كان في المستشفى ممرضة متفانية في خدمة المرضى .
كنت ارقبها جيدا مستغربا ذلك التفاني واﻻهتمام الشديد ، والسهر على راحة جميع المرضى بوجه بشوش وكﻻم طيب جميل . ولكنني عندما كنت اتفرس في وجهها استشف حزنا دفينا يرتسم على وجنتيها ويختلج بين حنايا فؤادها .
ذات مساء حضر الى غرفتي مريض يعاني من داء عضال ، وما ان لمح تلك الممرضة تلج علينا حتى راح يصرخ ويولول ويقول بصوت مرتفع : - " ﻻ اريد ان ارى هذه الممرضة ، ابعدوها عني . انها تريد قتلي ! " .
استغربت كﻻمه غير السليم ﻷنها عكس ما يقول تماما . ولما هدأ روعه بعد ان ابعدوها عنه ، سألته عن سبب ما تفوه به فقال : -
هذه الممرضة كانت خطيبتي ، وكانت تحبني حبا جما قل نظيره بين العاشقين . وقبل موعد الزفاف بعدة اسابيع قامت صديقة لها بزيارتها وكنت موجودا حينها فوقعت في قلبي موقع اﻹعجاب . وصرنا نلتقي خلسة الى ان وقعت في الحرام معها ، فاضطررت الى اعﻻن زفافي اليها وبالتالي اﻻنفصال عن خطيبتي !
تركت تلك الحادثة اﻷليمة بصماتها عليها ، فقد طعنت في الصميم من قبل خطيبها وصديقتها في آن . لم يحتمل قلبها الرقيق تلك الصدمة وقالت لي حينها بلسان يرتجف لوعة واسى " اوكلت امري فيك لله فهو حسبي ونعم الوكيل " ، ثم غادرت الحي الذي كنا نقطنه سويا ورحلت الى مكان بعيد ، واخذت عهدا على نفسها بعدم الزواج وتكريس حياتها لخدمة المرضى .
اما انا فقد حرمني الله نعمة اﻷوﻻد فطلقت زوجتي بناء لطلبها ، ولم يلبث سوى وقت قصير حتى تملكني مرض سرطان العظام الذي بات يأكل عظامي وينخرها يوما بعد يوم .
لقد عاقبني الله شر عقوبة ﻷنني غدرت وخنت أشرف مخلوقة وقعت عليها عيناي ، وانني أخشى ان هي أشرفت على عﻻجي أن تعجل في هﻻكي وتنتقم مني شر انتقام " .
كانت تنصت الى كﻻمه من خلف الباب ، فدخلت مبتسمة وقالت له " قد عفوت عنك منذ أمد بعيد ، وانت اﻵن بالنسبة لي مريض كسواه من المرضى علي واجب اﻻعتناء به ورعايته حق الرعاية " .
ذهل لما سمع وأحس بهول ما اقترفه بحقها فأشاح بوجهه عنها وراح يبكي بكاء مرا ، ثم صمت برهة ولم يعد يلتفت اليها .
دنت منه لتتبين امره فوجدته قد فارق الحياة !
استرجعت وقلت في نفسي لقد صدق " المنفلوطي " حين قال : - العفو أشد أنواع اﻹنتقام !
بقلمي : محمد جمال الغلاييني

