أرخص موجود و أعز مفقود
بقلم المرحوم السيد محمد خليفة عبابنة
(رئيس جمعية سال سابقا - محافظة إربد)

جواد ولد مجتهد واسع الخيال، يجلس مع نفسه يحدثها علانية، وفي أوقات أخرى يكون الحديث سراً داخلياً، لذلك يكون شارد الذهن والخيال.. تطلب منه أمه بعض الطلبات فلا يرد ولا ينفذ ليس عصياناً لوالدته بل لعدم تركيزه بمن حوله لأنه يكون مع مسألته.. وجد جواد كتاب العلوم لأخته التي تسبقه في صفوف المدرسة، بدأ يقلب صفحات الكتاب فوجد عنواناً يدور حول الماء، قرأ فيه قول الله تعالى "أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما * وجعلنا من الماء كل شيىء حي افلا يؤمنون" (آية 30 من سورة الأنبياء).. اتسع تفكيره هل الماء سبب الحياة على سطح الكرة الأرضية؟؟... هل شجرة الزيتون الواقفة على باب الدار سببها وجود الماء ؟؟...
أسئلة كثيرة تزاحمت في رأس جواد، ولكنه تركها وخرج للعب مع أقرانه، وبقي في فرحه ومرحه حتى الغروب، حيث عاد وذهب لينظف جسمه من العرق والأوساخ، فكان الماء مادة التنظيف، وهكذا زاد الى خياله أن الماء ينظف الأجسام.. وشاهد والده يتوضأ فزاد الذاكرة أن الماء للوضوء، وبدأ يفكر بكثير من فوائد الماء: فوجده لعمل إبريق من الشاي، ووجده للطبخ، وتنظيف الخضار والفواكه، ولم يتسع عقله إلى حصر فوائد الماء، فتذكر الآية القرآنية "وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم " صدق الله العظيم (آية 18 من سورة النحل)
وخطرت له فكرة أن المال يمكن أن يكون أفضل من الماء.. فالمال نشتري به كل شيىء للحياة.. وانقطعت افكاره بدعوة أمه له للعشاء، فلبى مسرعاً، وعاد عن فكره التفكير بأي شيء سوى الطعام.. بدأ طعامه بالبسملة وانتهى منه فحمد الله وشكره على نعمه.. ثم توجه جواد إلى حقيبة كتبه ليكمل دروسه التي لم يحضّرها في النهار، ولم تمضِِ ساعة من الزمان حتى كانت جفونه تغطي عيونه، فأخلد إلى النوم، ونام نوماً عميقاً...
جواد في صحراء واسعة لا يوجد فيها بشر، ولا شجر، ومعه صديق له أحبه كثيراً، وهو يرتبط به، زيادة على الصداقة، بالقرابة اسمه ايسر..
يصيح أيسر بأعلى صوته بفرح وسرور:جواد........جواد انظر أكوام الذهب!!..
جواد ينظر باستغراب: أين الذهب؟؟!!!.. أنت تحلم...
- أيسر : انظر انه هناك عن يمينك وشمالك وفي كل مكان!..
· جواد : صحيح يا الله!!! ذهب....؟ ذهب....!! سوف نأخذ منه الكثير، ونعطيه إلى الأهل والأصدقاء، ونكون أغنياء
- أيسر : كيف سنحمل الذهب وليس معنا وعاء؟..
· جواد : سوف أخلع قميصي واملأه ذهب!..... ذهب!!....
- أيسر : فكرة ممتازة، أنت دائماً ذكي، وأنا كذلك سوف أملأ قميصي
خلع كل من جواد وأيسر قميصه وملأه ذهباً، ورفع كل منهما قميصه على كتفه يكابد ثقله لأن الذهب ثقيل، وعادا على عجل ليعاودا الكرة مرات ومرات...
· جواد : اسرع يا أيسر بدأت الحرارة ترتفع وتشتد..
- أيسر : لا أستطيع اكثر من ذلك، فالحمل ثقيل، والتعب والعطش أخذا مني كل مأخذ..
· جواد : سوف نصل بعون الله ونشتري الماء وكل شيىء........كل شيء!!
بدأ التعب يظهر على أيسر وبدأ يترنح في مشيته
· جواد : انظر يا أيسر هل ترى الماء أمامنا؟!..
- أيسر : ارى كأنه بحر يتحرك أمامي..
· جواد : لقد وصلنا الماء، وسوف نرتاح ونغتسل، ونأخذ جزء منه قبل أن نتابع المسير
- أيسر : ولكن الماء كلما اقتربنا منه أشعر انه يبتعد!
· جواد : لا بد من الوصول بعون الله، تماسك أيها الثري الصغير..
أسقط أيسر الذهب الذي يحمله وسقط بجانبه
يركض جواد نحو الماء الذي يشاهده ليحضر لصديقه ولكن الماء دائماً أمامه ولا يمكن الوصول إليه
هل عندكم تفسير لما يرى ويشاهد؟؟
يشاهد أيسر في غيبوبته رجلاً يحمل كأساً من الماء ويقول: تعطيني الذهب أعطيك الماء..
أيسر يناشده: خذ الذهب، خذ كل الذهب! وأعطني الماء.. وبدأ يزحف نحو الرجل الذي يحمل كأس الماء ولكن الوصول صعب..
في عودة جواد من طلب الماء الذي لا يمكن الوصول إليه يشاهد هو الآخر الرجل الذي يحمل كأس الماء بعقله لا ببصره ويبدأ بالصراخ: أيها الرجل.. أعطني الماء أعطيك كل الذهب!!....


