اقتصاد المعرفة وإعادة النظر فى نوعية العمالة

د. أشرف السعيد أحمد

أستاذ مشارك الإدارة التربوية

جامعة الملك عبد العزيز

يتميز الاقتصاد المعاصر بمجموعة من المميزات التى ربما يمكن الإشارة الموجزة إليها من خلال المسميات التى أطلقت على هذا الاقتصاد، حيث قيل أنه: الاقتصاد الإلكترونى e-economy، الاقتصاد الرقمى digital economy ، الاقتصاد الأقل وزنا weight-less economy، اقتصاد قائم على رأس المال الفكرى Intellectual- Capitalism  وهى مصطلحات تدور حول مركزية المعرفة وتكنولوجيا المعلومات فى النشاطات الاقتصادية.

ولعل التحول الاقتصادى الذى يحدث هو تحول من سيطرة نمط الإنتاج الريعى الذى تشتق فيه القيمة الاقتصادية أساسا من استنزاف المواد الخام، إلى نمط مؤسس على إنتاج المعرفة حيث ترتفع نسبة وقت العمل المخصصة للنشاطات المعتمدة على كثافة المعرفة، ويزداد عدد العاملين فى منظومة المعرفة.

ويأتى هذا التحول نتيجة جهود الاقتصاديون فى البحث عن مورد يحقق ديمومة الميزة التنافسية، ويعالج التآكل المستمر فى الموارد الطبيعية التى قامت عليها الثورة الصناعية فى الماضى، فالبترول يُستهلك وهو فى سبيله للزوال كما يؤكد العلماء ربما ذلك قبل نهايات القرن الحاضر، والكثير من الموارد تتآكل بفعل سوء الاستغلال والرعى الجائر، لذا كان لابد من البحث عن مصدر آخر للميزة.

وكانت المعرفة هى ذلك المصدر السحرى الذى لا يتآكل أو ينضُب بالاستخدام ولا يخضع لقانون "تناقص الغلة" على عكس الملكية العينية، فإذا أكل "زياد" آخر قطعة حلوة بالمطبخ فلن تستطيع "هاجر" أن تأكلها هى الأخرى، أما إذا قرأ "زياد" كتابا يمكن أن تقرأ "هاجر" نفس الكتاب ويقرأه آخرون بعدها.

 إن المعرفة لا تفنى بالانتقال من شخص إلى آخر، ولكنها على العكس أكثر عرضة للإثراء والتفسير على نحو أكثر دقة، كلما أتيح للباحثين تمشيطها، فالمعرفة تنمو وتشتد بالتشاطر بين الناس، فالمعرفة كالحب يكبران بالتقاسم.

وهذا يشير أيضا إلى أنه مهما ارتفعت تكلفة إنتاج المعرفة أول مرة، فإن التكلفة الحدية لما بعد الاستخدام الأول تكون ضئيلة، إذ يمكن استخدامها عدد لا نهائى من المرات من قبل أفراد عددين فى وقت واحد وأماكن مختلفة دون حاجة إلى إعادة إنتاجها من جديد.

كل هذا جعل من المعرفة مصدر قوة وموردا للتميز والمنافسة، وهكذا حدث التحول الكبير من اقتصاد قائم على الموارد الخام إلى اقتصاد قائم على المعرفة، فى هذا الاقتصاد تتركز النسبة الأكبر من العمالة فى مجالات الإنتاج كثيف المعرفة.

 مما اقتضى بدوره أيدى عاملة من نوع جديد، تمتلك مهارات متقدمة، أطلق عليهم عمال المعرفة أو أصحاب الياقات الذهبية Golden- Collar Workers لما يتمتعون به من قدرات علمية متميزة مع خبرات ومهارات ضرورية، وهم أفراد يتطلب إعدادهم قدرا كبيرا من التعليم عالى المستوى ، كما تتطلب طبيعة أعمالهم معارف تخصصية، ومهارات عملية وتطبيقية.

 

ولكي تستطيع البلدان العربية الدخول إلى هذا الاقتصاد، فإن عليها الاهتمام بالتعليم العالى ، بزيادة نسب الملتحقين به وبزيادة مؤسساته وتحسين مستوى جودة مخرجاته، مع تركيز الاهتمام على التخصصات التقنية والعلوم البينية والعلوم الحديثة, والاهتمام بأنشطة البحث عامة والبحث والتطوير بصفة خاصة، وإعادة ضبط العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات قطاعات الإنتاج الحالية والمستقبلية.

المصدر: د.أشرف السعيد
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 172 مشاهدة
نشرت فى 17 سبتمبر 2014 بواسطة SocialCapital

أ.د.أشرف السعيد أحمد

SocialCapital
** أستاذ دكتور بقسم أصول التربية ** أستاذ مشارك بجامعة الملك عبدالعزيز 2009-2016**. ** التخصص العام : أصول التربية - التخصص الدقيق : إدارة وقيادة تربوية**. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

22,998