حي على الفلاح بقلم على الشافعي
على زماننا ـــ ايها السادة الافاضل ــ كانت الدراسة فترتين : صباحية تبدا الساعة الثامنة وتنتهي قبيل اذان الظهر , ثم استراحة غداء ومدتها ساعة , نعود بعدها فنأخذ حصة او حصتين حسب الجدول , وطبعا بتثاقل وملل وتبرم , وربما نام اغلبنا , ولكن هكذا كان النظام .
في ذلك الوقت لم تكن المدارس موجودة الا في المدن او القرى الكبيرة , وعادة مدرسة ابتدائية ( من الاول حتى السادس ) , ومدرسة تضم المرحلتين الاعدادية ( متوسطة ) من السابع وحتى التاسع , والثانوية من العاشر وحتى الثانوية العامة .
كنا ــ نحن الطلبة الذين نسكن في العزب او القرى الصغيرة والتي لا يوجد بها مدارس ــ نذهب الى القرية الكبيرة لنلتحق بالمدرسة , وعادة ما يبدا يومنا مع التسابيح لأذان الفجر , لان المشوار الى المدرسة يأخذ قرابة الساعة مشيا على الاقدام , يحمل كل منا زوادته مما قسم الله وكيس كتبه , ونتجمع في ساحة القرية ثم ننطلق معا , في الطريق وعري شبه معتم بانتظار ضوء الشمس , فتدب فينا الحياة كما تدب في ارجاء الكون , وطبعا في طريق طويل مثل تلك لابد من استراحة المحارب , يقضيها البعض في لعب القلول ( بنانير ) وهي كرات صغيرة من الزجاج الملون بالوان زاهية , والبعض ينشغل بكتابة الواجبات وخاصة النسخ , واخرون يلعبون بكرة مطاطية صغيرة بحجم قبضة اليد , ثم نكمل مشوارنا لنصل مع قرب قرع الجرس , و يا ويلنا و يا سواد نهارنا مع ليلنا ان وصلنا بعده , سيأخذ كل منا فلقة على رجليه او على يديه الصغيرتين , حسب مزاج المدير او المعلم المناوب في ذلك اليوم .
في فرصة الغداء كنا ننطلق الى جامع القرية , نتحلق في ساحته , ثم يحل كل منا صرته ويفرد غداءه ونتناوله معا , وقد تسالون ــ يا دام سعدكم ــ لم الجامع وليس في ساحة المدرسة , ذلك لان الجامع تتوفر فيه اباريق من الفخار ندية راشحة باردة في حرارة الصيف اللاهبة , ترص على السور وفي كل ركن وزاوية ,الامر الذي لم يكن متوفر في ساحة المدرسة , فنشرب بعد ان نتغدى ثم نعود الى المدرسة ممتلئي البطون غائبي الذهون , مغمضي العيون .
الجامع في ذلك الوقت وكل مساجد فلسطين على نفس الطراز المعماري ثلاثة اقسام : مكان العبادة وفيه المنبر والمحراب , ثم صحن المسجد وهو ساحة مكشوفة مبلطة بالحجارة , وسطها الميضأة (وهي حوض كبير مليء بالماء له عدة مسارب بمحابس للوضوء ) ثم مصرف لخروج مياه الوضوء , يلي الساحة اروقة بأقواس جملونية , تستخدم للتدريس والقراءة , وسكن الامام وخادم المسجد , واستراحات لمن يفدون من خارج البلدة لقضاء حوائجهم , ومستودعات وخدمات اخرى , ثم المأذنة وهي من الحجر المزخرف اسطواني الشكل ينادى منه للصلاة في وقت لم تكن فيه مكبرات الصوت متوفرة .
المأذنة كما قلت بناء مزخرف يهتم به اهل البلدة , لأنه يعكس حضارتهم وفنهم المعماري ومستواهم الاقتصادي , وعادة ما ترتفع في عنان السماء حسب حجم المدينة او القرية ليسمع الجميع الاذان حتى اقاصي البلدة , والمأذنة وهي بناء اسطواني او مربع او مثمن حسب الذوق العام لأهل البلدة , في جوفها درج حلزوني , في اعلاها بسطة دائرية مكشوفه ليرى المؤذن وهو يدور حولها رافعا الاذان , مسمعا اهل البلدة والعزب التي حولها .
كنت احب الاستماع الى التسابيح قبيل الاذن وخاصة في صلاة الفجر , يشدو بها المؤذن بصوته العذب الندي الشجي يخترق سكون الليل , اذنا للكائنات ان تتنفس : يبدأها بتلاوة ايه الكرسي , ثم سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله , سبحان الله العظيم وبحمده , سبحان فالق الاصباح , سبحان الله , ثم ينطلق صوته مرددا الله واكبر الله اكبر.
وللمأذنة ايضا في اذهان طفولتنا وقع اخر , فقد اعتدنا في ايام رمضان المبارك قبيل المغرب ننطلق الى الاماكن المرتفعة او البيادر ننتظر سماع الاذان لننطلق فرحين مهللين والبشر على وجوهنا صائحين بأعلى صوت : افطر يا صايم وحد الدايم , اذن المؤذن .
خطر ببالي انه لولا المأذنة ما سمعنا الاذان في ذلك الوقت . فقلت سأبحث عن تاريخ المآذن في الاسلام , حيث ان المأذنة هي ابتكار اسلامي خالص بطراز اسلامي فريد اصبحت فيما بعد رمزا للبلد الاسلامي , فقلت : سأبحث في اعماق التاريخ , واغوص في قلب الصحراء العربية مهبط الوحي على خير الانام عساي اجد ضالتي , فوجدت ما يلي :
اول مأذنة بنيت في الاسلام هي مآذنه مسجد الرسول عليه افضل الصلاة والتسليم والتي شيدت بأمر من الخليفة الوليد بن عبد الملك , وذلك عند اعادة اعمار المسجد النبوي الشريف وادخال حجرات امهات المسلمين , وذلك بين عامي 705- 710 للميلاد ، فبنيت أربعة أبراج ركنية لتكون بمثابة مآذن , وذلك بالتزامن مع مسجد دمشق في نفس الفترة ما بين عامي 706-715 ميلادية والذي بني على نفس النموذج , ثم امر الخليفة بمحاكاة هذا النموذج في كل انحاء العالم الاسلامي , حيث بني مسجد الفسطاط ( عمر بن العاص ) في مصر بين عامي 711-712م على نفس النموذج , ثم جامع القيروان في تونس الذي يرجع تاريخه لعام 836م , ثم توالت المساجد في مشارق العالم الاسلامي ومغاربه , وتفنن البناة والمعماريون في كل حاضرة في بناء المآذن وحسب ذوقهم وطراز عمارتهم .
ويعتقد أطول المآذن المبنية من الطوب في العالم هي قطب منار بدلهي في الهند يبلغ ارتفاعها 72.5 مترا ، ويوجد بدخلها درج حلزوني 379 درجة . اما في العصر الحديث فقد كانت أعلى مئذنة الى امد بطول 210 أمتار تقع في مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء بالمغرب . لكن مسجد "الجزائر الأعظم" في العاصمة الجزائر تصل ارتفاع مئذنته إلى 265 مترا, حيث تعد اعلى مأذنة حتى يومنا هذا , ومن يدري فلربما تنشأ مساجد اخرى مآذنها اطول بكثير .
اقول : ومع تضاؤل دور المآذن باعتبارها اماكن لرفع الاذان بعد ظهور مكبرات الصوت ووسائل الميديا الحديثة , الا انها بقيت طراز ا معماريا اسلاميا , وجزءا لا يتجزا من المسجد , يتفنن المهندسون في اظهارها على اجمل وجه , تعكس الذوق الاسلامي في فن العمارة في كل زمان ومكان . طبتم وطابت اوقاتكم .
أعجبنيعرض مزيد من التفاعلاتتعليق
اكتب تعليقًا...

