جارى التحميل
استخدم زر ESC أو رجوع للعودة

فى الأيام التي تلت موته كان للحداد شهوة التجرد من تجاعيد زمن افلتت فيه الأمنيات من عقالها , عادت لغرفتها وهي تُجرب خفة جسدها ارتفعت دون عناء على فراشها النحاسي التي تعلوه الأعمدة التي شهدت كثيرا من شهقات الموت إلا قليلاَ , تنفست بعمق ليدخل الهواء إلى صدرها لأول مرة ليجرح شعيرات رئتيها بألم حرية النفس البكر .
تسمعه ينادي من خارج الغرفة ....يازينب ... يازينب ..... انتي فين ...؟
على مهل وبرتابة جديدة لم تعتادها ترد نعم انا جاية اهو
تفتح باب الغرفة وتستقبله بوجه العائد من القبور _
_نعم
_ انتى فين يابت بنادي عليكي من بدري .... انتى كنتى نايمة ؟؟
_ لأ كنت مريحة شوية
_ ودة وقته !!
السيدات المُحدات لا يتعطرن ولا يتكحلن ولا يتزين هكذا حالهن غير أن زينب أرادت للحداد مذاقا أخر
دلفت لغرفتها واخرجت مكحلة حماتها وأخذت ترسم جفنيها بالمرآه حتى أطلت عليها تضحك إلا قليلا حتى لا يشعر عبد الموجود بها ... تستأنس بها وتاخذ برأيها أحمر الخدود لايق على وشي
_ أه ماأنا عارفة وصدري زى البنور
تأخذ حواف قميصها وتشده إلى أسفل وتدفع صدرها نحو الخارج إلا قليلاَ
تمرر يدها على جسدها وتنظر للمرآه مبتسمة بشفتين ممتلئتين برعشة لاتعرف لها سببا محددا
تخرج من غرفتها تتمايل كغصن خرج من حضن شجرة الصفصاف لتوه .. تبدي من قميصها دلالاً لا تجيده فهى مازالت مُحدة تخطو نحو النافذة دون ان تستدير إليه أو تعطيه أى اهتمام
يضع الجريدة من يده وينظر إليها محدقا نحو جسد يتمايل وقت الظهيرة ....
_ انتى مالك يابت فيكي ايه انهاردة
_ مالي يعنى هو انا عملت أيه .... تعبانة شوية
_ لأ انتي مش تعبانة انتى فيكي حاجة مش مظبوطة
خطت إليه بضع خطوات بدلال المُحدة أفقدته بعضا من تماسكه نظرت إليه نظرة عابرة وهى تقول حقطع حتة بطيخ الحر نشف ريقي .....
حاول التريث لكتمان ماشعر به لبرهة ثم قفز خلفها يلهث
_ أه الدنيا حر وحتة بطيخ تطري القلب .... يحاول ألا يكشف عن رغبته يستدير حول طاولة المطبخ
فين القلة اللى كانت هنا ؟؟ مرتبكا مستعيدا أخر هزائمه فى نبرات صوته
_ عندك ياسي عبده جنب السرير من ليلة امبارح
بخطوات واسعة نحو موقع الهزيمة يلتقط القلة ليضعها قرب فيه غارقا بين دفتى شلال ليبحر جاكيت البدلة الصيفي فى خيبات قريبة جدا
ياتي من النافذة صوت عبد المطلب مابيسالش عليه ابدا ولا بتشوفه عنية ابدا
يضع القلة على حافة النافذة ويغلقها الا قليلا ليتسرب منها بعض النسمات
عائدا نحو صحن البطيخ محاولا قدر استطاعته غلق مافُتح فى نفسه
_ الترام انهاردة كان زحمة أوي والواد بتاع الترام حط ورقة الإبر دى على رجلي ومارجعش ياخد تمنها ابقى أديهالوا بكرة أه صحيح قابلت أم الزفر راجعة وشايلة ومحملة وشافتنى ولوت بوذها قولتلها شروة السبيط بتاعت الجمعة اللى راحت كانت أى كلام وماتلويش بوزك حتاخدى تمنها لما اخلص الشغلانة اللى فى ايدي
مالك يازينب مابترديش علية وسيباني أهاتي من الصبح لوحدى
_انتى لسة واخدة على خاطرك مني ؟
_ وليه يعنى هى حاجة جديدة !!
_ طيب حقوم أقيل شوية قبل ماارجع اخلص الشغلانة دي الراجل زنان وطول ماهو قاعد وعمال يحكى ويفشر لما قلب دماغى
انتى عايزة تطلقي يازينب ؟؟؟
أزالت هذه الكلمات صمت الجدران الاربعة وماان امتقع وجهه حتى ازاح الستار عن شادر العزاء الذي لم يقام بعد
زفرت زفرة بطيئة قوية وكأن الريح كانت بداخلها تفور
تنهدت بعدها بشئ من التماسك إلا قليلاً
_ روح نام ياعبده
_ انتى كرهانى يازينب
_ وحكرهك ليه هو بخوطرك يعنى
اقتربت من النافذة وهى تحدث نفسها البكا فوق راس الميت حرام
المصدر: الأديبة نهلة فراج
صحيفة " الوطن العربى الأسبوعية " المستقلة الشاملة - لندن ، المملكة المتحدة ..
رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير :
د. علاء الدين سعيد