جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة

سكن السكون كل البقاع والربوع... عندما كانت الشمس تجلد أديم الأرض بسياط اللهب، وأبى الهجير إلا أن يكون سيد المكان والزمان.
وفجأة أذيع النبأ العظيم... مات إبليس... لم نصدق ما سمعناه وأعيد النبأ مرارا فتصدع السكون بزغاريد امتزجت بالتهليل والتكبير، وخرجنا جميعا مستبشرين بهذا النبأ السعيد... أخيرا مات من أخرج أبانا من جنة الرضوان، وأقسم أمام رب العزة على أن يحتنك ذريته.
حمدنا الله وشكرناه... إذ لا مجال من الآن فصاعدا لوجود الشر بين الناس في الأرض... سنصبح أخيرا ملائكة وبعداً للخطيئة والمعصية
اجتمعنا جميعا نساء ورجالا وأطفالا حول مصدر الصوت الذي أذاع هذا النبأ... ثم أذيع ثانية نبأ يقول:
- من أراد أن يقتص من إبليس فليتقدم... وها هو جثمانه قد لف في كيس بلاستيكي أسود سميك... ولكن كيف نقتص منه وهو جثة هامدة؟!
أجابنا مذيع النبأ قائلا:
- الأمر سهل وما عليكم إلا أن تعترفوا بخطاياكم بالقرب من جثته، وسوف ترون النار تتأجج في الجثمان كلما أفصحتم عن أوزاركم.
لزم الجميع الصمت وأغرقنا الفكر في ما سبق من خطايانا، ولكن لم يجرؤ أي منا على البوح بذلك، فبدا إبليس بريئا وغير ظالم لأحد منا.
ولكن ... من قتله؟ تعددت الإجابات وكثر الحديث، فمنا من قال أنا، وهناك من قال أبي، فحكيت الحكايات وألبسوها الأساطير. وظل القاتل حرا طليقا وكذلك الجواب في أجواء القيل والقال إلى أن أذيع نبأ آخر يقول من جديد:
لن يدفن إبليس في أرضكم بل سيتم نقل الجثمان إلى مصر من الأمصار، دون أن نعرف إلى أين على وجد التحديد. ولكن هذا النبأ فتح باب الخلاف والاختلاف على مصراعيه، حيث رأى بعض في رحيل الجثمان رحمة للبلاد والعباد خوفا من أن يصبح القبر مزارا لأنصار البدع وتجار الضلالة، أما الآخرون فقد أصروا على بقاء الجثمان في أرضنا حتى يتسنى رجمه في كل ساعة وحين... أما الرأي الثالث فقد رأى أن يحرق الجثمان أمام الملأ وبعد ذلك يلقى برماده في البحر..
هكذا اشتدت حدة الجدل وحمي وطيسه بيننا ودفعت بعض الأطراف بعجلة هذا الجدال إلى سب الآخرين وتكفيرهم، وآخرون لعنوا معارضيهم، وطائفة همت بشق عصا الطاعة، وأخرى هددت بالمقاطعة .وبقي الأمر نزيل أرض حيص بيص.
لم نعد نعير لموت إبليس أي اهتمام، وانشغلنا جميعا بحسم النظر في مصير الجثمان، حتى إذا مالت الشمس إلى المغيب مر بيننا رجل طالما عهدناه مجنونا يتلفظ بأقوال لا نعرف فحواها ولا نفكر في محتواها، فلوح بعصاه في وجهنا جميعا وقال:
- إبليس لم يمت... ولو كان الأمر كذلك لاجتمع رأيكم على رأي واحد...
صمتنا جميعا... ونكسنا على رؤوسنا وقفلنا راجعين من حيث أتينا دون أن ننبس بكلمة.
المصدر: الأديب سعيد يفلح العمرانى
صحيفة " الوطن العربى الأسبوعية " المستقلة الشاملة - لندن ، المملكة المتحدة ..
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير :
د. علاء الدين سعيد