخاطبه عندما سأله ذلك السؤال: ما الذي جاء بكم؟ قال: جئنا لنُخرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
لله درك نموذجًا من نماذج العزة ووضوح الرؤية، نفتقده ونفتقر إليه، كن مسلمًا قويًا عزيزًا.
فإنك لا تُلين لهم الجنابا ...وإنك لا تُقيم لهم حسابا
ولا تُبدي لهم ملقًا وزُلفا ...ولا تهدي لشيبهم خضابا
وغيرك ينسج الألفاظا عُهرًا ...يدغدغ في عهارتها الرغابا
وغيرك لا يُجيد الرقص إلا ...على أوتارهم ولها استجابا
ورأسك يا أمير القوم قاسٍ ...ومن قبل المشيب أراه شابا
لأنك مسلمٌ ستظل حربًا ...على الأشرار تُرهقهم عذابا
تذكروا وصيحوا دائمًا بأن الإيمان أعلى وأجلّ، ويوم قال أبو سفيان بعد أُحد، وقد رأى شيئًا من نشوة انتصارٍ عابر، أو جولة قليلة، صار يُصيح ويُنادي: أين محمد ؟ أين أبو بكر؟ أين عمر؟ ويقول الرسول : ((لا تُجيبوه)) حكمة وحيطة، فلما قال: اعْل هُبل، أراد أن يفتخر بعقيدته، أراد أن يُعلي عقيدته، فقال الرسول : ((أجيبوه)) فانتدب الفاروق عمر، فلما قال أبو سفيان: اعْلُ هُبل، قال: الله أعلى وأجّل، فقال: يومٌ بيوم بدر، قال: لا سواءً، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.
يبقى راشد العقل، قوي العزم، رابط الجأش، لا تنال الأحداث من قوته وعزته.
نسأل الله عز وجل أن يُقوّي قلوبنا، وأن يُعز نفوسنا، وأن يربطنا به.
لا بد لنا أن نستحضر هذه المعاني، وأن نتواصى بها، ولقد كنت أريد ـ أيضًا ـ أن أُضيف إلى حديثي هذا الجانب العملي، وهو جانب فيه كثير من الخطوات، وكثيرٌ من الميادين، ولكن المقام يقصر عنه.
لعلنا ـ أيها الإخوة الأحبة ـ أن نُكثر من التجائنا إلى الله عز وجل ودعائنا إليه سبحانه وتعالى، وسأجعل حديث الجانب العملي في لقائنا وجُمعتنا القادمة، إن مد الله في الأعمار.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شر المعتدين.
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1/3303)
خطوات عملية في أوقات المحن (2)
-----------------------
الرقاق والأخلاق والآداب
الفتن
-----------------------
علي بن عمر بادحدح
جدة
سعيد بن جبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- الاستزادة من الطاعات أهم خطوات الإصلاح. 2- التهاون في الصلاة سبب طول النقم. 3- الصيام تهذب شهوات النفس ويصلحها ويُربيها. 4- في البذل والإنفاق تمحيص النفوس. 5- المداومة على الدعاء من أسباب تنزل النصر.
-------------------------
الخطبة الأولى
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون، قد يكبر الجرح، ويكثر النزف، وتعظُم البلية، وتتضاعف الرزية، ولكننا ينبغي أن نعي أن البكاء لا يشفي، وأن الدمع وحده لا يروي، وأن الحزن ـ وإن عظُمَ ـ لا يُغني، وأنه لا بد من أن نعود إلى نفوسنا لنشحذها همةً وعزيمة، وإلى قلوبنا لنملأها إيمانًا ويقينًا، وإلى عقولنا لحشوها رشدًا وبصيرة وهداية، وإلى أحوالنا لنُشيع فيها إصلاحًا وإحسانًا واستقامة.
لا بد أن لا نكون متأثرين بردود الأفعال، ويكون كل حدثٍ يمر وكل مصيبة تحل سحابة صيفٍ، تنقشع فتعود العقول إلى غيها، وتعود الألسنة إلى لغوها، وتعود النفوس إلى لهوها، وتعود الأوضاع إلى حالها، لا يتغيّر من ذلك شيءٌ، فلا يحصل من أثر الخير الذي نرجوه ما نأمّله من رحمة الله، وما ننتظره من نصر الله، وما نتوق إليه وندعو به من هزيمة أعداء الله، لأن سنن الله جلّ وعلا ماضية، ولأن قدره غالبٌ سبحانه وتعالى.
نقف اليوم مع خطوات عملية لنهضة الأمة، ولئن طال حديثنا فيه فإنه أمر جديرٌ بذلك.
إن مشكلتنا الكبرى أننا نُغالط أنفسنا ولا نصارحها، ونجاملها ولا ننصحها، وأننا كثيرًا ما نبحث عن الأخطاء هنا وهناك، ونُعلّق المسؤوليات على هذا وذاك، ونرمي أعداءنا بفاحش القول وعظائم التُهم، ولا ننظر إلى أنفسنا لنرى قصورنا، ولنعرف الوهن الذي يأتي من قِبلنا، ولننظر إلى الثغرات التي يجوس الأعداء من خلالها عبرنا.
نحن نريد كما أسلفت مرات وكرّات، أن يكون ما يمر بنا من قدر الله عز وجل محرّكًا لنا نحو ما يريده الله جلّ وعلا منّا.
وقد ذكرنا ما يتعلّق بالفكر والنفس، لأنه أساس المنطلق، ولأنه قاعدة الارتكاز، ولأنه نور المستقبل الذي يُبصّرنا للطريق الهادي، والموصل لمرضاة الله سبحانه وتعالى.
وأما الخطوات العملية في الجانب العملي فكثيرة، ولكنني أوجز المهم منها في هذه القواعد، التي أحسب أننا نحتاج إلى مزيد من الحديث عنها.
أولاً: كثرة الطاعات، ونحن نعرف أن الخير إنما يُستجلب من الله بالتقرّب إليه، وأن من أراد رحمته تعرّض لها بطاعته، وأن من أراد مغفرته سعى إليها بمناجاته، وأنه لا يُمكن أن ننال من رحمة الله، ولا من نصره، ولا من عزه شيئًا ما لم ننصر الله جلّ وعلا، ما لم نُقبل عليه، ما لم نُحسن صلتنا به، ما لم نُعلّق حبالنا به، ما لم نُنزل توكلنا عليه، ما لم نُفضي بحوائجنا وذلنا وتضرّعنا بين يديه.
ما لم يكن أمرنا كذلك، فستظل قلوبنا مشرّقة ومغرّبة، وستظل آمالنا مخيّبة ومضيّعة، مرةً نعلّقها بمجرمين يتحدثون بألسنتنا، وفسقة يتصدرون في ديارنا، ومرةً نعلّقها بأعدائنا من اليهود أو النصارى، ومرةً قد نظن أن في أنفسنا قوة، وأن بين أيدينا أسبابًا تُغنينا عن صلة الله عز وجل، فحينئذٍ نؤتى كما أُتينا هنا وهناك.
ليست بغداد ولا أفغانستان، وليس ما قبلها وما بعدها، وإنما هو هذا الأمر الذي ينبغي أن نحرص عليه.
وأقولها في البدهيات وفي الأصول والأساسيات، لأنها التي جاء بها محمد ، لا يقل أحدٌ منّا: هذا نعرفه، فإن تقصيرنا فيه ظاهرٌ، وأقولها من بدايتها ومن أولها، ومن ألفها وبائها، حتى ننتهي إلى يائها، حافظ على أداء الفرائض من الصلوات.
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].
هذه العبادة والشريعة والركن والفريضة، التي هي صلة العبد بربه، كما أخبرنا النبي بالمبادرة والمحافظة، استجابةً لأمر الله عز وجل، كما روى مسلمٌ في صحيحه من حديث المصطفى : ((ما من امرئٍ مسلمٍ تحضره صلاةٌ مكتوبة، فيُحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفّارة لِما قبلها من الذنوب، ما لم تؤتِ كبيرة، وذلك الدهر كله)).
ولعلّي أقولها صريحة: من أعظم أسباب ضعفنا وذلنا، أنه قد كثر فيما بيننا هجر الصلوات، وعدم أدائها بالكلية، فضلاً عن التفريط والتقصير والتأخير، وغياب القلب وذهاب العقل في أثناء أدائها.
فإذا كانت هذه الركيزة وتلك الفريضة، التي أخبر النبي أنها من آخر ما يُحلُ من عُرى الدين، فكيف بنا بعد ذلك نسأل: أين نصر الله الغائب المرتقب؟ أين الخير والعز والتمكين الذي تتوق إليه النفوس؟ إنه أمرٌ واضحٌ وبيّن.
احرص على شهود الجماعات، أين هذه الجموع الغفيرة في الصلوات؟ أينها مع النداء والأذان؟ أينها في الصفوف الأولى؟ كيف نريد أن نتقدم لمواجهة أعدائنا ونحن لا نُبادر ونتقدّم لطاعة ربنا؟ كيف نتنافس في ميادين الجهاد لقتال عدونا، ونحن لا نتنافس في السبق إلى مرضاة ربنا وأداء فرائضه سبحانه وتعالى؟
إنه لا بد لنا أن نعي وعيًا عميقًا أن هذا مرتبطٌ بذاك، وأنه مقدمة له، وأنه سببٌ مُعينٌ عليه، وأنه الذي يكون بإذنه سبحانه وتعالى بداية لِما يأتي بعده من الخير: قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إبراهيم:31].
والله جلّ وعلا قال: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [النور:56].
والمقيمين الصلاة بصيغة الجمع والجماعات، التي هُجرت إلا من رحم الله.
حتى قال ابن مسعود ـ مقالته في عهده وزمانه، مُحذرًا ومنبهًا ومذكرًا ومُرجِعًا إلى العهد الأول، الذي بناه وعلّمنا إياه رسول الله فماذا يقول ابن مسعود؟ يقول ـ: (من سرّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيث يُنادى بهن، فإن الله تعالى جعلهن لنبيكم من سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يُصلي هذا المتخلّف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم).
ويُخبرنا عن العهد الأول: (ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يُقام في الصف).
كيف نواجه أعداءنا، ونستنزل نصر ربنا، وفينا نفاقٌ، أخبر ابن مسعود بأنه كان أمرًا واضحًا جليًا معروفًا معلومًا عند جيل الصحابة: (وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق)، ويخبرنا أنها من سنن الهدى، التي بها الهداية، وأن تركها تركٌ لسنن الهدى، وأن ترك سنن الهدى مقدمة للضلال والغي والانحراف، الذي تلّفعت به أمتنا ردحًا من الزمن، وما يزال فئامٌ من أبناء الإسلام يعيشون في ظلامه وغياهبه، ويدرجون في ضلالاته ومتاهاته، بعيدًا عن هدى الله، بعيدًا عن الصلة بالله، بعيدًا عن طاعة الله، بعيدًا عن بيوت الله، بعيدًا عن الأخوة في الله، بعيدًا عن استماع آيات الله.
كيف نرشد؟ كيف نصلح؟ كيف نستطيع أن نقوى ونعز؟ كيف نستطيع أن نجابه ونقاوم، وفينا مثل هذا الخلل الأعظم الكبير؟
إنه خطابٌ قد قاله الله جلّ وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله في سنته، وتواصى ويتواصى بذلك كل أهل الإسلام في كل زمانٍ ومكان.
ولعلّي أعيد ما قلته، قد يقول القائل: مالنا نتحدث في هذه الأصول، وتلك البدَهيات المعروفة، وأقول: هل أغنى عرفانها والعلم بها عن التحقق والالتزام بها؟ أين نحن من ذلك؟ ونحن لا نرى إلا خللاً وضعفًا وتقصيرًا وتفريطًا وابتعادًا وإغرابًا، عن كل هذه الأمور الأساسية المهمة.
ولعلّي أشير إشارةً قد أكثرت من الحديث فيها من قبل، لئن لم يقو أحدنا أن يُغالب راحته، وأن يجاهد نفسه، ويخرج في غلس الليل ليشهد صلاة الفجر، مبكرًا إليها، مقدمًا بين يديها سنتها التي هي خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف نزعم أننا نسطيع أو أننا نريد أن نجاهد أعداءنا، وأن نصنع كذا وكذا: أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].
تشهده الملائكة، وينام عنه لا أقول الآلاف ولا مئات الآلاف، بل أحسب أنهم ملايين من المسلمين.
يصب الأذان سمعه في ضوء الفجر، ولا يُصب في آذانٍ كثيرة، قد بال فيها الشيطان، كما قال رسول الهدى عندما أُخبر عن ذاك الذي لا يُصلي حتى يصبح قال: ((ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه)).
أخبر أهل العلم في شرح هذا الحديث، بأن المراد بأنه تمّكن منه تمكنًا، حتى جعله موضعًا لقاذوراته ونفاياته.
نحن قد نكون ـ أنا وأنت ـ من هذا الصنف في بعض الأحوال، وبعض من المسلمين لم يعد في قائمة حياته وبرنامجه اليومي أن يُصلي صلاة الفجر في وقتها، فضلاً عن أن يؤديها في جماعة، بل صار وقت الدوام والعمل أو السفر والارتحال أعظم عند كثيرٍ من الناس من طاعة الله، وعبادة الله وأداء فريضة الله.
ثم نشكو من بعد ذلك، ولا نطلب الشفاعة التي نلتمسها في طاعة الله عز وجل، ولا نطلب الوقاية والحماية التي أخبر بها رسول الهدى في حديث جندب بن عبد الله عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((من صلّى صلاة الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يَكُبّه على وجهه في نار جهنم)) رواه مسلم.
ثانيًا: صيام التطوع: وهذا بابٌ واسع من الصيام، فإنه عبادةٌ وتربية وطهارةٌ وتزكية، إنه قوة إيمانية، إنه قدرة على مواجهة صعوبات الحياة، وتهذيب شهوات النفس، إنه ضربٌ من ضروب القوة المعنوية المهمة، والاستعلاء الإيماني الفريد، والقدرة على حزم الأمر، وإمضاء الإرادة، وشحذ الهمة في أمرٍ من الأمور.
ونحن نحتاج إلى ذلك حاجةٌ عظيمة، لأن الصيام جُنة كما أخبر النبي ، ولأنه شفيعٌ لأصحابه يوم القيامة مع القرآن، ولأنه كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: ((ما من عبدٍ يصوم يوم في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا)).
لِم لا يجعل هذا ديدنًا لنا، لِم لا نجعل من هذه الأحداث ردًا لنا إلى مزيدٍ من الطاعات، أليس قد أخبر النبي بهذا، وقام به، وعمله، وانتدب إليه، واتبعه عليه أصحابه، فكان كثير منهم يدمنون ويديمون ويواصلون الصوم في كثيرٍ من الأيام، وخاصةً الأيام الفاضلة فكانوا حينئذٍ خِفافًا لينطلقوا إلى طاعة الله، وليلحقوا بالصفوف في الجهاد في سبيل الله.
ونحن إذا جاء هذا النداء، وقد مُلئت بطوننا، وقد ثقلت أجسامنا، وقد عظُمت شهواتنا، وقد شُغلت بهذه الملذات أفكارنا، فلا نكاد ننطلق: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [التوبة:38].
ينبغي أن نُدرك أن ضعفنا من قلة عبادتنا، والصوم عبادةٌ فيها الخفة والقوة المُحلّقة نحو مرضاة الله سبحانه وتعالى، في حديث عثمان بن أبي العاص عن رسول الله : ((الصيام جُنة من النار، كجُنة أحدكم من القتال، وصيامٌ حسنٌ ثلاثة أيام من كل شهر)) رواه ابن خزيمة في صحيحه.
فلا أقل من أن نحرص على هذا، فيكون لنا منه زاد.
وثالث ما نذكره في كثرة الطاعات: الإنفاق في مصالح المسلمين ونُصرتهم.
ولئن كان هذا الإنفاق سببًا من أسباب المادة، فإنه قبل ذلك سببٌ من الأسباب المعنوية الإيمانية، التي يُمحّص بها الإيمان، والتي تُبتلى بها النفوس، حتى قال النبي كما روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة: ((شر ما في رجل شُحٌّ هالِع، وجُبنٌ خالِع)).
وأخبر النبي أنه لا يجتمعان في قلب عبدٍ الإيمان والشُح، وقال الله جلّ وعلا: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].
إنها النفوس المرتبطة بالأموال، المتعلّقة بالملذات، كيف نستطيع تهذيبها؟ كيف نستطيع أن نجعل فيها تعظيم أمر الله، ونُصرة دين الله، وإعانة عباد الله، قبل أن تكون مُسّخرة لشهوات البطون والفروج والملّذات والترف والنعيم؟
ما بالنا ننفق أموالنا في شهواتنا، ولا يكاد أحدنا تجود نفسه إلا بأقل القليل على مضضٍ وتردد، إذا دُعي للإنفاق في سبيل الله، ويقول: أريد الجهاد في سبيل الله، ولا يُجاهد بماله ليكون ضربًا من ضروب الجهاد، كما روى أبو داود والنسائي في سننهما من حديث رسول الله : ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)).
ونعلم كثيرًا من الآيات التي تُقدّم الأموال على الأنفس، فهل جاهدنا بأموالنا؟ وهل أدينا ما هو فرضٌ علينا أولاً، وما هو زائد على الفرض، لننصر ديننا، ونُعلي راية ديننا، أم أننا ما زلنا نبخل بذلك؟
هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].
ليس أحد بأعز على الله عز وجل من أن يمضي فيه أمره، وأن تجري عليه سنته.
إن الله جل وعلا اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم.
والرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا كما في الصحيح أنه: ((من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا)) رواه مسلم.
ألست تكفل يتيمًا قد مات والده مجاهدًا مستشهدًا في سبيل الله؟ ألست تعين حينئذٍ على مواجهة أعداء الله؟ ما بالنا ننفق أموالنا لنقوي أعداء الله، ولنجعل الأموال في أيديهم، ليستعينوا فيها على حرب الإسلام وأهله؟
نداء نقوله بالعقل والقلب، وقبل ذلك بالدين والشرع، المدخنون كم ينفقون من الأموال؟ هذا ينفق قليلاً، وهذا ينفق قليلاً، وإذا بنا نقول وتقول الأرقام: إن عشرات الملايين من الريالات تنفق في بلدنا هذا على الدخان، أفهذا عقل عند من يرون أنهم مستهدَفون من أعدائهم؟! أفهذا تصرف حكيم عند من يقولون: إنهم يريدون أن يصلحوا أحوالهم، وينصروا أمتهم، أفهذه حكمة أو عقل يدل عليه؟! وانظر إلى ما وراء ذلك من السرف والترف في الزواج وفي غيره، وانظر إلى الإنفاق في البذخ وفي غير هذه الأبواب المعروفة، التي يشعر المرء كأن شيئًا منها لم يتغير، وكأنما ما جرى وما قد يجري لا يخصنا بشيء، ولا يغير من واقعنا شيئًا.
هل نحن غيّرنا بعض ما نصرفه على كماليات لا فائدة منها، ولا حاجة إليها، فضلاً عن محرمات ومكروهات وموبقات، نصرف فيها الأموال لندفعها إلى أيدي الأعداء، ولنشتري منهم، ولنأخذ منهم هذه المهلكات والمدمرات؟ ثم نقول بعد ذلك: إننا أمة مستهدفة، ونريد أن نواجه، وأن نقاوم، ذلك أمر عجيب، بخل في الطاعات وسرف في المحرمات!
ولسنا نريد أن نقول ما كان عليه أسلافنا، لسنا نريد أن نذكر، وإن كان التذكير معروفًا ومهمًا، فعثمان يوم جهز جيش العسرة، يوم جعل كل ما في يده في خدمة دينه ونصرة أمته، وإعلاء إسلامه ومواجهة أعدائه، يوم نعرف ذلك فينا، يوم نغيّره في واقعنا، ننتظر أن يكون وراء ذلك ما وراءه.
لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10].
مجرد التقدم في هذا الباب، يجعل هناك فرقًا في المراتب، واختلافًا في الدرجات، وينبغي لنا أن ندرك هذا وأن نعرفه.
ولعلّي هنا أختم بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي تجمل لنا في حديث النبي الذي ترويه هذه الجوانب التي ذكرتها: ((ثلاث أحلف عليهن: لا يجعل الله عز وجل من له سهم في الإسلام، كمن لا سهم له، فأسهم الإسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة..)) رواه أحمد.
هذه الأسهم أين حظنا منها؟ وأين نصيبنا؟ أول هذه الخطوات العملية كثرة الطاعات في هذه المجالات والفرائض، فإنها بداية التصحيح.
رابعًا: استدامة الدعوات، وليس الدعاء إذا حلّت المصائب ولا إذا نزلت النكبات، بل كما ورد في حديث النبي الذي رواه أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء عند الرخاء)) رواه الترمذي والحاكم وصححه.
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل:62].
إنه الله سبحانه وتعالى الذي قال لنا: وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].
أين نحن من دعائنا قبل الصلوات، وفي أثناء الصلوات، وبعد الصلوات؟ أين دعاؤنا في المجتمعات والمنتديات، أن تفتتح بالدعوات، وأن تختم بالدعوات؟ أين نحن من دعائنا في السكون والخلوات، في جوف الليل وقبيل الفجر، وفي الساعات الأخيرة من هزيع الليل الأخير، يوم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: ((هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من داعٍ فأجيبه))، ليس في يوم النكبة، ولا في زمن المحنة، في كل يوم، فأين الغافلون، ونحن إلا من رحم الله منهم؟ وأين الداعون المتضرعون، ونرى كيف كان اليقين بهذا الدعاء، يوم كان الإيمان في القلوب راسخًا، ويوم كان الصلاح والاستقامة في الأحوال الباطنة والظاهرة بيّنًا، فكان أحدهم يدعو جازمًا وموقنًا بإجابة الله للدعاء، حتى اشتهر من بين الصحابة رضوان الله عليهم من كان مجاب الدعوة، كما في قصة سعد بن أبي وقاص.
وسعيد بن زيد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ادَّعت عليه امرأة زورًا وبهتانًا أنه أخذ شيئًا من أرضها، فلما كُلِّم في ذلك قال: كيف هذا، وأنا سمعت رسول الله يقول: ((من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طُوِّقه في سبع أراضين يوم القيامة)) ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها، واجعل قبرها في دارها، فعمي بصرها، وسقطت في بئر لها في دارها فماتت.
وأبو معاوية الأسود في مواجهة مع الروم، خرج علج من علوجهم، فكان من أشدهم أذىً على المسلمين، فجاء إليه بعض المسلمين فقالوا: هذا فعل كذا وكذا، فادع الله عليه، فأخذ حربته ودعا فقال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، ثم قال: أين تريدون؟ قالوا: المذ كير، فرموا بها فما أخطأ موضعهم الذي قالوه، فقتل الله عدوه سبحانه وتعالى.
إن بعض الناس ما زلوا يقولون: وما نفع الدعاء، دعونا فلم يجب الله دعاءنا، وما علموا أنهم ما استوفوا شروط إجابة الدعاء، وأنهم قد دنسوا طريق الدعاء والقبول إلى الله عز وجل بكثير من ضعف اليقين وخور الإيمان، إضافة إلى الإعراض عن الطاعات، والوقوع في المعاصي والسيئات، ونحن نقول هذا حتى نعظم الإيمان في قلوبنا، ثقة بالله سبحانه وتعالى، وإفضاء إليه في مكنون نفوسنا وضعف حالنا، كما كان رسول الله يفعل عند كل مواجهة لعدوه، وعند كل خطب يحل به، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنا البلاء.
ولعلّي ـ أيها الإخوة الأحبة ـ أؤكد أننا نحتاج إلى مثل هذه المعاني، بالأصول والقواعد والأركان والفرائض، أن نكون صرحاء مع أنفسنا، فلسنا في غنى عن التذكير بهذا والتواصي به، بل نحن في حاجة إلى التقريع عليه، والتوبيخ على التقصير فيه، بل نحن في حاجة إلى أن يحزم الأمر، ولو بشيء من الشدة والغلظة، حتى نؤدي هذه الواجبات، ونقوم بتلك الأركان، وليس هذا هو الأمر العملي الذي نتحدث عنه فحسب، فإن الذي ذكرناه الآن إنما هو الدائرة الأولى، الدائرة الأولى في ذات نفسك، ولنا دوائر من بعد دائرة الدعوة والتربية والإصلاح لعموم الأمة.
ودائرة رابعة مهمة، وهي دائرة الوقاية والمقاومة لأعداء الله، وينبغي أن نأخذ الأمور أولاً بأول، فإذا عجزنا عن الأصول، فنحن في الفروع أعجز، وإذا تركنا الواجبات فنحن للتطوعات أترك.
وهكذا، ولئن كنا نريد لأنفسنا الخير، فلنكن على أهبة الاستعداد لنعرف ونصارح أنفسنا بواقعنا، حتى لا يقال: إنه قد كان منا ما كان، ونحن نطلب النهايات، ولم نأتِ بالبدايات، ونرجو النتائج، ولم نأتِ بالمقدمات، ونريد المسببات، ولم نأخذ بالأسباب، فلعلّ الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه ردًا جميلاً.
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.
(1/3304)
المصدر: المنبر
نشرت فى 12 نوفمبر 2011
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش