الاتباع, قضايا دعوية
-----------------------
علي بن عمر بادحدح
جدة
سعيد بن جبير
محامد و أدعيةطباعة الخطبة بدون محامد وأدعية
-------------------------
ملخص الخطبة
1- ضرورة الفهم الصحيح واليقين لإدراك مبادئ الإسلام. 2- صور من انحراف الفهم للمبادئ والمفاهيم. 3- ما نحتاجه للالتزام وتطبيق مبادئ ديننا. 4- الدعوة والتربية هما ركنا التغيير المنشود. 5- تدرج صلاح الدين في إصلاح المجتمع. 6- واجب العامة تجاه قادتهم. 7- مسؤولية أفراد الأمة في الإصلاح.
-------------------------
الخطبة الأولى
عوامل النهوض والنكوص في الأمة موضوعٌ مهمٌ، ولكننا لا نريد أن نمضي مع ما يُخاطب مشاعرنا، أو يدغدغ عواطفنا فحسب، وإنما نريد أن ننتهج النهج الذي نرى فيه قصورنا، ونعرف فيه خللنا، ونتبصّر فيه بالتناصح فيما بيننا، مع ما يجب علينا الأخذ به، فإن الأمر جِدٌّ، وإن العمل هو المُعوّل عليه، ليست روايات من التاريخ نُعجب بها، أو نعجب منها، وليست حماسة عارضة تُخالط النفوس والقلوب، ثم تنقشع سحابتها، وينقضي صيفها، كلا إنها قضية منهج ثابت في كتاب الله وسنة رسوله ، فيهما شفاء كل داء، وفيهما نور كل ظلمة، وفيهما مستعصمٌ ومستمسكٌ من كل فتنة، وفيهما وحدة من كل فرقة، وفيهما قوة من كل ضعف، فيهما كل ما تحتاجه أمة الإسلام.
المبادئ والمفاهيم نعني بها عقائد الإسلام، وقواطع الأحكام، وسنن الله جلّ وعلا الماضية في الأنام، كل حقائق القرآن، كل أنوار السنة، التي سبق أن ذكرنا أنها معصومة فلا خطأ فيها، وكاملة فلا نقص فيها، وصالحة لكل زمان ومكان، فلا قصور في مجاراتها لمستجدات الزمان وأحداث العصر.
أي شيء نحتاج في هذه المبادئ والمفاهيم؟
أولاً: الفهم الصحيح.
وثانيًا: اليقين التام.
يقول ابن القيّم رحمه الله تعالى: "حُسن القصد وصحة الفهم هما ساقا الإسلام".
ساقا الإسلام، أي: اللتان يقوم بهما ويمشي عليهما، حُسن القصد في النية الخاصة الصحيحة، والتوجه إلى الغاية المقصودة المنشودة، وصحة الفهم لأن خلل الفهم خطير جدًا.
وكما قال عمر بن عبد العزيز: (العامل بغير علم ما يُفسد أكثر مما يُصلح).
وكم هي المفاهيم التي خالطها عندنا أغاليط واضطراب وحيرة في فهمها، وكثيرة هي الآيات والأحاديث التي يلوي بعض الناس أعناقها، ليوافقوا بها ما هو في نفوسهم وأهوائهم، أو ما تُمليه عليهم ظروفهم وواقعهم ونحو ذلك.
ولعلي أضرب أمثلة حتى نُدرك كم نحن في حاجة إلى هذا.
وهذا المثال حديثٌ رواه الترمذي في سننه، من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، يقصّ قصة في مقاتلة ومواجهة المسلمين للروم بعد رسول الله ، أخبر أنهم قد اصطّفوا صفوفًا، وتعيّنت المواجهة، واشتد القتال، قال: فلما كان اليوم التالي، حمل رجلٌ من المسلمين على الروم، فألقى بنفسه عليهم، فقال بعض الناس: ألقى بنفسه إلى التهلكة، وعندهم في ذلك حُجة من كتاب الله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].
فماذا قال هذا الصحابي رضي الله عنه؟ قال: (فينا معشر الأنصار نزلت هذه الآية، صحبنا رسول الله ونصرناه وجاهدنا معه، حتى إذا فتح الله عليه قلنا: نرجع إلى أهلنا وزرعنا وأبنائنا، فنزلت الآية، فكانت التهلكة تَركُنا الجهاد والرجوع إلى الأهل والبلاد).
مفاهيم قد لا نُحسن فهمها، فنحتاج إلى بيانها في ضوء سنة نبينا ، وأقوال صحابته، وعلماء الأمة وفضلائها.
لا نحتاج إلى من يُفسر لنا القرآن والسنة، ممن ليسوا من أهلها، وممن ليسوا ممن يُطبقون أحكامها، وممن ليس في قلوبهم اليقين التام بصحتها وكمالها، وهذا يقع به كثير من الاضطراب، وحتى في عموم حياة الناس، أمور كثيرة مما يقع بها اختلال الفهم، فهذا يقول لك: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة:286]، ويسوقها لك في رغبته أن يتخلّى عن أمور من الواجبات الشرعية، أو أن يُقصّر في أمورٍ من السنن المؤكدة، أو من المشاعر والشعائر العامة في الأمة، ويحتج بمثل هذا.
ونعرف الاحتجاج الشائع عندما يُسرف الناس في المعاصي بقولهم: إن الله غفور رحيم، وإن الله واسع المغفرة، وكم هي المواطن من الآيات والمفاهيم من الأحاديث التي تُوضع في غير موضعها، وبعض ذلك نوع من خداع النفس وتضليلها، ورضاها بواقعها، وركونها إلى دنياها.
فنحن في حاجة إلى المفاهيم الصحيحة، التي بيّنتها السنة، وبيّنها التطبيق الصحيح للأئمة الأعلام، من العلماء والدعاة والأخيار في هذه الأمة، عبر تاريخها المجيد.
والأمر الثاني: اليقين الكامل، فكثير مما نفهمه قد يكون يقيننا به ضعيفًا، كلنا يوقن من حيث المعرفة، ويؤمن من حيث عموم الأدلة والتسليم، أن الله تعالى هو المحيي والمميت، وهو بيده الرزق سبحانه، وهو الذي يُدبّر الأمر كله، لكننا نقول: أين ذلك؟ عندما يتمّحض الأمر في الواقع بين أمرين: إمّا أن يكون اليقين بهذه الحقائق راسخًا، ويبقى معه الموقف ثابتًا، أو يكون تذبذبٌ وتراجع.
وكم ترى من الناس من قد يُغيّر في قوله، أو يُغيّر في مبدئه، أو ينقض عمله، لماذا؟ لأنه يقول: لا أُريد أن يُقطع رزقي.
وكم من الناس تسمعهم وهم يعطون الدنية في دينهم، ويقولون: ليس أمامنا خيارٌ غير ذلك، أين يقينهم بالرزق من الله؟! أين يقينهم بأن الله عز وجل هو المحيي وهو المميت؟! وأين يقينهم بقول الله: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]؟!.
ونحن نؤمن بأن الله سبحانه لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن له جنود السماوات والأرض، وأنه تعالى ينصر عباده المؤمنين، ثم نرى من بعض الأحوال والأقوال من كأنما يُبدّل ذلك كله، ويقول: إن القوي المتين، الذي بيده مقاليد الأمور، هو هذه القوة، أو تلك القوة أو غير ذلك.
فنحن إذن في حاجة إلى هذا، وتلمس الطريق إليه.
أما الالتزام والتطبيق لهذه المبادئ، وهو مفتاح النجاح، وهو بداية الخير الذي نأمل أن يكون لنا به نصر الله عز وجل وتأييده.
فإنه يحتاج ـ أيضًا ـ إلى أمرين: الدعوة والتربية، الدعوة إلى الله عز وجل وإلى دينه، وإلى التبصير بهذه المبادئ، والحث على التزامها والتربية والعمل بموجبها، والتطبيق لها، وتوفير الأجواء المعينة على التزامها، وحض الجميع على ذلك، فهل واقعنا يتطابق مع هذا أم فيه خللٌ كثير؟
كم من الناس لسان حاله يقول: لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وهو من سوء الفهم، يقول: يكفيني أن أُصلي وأن أصوم، ومالي ومال الناس، لا يحرك بذلك ساكنًا، ولا ينطق به لسانًا، ولا يتمعَّر لأجل غيرة الله عز وجل وجهه، ولا ينكر ذلك قلبه، ولا يُدرك أنه حينئذٍ على خطر عظيم، لِما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله : ((من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).
وفي حديثٍ آخر: ((وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل)).
أين التعليم والتبصير؟ أين القيام بالتربية في الدائرة التي لا عذر لأحدٍ فيها؟ أين تربية الأزواج والأبناء والبنات؟ أين القيام بهذا الواجب العظيم في اللبنة الأساسية للمجتمع المسلم؟
ثم لننظر كذلك إلى واقع الأحوال في مجتمعنا بصورة عامة، انظر معي إلى وسائل الإعلام، وإلى مناهج التعليم، فإن كانت تدعو إلى الله عز وجل، وتحض على الاعتقاد واليقين بالمبادئ والقيم الإسلامية، فذاك، وإن رأيت غير ذلك وهو كثير في بلاد الإسلام، وفي كثير من مجتمعاتها، فكيف لعمري يمكن أن نفهم المبادئ، وأن نوقن بها؟! وأبناؤنا يُدرّسون ما يُناقضها، ويُصرفون عن صفحاتهم المشرقة في تاريخهم، وعن لغتهم الجامعة المُحكمة المُثبتة، الحافظة لكتاب ربهم، إلى غير ذلك مما يصرفهم عن دينهم؟!
ثم نرى في وسائل الإعلام ما يخالف القرآن ويخالف السنّة، فيما يُشيعه من فساد وانحراف عقدي وسلوكي، لا على سبيل الحث والحض على المخالفة، بل كذلك مع التأصيل لها، ومع بيان أنه لا حرج فيها، وكم رأينا ونرى ونسمع مما يُقال أو يُذاع أو يُبث من أمور، يقولون فيها ما يُناقض صريح القرآن والسنة، من إنكار للحجاب، أو معارضة للولاء والبراء، أو غير ذلك من الصور.
ونحن إذا رأينا التاريخ، وجدنا أن أمر الدعوة والتربية هما حجرا الزاوية في التغيير المنشود؛ لأنهما يتناولان التغيير في أعماق القلوب والنفوس.
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11].
وإذا نظرنا كمثالٍ عارض وعابر في سيرة صلاح الدين الأيوبي، محرر بيت المقدس، ومطّهر الأقصى من رجس النصارى في زمانه، كيف بلغ ذلك؟ وما خطواته إليه؟ وهل كان مجرد نصر عسكري؟ أم كان قبله إعداد تربوي، وكان قبله عمل دعوي، وكان قبله نشر علمي؟
كان مما أُثر عن صلاح الدين رحمه الله أنه خاض أربعة معارك، قبل المعارك العسكرية، المعركة الأولى معركة إقرار الإيمان وتصحيح الاعتقاد، يوم قوّض الدولة الرافضية التي كانت تُعادي السنة في مصر.
ثم معركة في نشر العلم الصحيح، وبث أنوار القرآن والسنة، فأنشأ المدارس في مصر والشام تُدّرس القرآن والسنة النبوية، وهي إلى يوم الناس هذا من زمانه وتاريخه، بل بعضها باسمه وباسم سلفه نور الدين رحمهما الله تعالى، فلا بد من نشر العلم وبيان الحق والدعوة.
ثم معركة محاربة المنكرات، فأغلق الحانات ومنع المسكرات، وأقام الحدود على المنكرات، وطهّر ظاهر المجتمع من المخالفات، حتى تكون الأمة حينئذٍ مهيأة لتنزل نصر الله عز وجل.
ومعركة الوحدة الجامعة، التي ضم فيها من بلاد الإسلام عددًا كبيرًا، مصر والشام واليمن وشيئًا من جزيرة العرب، وغيرها، في راية واحدة ووحدة جامعة وراية إسلامية خفاقة، فحان حينئذٍ نصرٌ مرتقب وتأييد ربّانيٌ من الله تعالى.
ونحن نقول: إننا في حاجة لكي ينتشر الإسلام في الواقع تطبيقًا والتزامًا، إلى الدعوة والبيان والتعليم والإرشاد، وذلك واجب على كل أحدٍ، كلاً بحسبه، كما قال أهل العلم في ذلك: إن الدعوة واجب كفائي، لكنه يتنّزل على كل أحدٍ بحسب قدرته، فمن كان قادرًا على شيء وجب عليه، ومن لم يكن قادرًا وجب عليه أن يُعين القادر على ذلك.
ثم التربية، أي أن يتحوّل هذا العلم وتلك الدعوة إلى سلوكٍ تطبيقي عملي، فذلك الذي كان عليه أصحاب النبي العلم للعمل، والمبادرة بالتطبيق.
(نعم النساء نساء الأنصار ـ كما تقول عائشة رضي الله عنها ـ لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) وقالت أم سلمة رضي الله عنها: (لما نزلت هذه الآية: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]، خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها).
مبادرة فورية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:69]، يقول ابن مسعود: (إذا سمعتها فأرعها سمعك، فإنها إما أمرٌ تؤمر به أو نهيٌ تُنهى عنه).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:24].
كانت قضيةً واضحة، ما من أمرٍ يأتي إلا والتطبيق مصاحبٌ له، بل هي منهجية التعليم والتربية، كما روى التابعون قالوا: "كانوا الذين يُعلموننا القرآن من أصحاب رسول الله كعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وأُبيّ ابن كعب رضي الله عنهم، لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات، حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا العلم والعمل معًا".
في واقعنا فصام نكدٌ إلى حدٍ كبير، ما بين ما نعلم وبين ما نعمل، إما بتقصير وقصور العمل عن العلم، وإما ـ وهو الأسوأ ـ بمخالفة العمل للعلم، فكيف يُمكن حينئذٍ أن نكون لنا حالٌ يصدق فيه قول الله عز وجل: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]. أو قوله: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]. أو قوله سبحانه: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47].
والأمر الثالث: في القيادات المؤثرة في المجتمع، من حكام أو من أمراء أو من علماء أو من دعاة أو غيرهم، لهم أثرٌ كبير في الأمة.
والعلماء والأمراء ـ كما قال أهل العلم ـ هم أولو الأمر المذكورون في القرآن، بصلاحهم يصلح الناس، وبفسادهم يفسدون، إلا من رحم الله عز وجل.
فنحن نعرف ذلك التأثير، وقد ضربنا له أمثلة، ورأينا مواقفه فيما سبق من أحاديثنا، وما روينا وذكرنا من سيرة النبي ، وبعض مواقف التاريخ، فما الواجب تجاه هذه القيادات؟
الاقتداء بها والالتفاف حولها والتثبيت لها، فإن كل قائم بالحق في زمن الباطل، يحتاج إلى من يُثّبت، يحتاج إلى من يُعين، يحتاج إلى من يقتدي به، ويكون معه، ولنعلم يقينًا ما جاء في كتاب الله عز وجل: إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].
وقد رأينا كيف كان ابن حنبل مع قلة قليلة ثبتوا، ثم فاء من فاء إليهم، حتى عادت الأمة برمتها إلى قول الحق والصواب.
ورأينا من قبل كيف كانت شجاعة سيد الخلق ، يوم ارتفع على مرتفعٍ في يوم أُحد، وتجّمع حوله الصحابة والتفوا حوله، وافتدوه بأرواحهم وأنفسهم رضوان الله عليهم، وكان علي بن أبي طالب يقول: (كنّا إذا حمي الوطيس، واحّمرت الحَدَق، نتَّقي برسول الله).
قيادة متقدمة في مواجهة الأحداث، أنموذج يُقتدى به، لكنه لا يُترك وحده، بل يكون الناس معه، ويلتف الأخيار حوله، راية للخير تُرفع، يفيء إليها الناس ويجتمعون تحتها.
ويوم ثبت النبي على ناقته الشهباء في يوم حُنين، عندما اضطربت الصفوف، كان يصيح وينادي: ((أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب))، ثم طلب من ابن العباس أن يصيح وأن يرفع صوته: ((يا للمهاجرين، يا للأنصار))، فسمعوا البلاغ فارتدوا ورجعوا، وائتلفوا وتوحدوا وتجمعوا.
وكم في الأمة من خير، لا تقولوا إن الأمة قد نُزع منها الخير، فإن فيها الخير إلى قيام الساعة، لكن من الأخيار من يقوم ويقول ويتكلم ويعمل، لكننا نجد أن في نفوسنا ضعفًا أن نُثبّت أولئك وأن نبقى معهم.
وهذا مثلٌ من التاريخ لابن عون، وهو ممن ثبت في الفتنة والمحنة، وقُطع عنه ما كان يُجرى له من الرزق، أي ما كان يُصرف له من راتب، قال: كان في بيته أربعون نفسًا ممن يُنفق عليهم، قال: فما كان الليل، حتى طرق طارق، ففتحت الباب، فإذا رجلٌ شبّهته بسمّانٍ ـ يعني يعمل في بيع السمن أو الزيت، ويظهر ذلك من هيئته ـ فدفع إليّ ألف دينار، وقال: ثبّتك الله كما ثبّت هذا الدين، فإن كان في كل شهرٍ، كان مثل ذلك.
هذا هو التثبيت والتعاون، هذا هو نصر الدين، وليس نصر الأفراد، إنما أولئك يوم رفعوا راية الله، وثبتوا على الحق، استحقوا من الأمة أن تكون معهم وتقتدي بهم.
والقدوات في الأمة مشاعر النور يُضيئون الظلمات بإذن الله عز وجل، وكما قال الإمام أحمد رحمه الله: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل الحق، يُحيون بكتاب الله الموتى، ويُبصّرون به أهل العمى، ويُردُّون عنهم الردى، فما أحسن أثرهم على الناس، وما أقبح أثر الناس عليهم، إذا لم ينصروهم ويثبّتوهم وينتفعوا بعلمهم، ويقتدوا بهديهم ويكونوا وراءهم".
ورأينا في موقف أبي بكر رضي الله عنه في أول الأمر، كان وحده لمّا بدا للصحابة صحة اجتهاده، وقوة رأيه، وعزيمة نفسه، كانوا معه، لم يتّخلف عنه رجلٌ واحد، ثم مضوا جميعًا خلف هذه القيادة، التي رفعت راية الحق وثبتت في المحنة.
نسأل الله عز وجل أن يرد الأمة إلى دينها ردًا جميلاً، وأن يجعل فيها من الأخيار والأبرار من يرفعون راية الحق والإيمان، وأن يجعلها راية تأتلف عليها القلوب، وتتوحد وراءها الصفوف.
وبقي حديثنا عن الأفراد أنا وأنت وهذا وذاك، ولسنا إلا جزءًا من الأمة، فإن ظننا أن المسؤولية على أولئك الحكام، أو على أولئك العلماء، ونحن لا شيء في رقابنا، ولا واجب على كواهلنا، ولا مهمة لنا تجاه هذا الواقع المُحزن المؤسف، ولا دور لنا في نهضة الأمة، فذلك هو أول الشر، ومبدأ الضرر، وأساس الخور، نسأل الله عز وجل السلامة.
وقد قلنا في هذا معنيان أيضًا:
الأول: المسؤولية الذاتية: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38].
كل نفس مرهونة بعملها، والرهن لا يُفك حتى تدفع ما عليك، فنفسك مرهونة، أدِّ ما عليك من العمل قيامًا بالواجبات، وأداءً للفرائض، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، ونصرًا للدين، وإعزازًا للأمة، وولاءً للصالحين وبراء من الكافرين، حينئذٍ تُعتق نفسك، وإلا فإنك مغلولٌ ما زلت مرتهنًا بهذا الأمر والواجب، وكما قال عليه الصلاة والسلام: ((كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمُعتقها أو موبقها)).
والحساب دقيق، والناقد بصير، والعقبة كأداء، والمقدَم مخوف، فكل أحدٍ لابد أن يُدرك ذلك، وأنه مسؤولٌ سؤالاً عظيمًا: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً [الإسراء:36].
وأنه مسؤولٌ سؤالاً دقيقًا: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].
وكل ذلك معروفٌ يحتاج إلى تعميق وتنبيه.
والأمر الثاني: هو المسؤولية الاجتماعية الجماعية، وتتركز في كثير من النقاط أهمها:
مبدأ الأخوّة والتآخي والتواصي بالحق والصبر، ذلك هو الذي يربط بين الأفراد، ويُوّحد بين الصفوف، والذي يجعل الأمة الكثير عددها لها من القوة ما يناسب ذلك، وليس كما هو حال أمّتنا اليوم، حينما وُلدت فيها الفُرقة وبُثت فيها الطبقية، وسرت فيها العِرقية، وصار بين أفرادها من التفاوت ما بينهم، فأصبحوا مِزقًا وأشلاء.
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا ...وإذا افترقن تكسّرت آحادا
مسؤوليتنا العظيمة في أن نكون أفرادًا في أمّة، وأن نكون أجزاءً من كلٍّ، لا يكون كل إنسان وحده، ولا يكون كل إنسان وأهله، ولا يكون كلٌ وأهل بلده، بل نحن كلنا أمّة واحدة: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52].
عندما نتأمل هذه المبادئ والواجب نحوها، لو أننا أسهمنا في هذه الواجبات، وجعلناها خطوات على الطريق، ومراحل ينبغي الأخذ بها، لكان من وراء ذلك خيرٌ كثير، وهي مسؤولية على من علم، وقد علمتم مثل هذا في مقامنا هذا، ومن قبله، ومن بعده، تسمعونه هنا وهناك، فليسأل كلٌ منّا نفسه: ماذا صنع في هذه الجوانب كلها؟
-------------------------
الخطبة الثانية
لم ترد.
المصدر: المنبر
نشرت فى 12 نوفمبر 2011
بواسطة abdosanad



ساحة النقاش