:-
أولاً: أنها لغة حديث لا لغة كتابة.
ومؤدى هذا أن المرافعة وإن سطرها المترافع قبل حضوره لجلسة المحاكمة إلا أنه إن أراد إتيانها بحسب أصولها فلا بد له أن يلقَى بها السامع وجهاً لوجه, فيستعين على اقناعه بلسانه وعينه, وبصوته وإشارته, وبحركته وسكونه, وببديهته ودقة ملاحظته, وبما فيه من قوة مغناطيسية كامنة, وهو بحكم ضرورة الموقف مضطرٌ إلى الإبتكار السريع والكلام المرتجل ومواصلة الحديث من غير توقف ولا تردد. فلا ريب أنه سيعتمد بساطة التعبير في بناء مرافعته ليتجنب التلعثم والزلل.
أما لغة الكتابة فللكاتب أن يستعمل فيها اللفظ المنمق, وأن يحتال على المعاني البعيدة, وأن يطلق العنان للخيال فيؤاتيه بصور شعرية رائعة, كما يمكن أن يستعين بنقول مدبجة من أمهات الكتب الرصينة يستخرج منها ما شاء مما يخدم فكرته وموضوعه بهدوء بال, وسعة وقت. ” ففي المسموع أنت دائما بحاجة إلى أن تستأثر بإذن سامعك ولا تدعه ينصرف عنك أما في المقروء فإن كنت مجهد الذهن وعسر عليك الاستيعاب, طويت الصفحة وعدت لها في وقت تكون فيه أقدر على الاستيعاب”(1)
ثانياً: لغة المرافعة لغة التماس
فيجب أن تكون لغة المترافع يحوطها الاحترام الكلي للهيئة التي يترافع أمامها عضو الادعاء, وقد يكون العضو أغزر من سامعيه علماً, وأظهرهم فضلاً, وقد يكون كلامه في مضمونه تعليماً ولكن عبارته يجب أن تكون عبارة إكبار وإعظام دون تذلل ولا ضِعه.(2)
ثالثاً: يجب أن تكون لغة المرافعة رصينة وسلسة ومفهومة
ووجوب كونها رصينة وسلسة يقتضي ذلك من المترافع أن يلم بقدر غير ضئيل من قواعد النحو والصرف والبيان. فذلك مما يُسلِس إلى بلوغ المقصود من المباني في توضيح الدلالات والمعاني. ” فليس أزرى بالمرافعات ولا أضيع لبهجتها ولا أفلُّ لسلاحها من سفه لغتها ” (3)
كما يقتضي أن يحرص المترافع على النهل(4) من معين مضان اللغة سيما من كتاب الله العزيز الذي أنزل قرآنا عربياً قال تعالى :{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}(1), وسنة سيد البلغاء والفصحاء النبي الأمي الذي لم ينطق عن الهوى وفيه قال أمير الشعراء :
وإذا خطبت فللمنابر هزة تعروا النَديّ وللقلوب بكاء
وعليه العَـلُّ (2) من الحكم والمواعظ والآثار والخطب الشهيرة من طيوف الإرث الإنساني اللغوي. وجدير بالذكر هنا أن ذخيرة المترافع من الفصاحة والبيان تعينه على التدليل والاستشهاد للمواقف والآراء التي يتبناها في مرافعته. وفي هذا المعنى جاءت المادة 173 من تعليمات الادعاء العام بالسلطنة فنصت على الآتي:- ” على أعضاء الادعاء العام العناية بدراسة قواعد اللغة العربية والاستزادة من آدابها والإطلاع على مختلف نواحي المعرفة حتى يساعدهم ذلك على أداء واجبهم في المرافعة أمام المحاكم”.
وهنا ربما يتساءل متسائل عن جدوى الاعتناء إلى هذا الحد بلغة المرافعة حيث أنها محكومة بغايتها, وهي ظهور الحق وإنفاذه فإن كان الزخرف لقلب الحق باطلاً أو العكس فذلك مذموم, وإن كان الحق مجرداً فإنه يجب أن يُبَلّغْ بمجرد الطلب, ولا حاجة لزخرف اللغة.
أقول هذا تصور خاطيء !!! لأن الألفاظ والمباني قوالب الدلالات والمعاني, وإن من البيان لسحراً كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم, وإن الحَكـَم والجمهور في قاعة المحكمة بشر يتأثرون بما يسمعون وإن من شأن بلاغة العضو المترافع أن تجلي للمحكمة مكامن الغموض في الدعوى وتُدَعِّم مواطن الضعف فيها, وتبرز الأدلة الخافتة منها, وتفند وترد الإشكالات التي وردت عليها, وتبين أثر جريمة المتهم على المجتمع, وإساءته إلى قيمه ومبادئه, وتستثير غضب القاضي, وتستنهضه لتحقيق واجبه كذائد عن الهيئة الإجتماعية, وكونه ملجأ المظلوم وسند المهضوم, ومورياً للجمهور عن سبب الإدانة في حال صدورها لترسيخ ثقتهم بالعدالة وتعميق شعورهم بالإنصاف.
وأما عن وجوب كونها – أي لغة المرافعة – مفهومة, فهذا يقتضي أن تكون المرافعة بلغة سهلة العبارة, ومباشِرة الدلالة, جزلة المعنى, دون تكلف أو إسفاف.
ولقد خصصت سؤالاً في الإستبيان عن مستوى اللغة الواجب التخاطب بها في قاعة المحكمة وكذلك طرحته على من قابلته من أصحاب الفضيلة المشايخ القضاة وأعضاء الادعاء العام والمحامين فجاءت آرائهم متباينة, فمنهم من قال أنه يجب أن تكون لغة فصيحة, وآخرون قالوا بأنها يجب أن تكون عامية دارجة(1), وآخرون رأوا أن تكون خليطاً بينهما. ولقد برر الفريق الأول رأيه بأن الفصاحة في اللغة تضفي على القضاء الهيبة والوقار إلى جانب أنها أجزل في معانيها. وبرر الفريق الثاني بأن العامية في متناول الجميع بينما تعسر الفصحى على البعض خصوصاً من الجمهور والخصوم. ورأى الفريق الثالث أن تكون لغة المرافعة بالعامية المحسنة.
وفي هذا الصدد أرى وجوب التفريق بين اللغة التي يُخَاطـَبُ بها الخصوم أو الشهود بشكل مباشر سواء من قبل القاضي أو المحامي أو عضو الادعاء , وبين اللغة التي تدور بين هؤلاء الأطراف. ففي الأولى يجب أن يكون الخطاب بقدر ما يفقه المخاطـَب, كما يجب التحري والعناية من قبل المتحدِث بأن ما يقوله مُدرَك من قبل سامعه.
ولقد أتحفني فضيلة الشيخ ماجد بن عبدالله العلوي نائب رئيس المحكمة العليا عند سؤالي إياه عن هذا الموضوع بقوله: ” لقد عنيت منذ توليت القضاء بإجادة اللهجة الدارجة في كل منطقة أنتقل إليها للعمل, لجسر ما بيني وما بين المتقاضين من عامة الناس من هوة, فأدرك مغازيهم من أقوالهم, ويشعرون هم بذلك فينطلقون بما يشاؤون في ادعائهم أو دفاعهم”.
أقول مصداقاً لذلك لو قيل لعاميّ أميّ ” وأيم الله أنك لمان ٍ فيما فهت به ” لرفع عقيرته بالشكر للقائل ظناً منه أنه يمدحه في حين أنه يكذبه.
إلا أن فضيلته عاد وأكد على أهمية اللغة العربية الفصحى كلغة للتقاضي وأنها المحببة إليه عند المرافعة إذا ما صدرت ممن يعيها سيما أعضاء الادعاء العام والمحامين (1).
أما المرافعة التي تعارف عليها الأدب القضائي فإنها إن صدرت من عضو الادعاء أو المحامي فالمقصود المباشر بها هو فضيلة القاضي, ولا شك في أنه لن يعزب عن ذهنه ما أراده المترافع, ولن تصعب عليه لغته وإن كانت فصيحة.
الرأي:
أرى أن المرافعة القضائية من العضو يجب أن تكون بلغة عربية فصيحة. فمن قال أن اللغة الفصيحة عصية على الفهم؟ فالجميع يسمع نشرات الأخبار وخطب الجمعة ويقرأ الصحف ويدرس الكتب بلغة عربية فصيحة, ويمكن القول أن هذا مقياس الرجل العادي(2), ولقد انتشر التعليم في مجتمعنا ولله الحمد بما يؤهل المتلقين إلى إستيعاب اللغة العربية الفصيحة. كما أني أشايع بعض المستجيبين للاستبيان من كون اللغة الفصحى تضفي مهابة ووقاراً على المحكمة وأنها أجزل في التعبير عن الأفكار. كما أني أؤمن بأنها ستكون – إن طبقت – عاملاً مهماً في إحياء اللغة العربية الفصحى, ودافعاً للاهتمام بها, ومَعيناً للبلاغة القضائية, وعامل محافظة على الهوية من معاول الغزو الثقافي والتغريب, كما تجنب قاعات المحكمة هرج ومرج واختلاط اللهجات. على أن يكون ذلك دون تكلف أو تصنع, فلا يعمد المترافع إلى المعاني القاموسية الغريبة. فقد ذم من قال لخلق تجمعوا عليه: ” ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنةٍ , هيا افرنقعوا عني” وذلك رغم صحة قوله إلا أنه لو قال اذهبوا عني لبلغ مراده.
وعليه فحرِّي بنا كرجال قانون أن نحفظ لغة القرآن ووعاء كلام رب العزة, بإعمالها لا سيما في ساحات العدل القدسية دون إغفال لمبادئ القانون الذي نستمد منه شرعية إجراءاتنا والذي قضى بأنه في أحوال معينة يجب أن نورد قول القائل كما جاء على لسانه كائناً من كان دون تدخل بزيادة ولا نقصان أو تعديل. ولو كانت ألفاظاً تعافها النفس, وتمجها الأسماع بل قد يقتضي الموقف ترديدها في بعض الأحيان لغاية سامية.
كما أن الجميع مقرٌ – وأنا معهم – بانحدار مستوى اللغة العربية المتداولة بين الناس لأسباب عديدة لا يتسع المقام هنا لذكرها, ونسلم تبعاً لذلك بتكلف دوام المحادثة بها, فإني لا أرى بأساً في الاستعانة باللهجة العامية المحسنة في تخفيف ما قد تنوء به أسماع المتلقين من فصاحة القول الموجه لهم وذلك في قالب مُلحة جميلة غير خارجة عن الموضوع, أو تعليق قصير, أو مثال توضيحي, أو إيراد قول عامي ورد في التحقيق, أو غير ذلك مما يسمح به الوضع. أي معاملة اللهجة العامية معاملة الاستثناء الوارد على الأصل في المرافعة وهي كونها بلغة فصيحة. ويوجه الدكتور حامد الشريف نصيحة إلى المحامي فيقول: ” ليس ضرورياً أن تكون كل المرافعة بألفاظ مقعرة وباللغة العربية الفصحى, ولكنه يتعين الجمع بين الاثنين بحيث يستطيع المحامي أن يدفع الرتابه بعيداً عن قاضيه”(1) وهذا ما يجب أن يكون عليه شأن عضو الادعاء العام.
رابعاً: أن تكون مطابقة لمقتضى الحال
” يقول الجاحظ رحمه الله : ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني, ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين, وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاماً, ولكل حالة من ذلك مقام, حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني, ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات, وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات, وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عامياً, فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشياً “(2)
فالمترافع يجب أن يكون وثيق الصلة بالأدب, عالم بطبائع الناس عارف لمواقع الكلام متصرف في أنواعه على ما يشتهي, فلا يسهب في موضع الإيجاز إسهاباً مملاً, ولا يوجز في موضع البسط والبيان ايجازاً مخلاً. يستعمل اللفظ المجلجل مرّة والسهل البسيط أخرى, يغلب المنطق هنا ويرجح العاطفة هناك على حسب الظروف والأحوال.
على أن خروج المترافع عن هذه القاعدة في مرافعته هو أدعى ما يكون للنفور منه, والاستخفاف به, والالتفات عمّا يخلص إليه من مطالب.
وأخذاً بما سبق فإني أرى أن مراعاة مقتضى الحال تستلزم من العضو إبتداءً تقدير شكل وحجم المرافعة التي سيعدها على حسب الدعوى المعروضة إن كانت جناية أو جنحة(1) , وكذلك قيمة ما تشكله من أهمية للرأي العام, أو جسامة في الفعل, أو خطورة جرمية, أو تفرع من ظاهرة جرمية بدأت تنتشر في المجتمع, أو باعتبار شخصية المتهمين أو المجني عليهم فيها كأن يكونوا رموزاً وطنية أو من كبار موظفي الدولة , أو نوعية الجمهور المعتني بالقضية المعروضة, فهذه العوامل وغيرها يجب أن يراعيها العضو عندما يعد مرافعته التي سيبديها بصدد الدعوى.
الفرع الثاني: عناصر المرافعة
ليس للمرافعات في الواقع العملي قالب واحد جامد, ولكننا اذ نحاول تحديد عناصر المرافعة نقصد قوامها, وعلى ذلك فالمرافعة النموذجية تتألف من مقدمة وموضوع وخاتمة, ولنبين مضمون كل جزء أو ما يجب على المترافع أن يضمنه تلك الأجزاء سنعمد إلى التقسيم الآتي:-
أولاً: المقدمة
وهي بالغة التأثير على ما بعدها من القول, فإن جاء بها المترافع كما يجب فتح لنفسه من السامعين باب القبول, وإن تنكب فيها وجاء بها على غير أصولها أوصدت عنه الآذان والتفتت عنه العقول وجفته قلوب سامعيه. لذلك وجب على المترافع أن يفتتح مرافعته بمقدمة مثيرة وبشيء يأسر الإنتباه في الحال, والخطيب الفطن من يحفظ المقدمة بداية ويفضل لطبيعة الزمان المطبوع بطابع السرعة أن تكون المقدمة موجزة إيجازاً لا يخرجها عن كونها مقدمة, كما يجب أن يراعي المترافع في المقدمة ارتباطها بموضوع المرافعة ويجعلها توطئة ومدخلاً للموضوع.
ثانياً: الموضوع
في هذا الجزء من المرافعة يلزم من المترافع أن يرتب أفكاره, ويعرض لموضوع الدعوى بكل جوانبه ابتداء من تجسيد وقائع الدعوى للسامعين بعرضها عرضاً تصويرياً أكثر منه وصفياً, ومبيناً لأركان الجريمة التي تشكلها الواقعة, ومعرجاً على ما تشكله تلك الوقائع من ألم وعوار للمجتمع وقيمه, ومثـَنِّياً على إسقاط تلك الوقائع على نصوص القانون المنطبقة عليها, ومثبتاً لأدلة الإثبات ومفنداً لأدلة النفي, ومورياً عن الظروف القانونية أو الشخصية التي صاحبت وقائع الدعوى سواء كانت مدعاة للتشديد أم للتخفيف كما يقتضي مبدأ حياد الادعاء العام, ومجلياً للمحكمة بواعث المتهم التي حملته لإرتكاب جريمته, ومحللاً لنفسيته حين ارتكاب الجرم وقبله وبعده بمقتضى قواعد علم النفس, مستمداً تحليله من وقائع الدعوى متجنباً التخرص والتخمين, ومعتمداً السياسة المنطقية في الإستنتاجات التي يبديها أمام المحكمة ومبصراً إياها بما خفى وغمض من وقائع الدعوى كما حصلها هو(1) أو زميله عضو الادعاء من التحقيق الذي أجراه الادعاء العام.
وفي هذا المعنى جاءت المادة (171) من تعليمات الادعاء العام بالسلطنة حيث نصت على أن : يراعى أن تتضمن المرافعة شرحاً لواقعات(1) الدعوى وأركانها وظروفها وأدلة الثبوت فيها …”
وكذلك المادة 1136 من تعليمات النيابة المصرية حيث نصت على ” … وعليه عندما يترافع في القضية أن يبين ظروفها وأن يسرد الأدلة القائمة في الدعوى تبعاً لترتيب أهميتها مع بيان الظروف المشددة والمخففة في القضية”
ثالثاً: الخاتمة
“إن الخاتمة في الحقيقة هي أكثر الأجزاء استراتيجية في المرافعة”(2) فما يقوله الإنسان في النهاية هو ما يبقى يرن في آذان المستمعين وهي ربما الكلمات التي تبقى عالقة في آذانهم. لذلك فالمترافع الحاذق من يخطط للخاتمة مسبقاً, ومن باب الاحتياط عليه أن يُعِدَ ويحفظ خاتمتين أو ثلاث يواجه بها التعديلات التي تطرأ على سير الدعوى خصوصاً إذا كانت مرافعته مرتجلة.
لذلك يجب على المترافع أن يجلي للمحكمة ويصرح بطلبه من كل القول الذي أدلاه سابقاً, وهو طلب إدانة المتهم بحسب الأصل, أو طلب براءته على وجه الاستثناء. وإن كان يطالب بالإدانة فليبين نوع العقوبة التي يطالب بها إن كانت العقوبة بها مجال للخيار وفق القانون وخصوصاً عند وجود مجال للعقوبات الفرعية, وكذلك الظروف التي يطلب أخذها بالاعتبار عند الحكم سواء المخففة أم المشددة وأرى من الناحية العملية وجوب ذكر رقم المادة القانونية والقيد والوصف واضحين مع عدم الخلط في حالة تعدد المتهمين وتعدد القيود.
“على أن خاتمة المرافعة ينبغي أن تكون منفصلة عن المرافعة غير مرتبطة بها ولا متصلة. أي بمنزلة


