قصر الابداع للشاعره رحاب خطاب

قصر الابداع يرحب بكم دائما وبابداعتكم الراقيه

 

رواية

 

 

قردة أم ملائكة

 

 

تأليف

هشام فياض

HESHAM FIAD

 

 

1

 

في ليلة مقمرة ، يتسلل شعاع دقيق من ضوء القمر على إستحياء ، يرسم لنفسه مساراً ، يسقط على سطح الحائط المقابل ، وكأنها شاشة عرض ، وفى احد أركان الغرفة يجلس سعيد توفيق متكوراً على الفراش ، مكوناً نصف دائرة ، يمثل رأسه مركزها ، موجهاً عينيه صوب الحائط المضئ ، وكأنه يرى فيلماً سينمائياً يعرض أمامه ، رأى قوات الإحتلال الإسرائيلى ، تحاصر منزل عرفات ، وتقطع عنه الماء والكهرباء ، وطائرات أمريكية تقذف أفغانستان بالقنابل والصواريخ ، وطائرات أخرى تلقى بأكياس الطعام والكساء .

 

بدأ يحدث نفسه بصوت مسموع ، أه.....سياسة الجزرة والعصا ، أو العصا لمن عصى ، أمريكا مقدمة على ضرب العراق بذريعة محاولتها إمتلاك سلاح نووى ، وتقدم كل الدعم لإسرائيل ، رغم علمها بأنها تمتلك كل أنواع أسلحة الدمار الشامل ، صواريخ موجهة للعراق ، وصواريخ أخرى من نوع باتريوت فى إسرائيل لحماية مفعل ديمونة النووى ، الأسلحة أصبحت أنواعاً وعائلات ، أسلحة دمار شامل ، ونصف شامل ، وأسلحة لحين ميسرة ، مثل أسلحتنا ، أسلحة بنصف تأثير ، ونصف تكنولوجية ،ونصف لسان , لأننا معها فقدنا حتى القدرة على التنديد والشجب ، يقولون إن إنسان حيوان ناطق ، معذرة لكل حيوانات العالم ، معذرة أيضاً لداروين ونظرياته ، الإنسان ليس أصله قرداً، لأن القردة مازالت تحافظ على الطبيعة ، وعلى المناخ , ولم تثقب الأوزون ، لم نسمع يوماً بأن قرداً قتل قرداً، أو سرق قرداً ، أو خطف قرداً ، حتى التنافس على إناث القردة ، يتم بشرف ونزاهة وعلانية ، الشرف 

 

 

 

 

 

الأن كلمة نادرة , فى هذا الزمان ، لا ...لا  نحن لسنا بقردة ، ولم نكن ملائكة ، نحن بشر ....بشر .

 

يدخل أحمد الأخ الأصغر لسعيد الغرفة ، ويضئ المصباح ، فينفرد جسد سعيد المتكوّر وكأنه ياي مضغوط  تحت جنح الظلام ، فتح عينه بصعوبة ، من شدة الإضاءة المفاجئة ، طلب من أحمد أن يغلق المصباح ويتركه ، أخذ أحمد يداعب أخاه ، ما بك يا أبو السعد ؟ مع من كنت تتحدث ؟ هل كنت تحدث نفسك ؟ أم فقدت عقلك أنت الآخر مثل أستاذك الدكتور شلتوت .

 

خرج سعيد عن صمته ، وقال بصوت حاد : قلت لك أكثر من مرة

إن الدكتور شلتوت أعقل إنسان على وجه الأرض ، تذكر دائماً أنه كان رئيس هيئة الطاقة الذرية ، وأشرف على مئات الرسائل العلمية من ماجستير ودكتوراه ، منهم رسالة الماجستير الخاصة بى ، ويعد من القلائل المختصين فى هذا المجال ، وساعد أكثر من بلد عربى فى إنشاء قاعدة علمية نووية ، إنه ليس بمجنون ، إنه فقط تخلى عن عقله ، إغتال عقله بنفسه قبل أن يغتلوه هو نفسه .

 

داعب أحمد أخاه سعيداً وهتف قائلاً : " دكتور شلتوت أعقل وأنبغ إنسان فى العالم  " .

 

إعتدل سعيد فى جلسته وقال : أريد أن أعرف لماذا أنشأوا قسم الفزياء النووية فى كلية العلوم ؟ أنا حاصل على ماجستير فى الطاقة النووية ، ولم أستطع حتى الأن أن أحصل على عمل فى هيئة الطاقة الذرية ، وبعد خمس سنوات من الإنتظار للقوى العاملة ، أُعيّن فى مرفق نظافة القاهرة ، درست تسعة سنوات كل شئ عن الذرة ، 

 

 

 

 

 

 

عرفت أكثر مما عرفه أينشتاين ذاته ، ومع ذلك مازلت كماً مهملاً ، لم أصل لدرجة نيترون فى نواة فى ذرة ، رد عليه أحمد قائلاً : 

 

ـ ربما أنشأوا هذا القسم من أجل الإستخدمات السلمية للطاقة النووية،  فى الطب وفى الزراعة ، وتوليد الطاقة 

ـ لماذا نحن فقط نستخدم الطاقة النووية ، إستخداماً سلمياً ، وغيرنا

يمتلك من الأسلحة النووية ما يحقق له الردع والتفوق ، فى أية معركة ، لماذا يكون هناك " خيار وفاقوس " ؟

ـ فكرتنى بالخيار ، أصل العرب جميعاً إتفقوا ، ولأول مرة يتفقون ، بأن يكون السلام ، هو الخيار الإستراتيجى 

ـ خيار إستراتيجى ، خيار مخلل ، كله خيار 

ـ هل ستذهب يوم الجمعة لزيارة الدكتور شلتوت فى مستشفى النيل للصحة النفسية ؟ 

ـ قلت لك أكثر من مرة ، إن لا أحد يعلم بوجود الدكتور شلتوت هنا فى القاهرة ، وهذا من أجل سلامته ، أود ألا تتحدث مع أى إنسان عن هذا الموضوع ، لقد خصنى أنا فقط  دون أهله وأصدقائه ، بمكان وجوده ، نعم سوف أزوره يوم الجمعة ، لأنه طلب منى أن أحضر له أوراقاً وأقلاماً 

ـ أتظن أن الدكتور شلتوتاً  قد إتخذ قراراً بكتابة قصة حياته ؟

 

ترك سعيد الغرفة دون أن يرد على أحمد ، وأخذ طريقه إلى المطبخ،  لقد تذكر أنه جوعان ، ومعدته لم يقربها الطعام منذ الصباح .

 

 

 

 

 

 

2

 

صباح الجمعة بدأ سعيد يومه بحمام دافئ ، ثم توضأ وتعطر وخرج من منزله متوجهاً إلى مسجد حسين صدقى بالمعادى ، حتى يكون بالقرب من المستشفى .

 

دخل سعيد توفيق المصحة ، وكان الدكتور شلتوت يجلس على أريكة خشبية فى أحد اركان الحديقة الملحقة بالمستشفى ، صافحه وتبادلا التحية ، وأخذا يتحدثان فى أى شئ ، وكل شئ ، من حالة الطقس ، للحرب الدائرة فى أفغانستان ، حرب الإرهابيين الكبار ضد الإرهابيين الصغار .

 

أعطى سعيد توفيق الأوراق والأقلام إلى الدكتور شلتوت ، ثم هم بالإنصراف ، على وعد بالزيارة الجمعة القادمة ، وقد لاحظ سعيد نظرة إشفاق فى عين الدكتور شلتوت .

 

خرج سعيد توفيق من المصحة وهو يفكر فى نظرات الإشفاق التى رآها فى عيون الدكتور شلتوت ، هل كان مشفقاً عليّ ؟ ربما لأنه أفضل منى حالاً ، ذهب إلى المصحة بمحض إرادته ، فضل موت العقل ، عن موت الجسد , إختار الحياة مع بعض المجانين ، ولكن أنا أعيش رغماً عنى ، فى عالم كله جنون ، له الحق أن يشفق عليّ.

 

عاد سعيد إلى المنزل ، كانت الساعة تقترب من الثالثة عصراً ، والشيخ محمد متولى الشعراوى  مازال يشرح فى الآية الثالثة 

 

 

 

 

 

 

والثلاثين من سورة البقرة " وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس آبى واستكبر وكان من الكافرين " دخل سعيد حجرته وهو يفكر فى معنى الآية الكريمة ، وحدث نفسه : إذا كان الله عز وجل أمر الملائكة بأن تسجد لآدم ، هل هذا يعنى أن البشر أفضل من الملائكة ؟

 

طلبت أم سعيد منه أن يساعدها فى إحضار بعض الأشياء من المطبخ إلى طاولة الطعام ، فسألها عن أخته سعاد ، ولماذا لم 

تساعدها فى تحضير الطعام ، فقالت والدته : لقد ذهبت إلى صديقتها هدى ، لنقل ما فاتها من محاضرات بالأمس ، لأنها كانت معى بالأمس عند الطبيب .

 

توضأ الأستاذ توفيق وقام لأداء صلاة العصر ، عادت سعاد من الخارج ، وضعت ما تحمله من أوراق على مكتب صغير فى حجرتها ، ثم سألت والدتها عما إذا كان هناك شئ ناقص لتتمه ، أجابتها والدتها بأن كل شئ على ما يرام ، البركة فى الدكتور سعيد،  رد سعيد من داخل حجرته : دكتور ....ربما ، بعد عمر طويل .

 

فرغ الأب من الصلاة وتوجه إلى حجرة الطعام ، وجد الكل فى إنتظاره ، إلا أحمد الذى دخل لتوه من الخارج معلناً إعتذاره عن التأخير .  

                                                                                                                إلتفت الأسرة حول مائدة الطعام ، بدأ الأب بالبسملة وتابعته الزوجة

 

 

 

 

 

 

 

 والأبناء ، قال أحمد : أيها السادة أدعوكم وأن نقف دقيقة حداداً ، 

على المأسوف عليه الديك الرومى ، ضحك الجميع ثم أتموا الطعام فى جو أسرى جميل .

 

دخل سعيد توفيق حجرته ، وفتح كتاباً كان مدسوساً بين أوراقه كشف بالمراجع الخاصة برسالة الدكتوراه ، وعلى هامش الورقة قيمة الأسعار ، التى قدرت بما يزيد عن الثلاثة ألاف من الجنيهات ،

بعد قليل من التفكير توصل سعيد لقرار لا رجعة فيه ، لا مراجع ولا دكتوراه ، وكفى ما أنفقه عليه والده حتى حصل على الماجستير ، وأن أحمد وسعاد أولىّ بكل مليم ، ولابد من بحث عن عمل آخر ، حتى أرفع الحمل عن كاهل والدى ، لأن العمل فى مرفق نظافة القاهرة غير مُجدٍ ، وهناك لا يفعل شيئاً غير قراءة الجرائد اليومية،  وحل الكلمات المتقاطعة .

 

فى الصباح كالعادة قام بشراء الجرائد الثلاثة ، وبدأ البحث من جديد فى أبواب " وظيفة خالية " كان من بينها وظيفة مدرس مساعد فى 

ذات تخصصه فى جامعة جنوب الوادى ، إستبشر خيراً ، وعقد العزم على السفر إلى قنا لتقديم أوراق إلتحاقه بالوظيفة .

 

فى صباح اليوم التالى للإعلان كان سعيد توفيق ومعه حافظة الأوراق والشهادات  أمام مدير شئون العاملين فى جامعة جنوب الوادى . 

                                                                                                      إستقبله الرجل بوجه بشوش ، وقال بأدب جم : نأسف يا ولدى ، 

 

 

 

 

 

فالوظيفة شُغلت بالفعل أول أمس ، أرتسمت على وجه سعيد توفيق جميع علامات التعجب والإستفهام ، وقال بصوت لا يخلو من الضيق : كيف حدث هذا ؟ وإعلان الوظيفة كان فى جريدة الأهرام بالأمس ، طلب الرجل من سعيد توفيق أن يستريح ، وقال له : إعلان الأمس ، كان إعلاناً صورياً ، إعلاناً من أجل إتمام مسوغات التعيين الخاصة بأحد المحظوظين ، حتى يكتمل الشكل القانونى ، أنا آسف يا ولدى لأنى لا أستطيع عمل أى شئ من أجلك.

 

خرج سعيد توفيق من مكتب مدير شئون العاملين وهو يندب حظه العاثر ، وأبدى ندمه على الوقت والمال الذى أنفقه من أجل وظيفة خيالية وليست خالية ، إستغفر ربه وتذكر قول جدته " إن الكلب الجوال  خير من الأسد الرابض ".

 

إستقل سعيد توفيق القطار المتجه إلى القاهرة وغط فى نوم عميق ، شعر بالملل بسبب توقف القطار أكثر من مرة ، وسمع أحد الركاب يسأل آخر بجواره ، لماذا سمى هذا القطار بالقشاش ؟ فأجابه الأخر لأنه يلم أى يقش كل الركاب من على الطريق ، إبتسم سعيد ثم غط فى النوم مرة أخرى ، لأن الطريق مازال طويلاً .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3

 

شعرت سعاد بألم شديد فى الجانب الأيمن أسفل البطن ، تم نقلها إلى مستشفى عين شمس التخصصى ، تم تشخيص الحالة بأنها إلتهاب حاد فى الزائدة الدودية ، ولابد من إجراء جراحة عاجلة ، خشية من إنفجارها .

 

إتصل سعيد بصديقه الدكتور رامى أسعد ، الذى يعمل طبيب تخدير بالمستشفى ، الذى جاءه على وجه السرعة ، تم نقل سعاد على الفور إلى غرفة العمليات .  

                                                                                قام الدكتور رامى بتخديرها وتحضيرها ، وإستمر معها حين إنتهاء الجراحة ، بعد ذلك خرج ليطمئن أفراد العائلة ، ثم عاد مرة أخرى إلى غرفة الإفاقة ، حتى إستعادت سعاد وعيها ، أمسك بمعصم يدها ونظر فى ساعة يده ، ثم قال : الحمد الله على سلامتك يا أنسة سعاد،  أنا الدكتور رامى سعيد ، صديق شقيقك سعيد ، أنت الأن بخير ، سوف أراكِ فيما بعد .

 

دخل أفراد العائلة إلى غرفة سعاد ، وإتجه الأستاذ توفيق إلى الحسابات لدفع المبلغ المطلوب ، أصرت أم سعيد على المبيت مع سعاد ، وأنصرف باقى أفراد العائلة إلى المنزل .

 

فى اليوم الثانى كان الدكتور رامى أسعد فى غرفة سعاد ومعه الجراح الذى أجرى العملية الجراحية ، للإطمئنان على حالتها ، 

 

 

 

 

 

سألته والدتها : هل من الممكن أن تتناول سعاد أى طعام ؟ لأنها لم تتناول أى طعام منذ الأمس ، قال الطبيب وهو يكتب بعض الأدوية 

فى السجل الخاص بسعاد : من الممكن قليل من الشاى الخفيف مع قطعة من خبزالتوست . 

 

فى المساء عاد الدكتور رامى مرة أخرى لغرفة سعاد ، جلس على المقعد المجاور لفراشها ، ثم قال : أريد أن أكرر عليكِ مرة أخرى ، أنا الصديق الوحيد لشقيقك سعيد ، لذلك سوف اتحدث معكِ بصراحة،  أنا أريد الإرتباط بكِ ، سوف أمر عليكِ غداً صباحاً ، إذا كان ردكِ بالرفض ، أرجو منكِ ألا تخبرى أحداً بذلك ، حتى لا تتأثر علاقتى بسعيد ، خرج الدكتور رامى مسرعاً من الغرفة ، تاركاً سعاد فى حالة من الذهول .

 

فى صباح اليوم التالى  كانت سعاد تحاول السير بمساعدة عصا بمقبض فى غرفتها ، عندما إلتفتت إلى الخلف وجدت أمامها ، الدكتور رامى يحمل باقة من الزهور البيضاء ، قال وهو يعطيها الزهور : يمكنك الخروج اليوم ، وسوف أحضر إليكِ فى المنزل بعد ستة أيام ، لفك خيوط الجراحة ، وإذا إنتظرتِ للثالثة عصراً ، سوف أقوم بشرف توصيلك إلى المنزل  ، قبل أن يهم الدكتور رامى بالخروج ، قالت سعاد : جميلٌ جداً الإرتباط بشخص مثلك ، وسوف تزداد صداقتك بشقيقى ، فى حركة غير إرادية ، أمسك الدكتور رامى يد سعاد وقبّلها ، ثم قال سوف أتصل بسعيد لأخبره بذلك .

 

تمت الخطوبة فى نطاق الأسرتين ، فى منزل الأستاذ توفيق ، توفيراً للنفقات ، وقد تم الإتفاق على عمل حفلة مناسبة فى الزواج ، 

 

 

 

 

 

قبّلت أم سعيد إبنها وهى تقول : أريد أن أرى أولادك قبل أن أموت،  قال سعيد : طول العمر لكِ يا أمى ، كل شئ مكتوب .

 

جلس سعيد وحيداً فى شرفة المنزل ، بعد أن نظر حوله وتأكد من  أن والده لا يراه ، أخرج سيجارة وشرع فى تدخينها ، وهامت الأفكار تتطاير مع الدخان حوله ، كادت أن تعصف به ، فهو مازال يدور داخل مربع العوز ، المرتب الذى يحصل عليه ، يكفيه بالكاد ، للصرف على المواصلات  والسجائر ، ومازال والده حتى الآن يتكفل بالملبس ، والمأكل ، ظلت حياتى ثابتة ، الشئ الوحيد الذى يتقدم  هو العمر ، لقد قاربت على الثلاثين ،لا بيت ، ولا زوجة ،ولا أولاد ، متى أستطيع أن أبدأ حياتى ؟ ألا تكتفى الدولة بحرمانى من عمل يتناسب مع مؤهلاتى ؟ بل رفضت جهة العمل الإعتراف بالماجستير،  كنت أظن بأن الماجستير سوف يزيد من فرصتى فى الحصول على عمل أفضل ، أو مرتب أكبر ، لكن ظل الوضع على ما هو عليه ، " وعلى المتضرر ضرب رأسه فى أكبر حجر ، من أحجار هرم خوفو "  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

4

 

ذهب الأستاذ توفيق إلى عمله فى وزارة الأوقاف ، حيث إنه يشغل منصب المدير المالى لأملاك الوقف ، وهو المسؤول عن الإشراف والإدارة والتفتيش للوقف .

 

كان فى إنتظاره فى مكتبه  القمص ميخائيل للتحدث معه بخصوص ملف الأوقاف القبطية ، والتى تم وقفها منذ عام 1952 ، وحتى الآن مازال بعضها تحت يد وزارة الأوقاف ، قال بعد ما إرتفعت نبرة صوته : على ما أعتقد إن الكنيسة هى الأولى بإدارة أوقافها ، للصرف منها على الكنائس والأديرة ، وعلى فقراء الأقباط ، قال الأستاذ توفيق : الملف مازال فى مكتب الوزير ، وهو ملف فى غاية التعقيد ، بسبب بيع بعض هذه الأوقاف ، والبناء على البعض الأخر  لذلك يدرس الوزير كيفية إسترداد هذه الأوقاف ، أو تعويضكم ،هم القمص ميخائيل واقفاً وهو يقول : هذا هو الوزير الخامس ، الذى يعرض عليه هذا الملف ، ولم يبت فيه حتى الآن ، عبد الناصر قام بنزع ملكية أراضى أوقاف البطريركية والأديرة القبطية ، ثم قام بتوزيعها على الفلاحين المسلمين ، عن طريق قانون الإصلاح الزراعى ، وكأن الأقباط ليس فيهم فقراء أو فلاحون ، فى حقيقة الأمر أنا لاأجد عدالة ونزاهة فى دراسة هذا الملف .

 

طلب الأستاذ توفيق من الساعى أن يحضر كوباً من عصير الليمون الطاذج ، للقمص ميخائيل ، وقال له : تفضل يا أبانا بالجلوس ، وسوف أرسل خطاب إستعلام من الوزارة عن هذا الملف ، وأتمنى 

 

 

 

 

فى المرة القادمة ، أن يكون لديّ رداً إيجابى شاف ، أنا أعلم أن هذا الملف قد مر عليه أكثر من عشرين عاماً ، ولكن أنا دورى ينتهى بإرسال الملف إلى الوزارة ، هل تريد الحل النهائى لهذا الملف ؟ قال القمص ميخائتل متعجباً : بالتأكيد ، نعم أريد حل هذا الملف ، قال الأستاذ توفيق : أطلب من البابا شنودة التدخل لدى وزير الأوقاف ، يعد عدة أيام تقيم الكنيسة إفطار " المحبة الوطنية " وسوف يحضره وزير الأوقاف .

 

ذهب الأستاذ توفيق إلى مدير إدارة الأملاك ، كى يعرض عليه بعض الملفات ، قال له المدير : إبشر يا حاج توفيق ، قد وقع عليك الإختيار تمثيل بعثة الإشراف على الحج  هذا العام ، لا تنس أن تاتى لى بجلباب ماركة " الدفة " .

 

فى طريق العودة للمنزل ، ذهب الأستاذ توفيق إلى صديقه فى باب اللوق ، والذى يمتلك مصنعاً صغيراً للحلويات الشرقية ، وأخبره بأنه ذاهب إلى الحج هذا العام ، ضمه صديقه وقبّله وقال : حج مبرور بإذن الله ، ثم طلب من أحد العاملين أن يحضر صنيتين من البسبوسة ، إحداهما بالقشدة والأخرى بالمكسرات ، أعطاهما لصديقه توفيق ، الذى إتجه مباشرةً إلى المنزل .

 

كانت أم سعيد فى المطبخ تعد الطعام ، دخل عليها الأستاذ توفيق وقبّلها وقال : الحمد لله ، وقع عليّ الإختيار فى بعثة الحج هذا العام،  سوف أزور بيت الله يا أم سعيد ، وأقوم بالصلاة فى الروضة الشريفة ، وأقبل قبر الرسول . 

 

 

 

 

 

                                                                                                        مسحت أم سعيد يديها فى جلبابها ، وأحتضنت زوجها وبكت ، حاولت إخراج زغرودة لكنها لم تستطع ، لكنها خرجت متقطعة ، وجاء على أثرها أفراد العائلة إلى المطبخ ، لإستطلاع الأمر ، قبّلوا جميعاً والدهم ، ثم توجهوا إلى حجرة الطعام .

 

رجع أحمد توفيق فى الثالثة صباحاً ، وهو فى حالة غير طبيعية ، كان يبدو عليه فقدان جزئى للوعى ، حدثه سعيد قائلاً : ما بك يا أحمد ، هل تعاطيت المخدرات ، أم إحتسيت الخمر ، إذا علم والدك بما فعلته ، سوف يكون رد فعله غير متوقع ، خلال أيام سوف يسافر لأداء فريضة الحج ، هل تريد وأن تخيّب أمله فيك ؟ كنت دائماً تعارضنى بسبب التدخين ، وأنت الأن تدخن مخدر الحشيش ، لماذا ؟ أجهش أحمد بالبكاء وهو يقول : خمس سنوات مرت على إنتهاء فترة التجنيد الإجبارى ، وأنا مازلت محامياً مع وقف التنفيذ ، هل تعلم إننى أذهب يومياً إلى المحاكم ، من أجل العمل بالقطعة ، تأجيل قضية ، أو كتابة عريضة دعوى لمخالفة مبانٍ ، وذلك من أجل جنيهات معدودة ، لقد مللت من مد يدى كل شهر لوالدى ، سبعة وعشرين عاماً ، ومازلت عالة على والدى ، ماذا أفعل ؟ .

 

لم يجد سعيد كلاماً يرد به على أخيه ، فانسحب بهدوء وذهب إلى فراشه ومعه خيبة الأمل فى الغد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5

 

يوم الجمعة قام سعيد مبكراً من نومه ، توضأ وإرتدى ملابسه ، وأخذ طريقه للخروج ، قام بشراء بعض المقرمشات والجرائد، والمجلات الأسبوعية من أجل الدكتور شلتوت ، الذى ذهب لزيارته بعد الصلاة . 

                                                                                                  لاحظ الدكتور شلتوت لمسة حزن وقلق فى عينيى سعيد , فسأله عن أسباب قلقه وشروده , إبتسم سعيد توفيق ووضع يده بحنان فوق كتف الدكتور شلتوت وقال : لا شئ ....لا شئ على الإطلاق , رد الدكتور شلتوت عليه قائلاً : أنت بمثابة ولدى , والوالد دائماً يشعر بحالة ولده , بالله عليك ما الذى يشغل بالك ؟ .

 

خفض سعيد توفيق رأسه لأسفل ، وقال بصوت خجول : المراجع العلمية الخاصة برسالة الدكتوراه ، ثمنها باهظ , وفوق طاقتى وطاقة والدى ، لهذا قررت أن أكتفى بما وصلت إليه من تعليم .

 

ضحك الدكتور شلتوت فبرزت أسنان صفراء مهملة ، وقال وهو مازال يضحك : هذا هو سبب كربك ، أعطنى أسماء المراجع التى تريد شراءها ، بعد أن قرأ أسماء المراجع العلمية قال : عال ... عال جدا .

 

طلب من سعيد أن ينتظره دقائق ، عاد بعدها ومعه مفتاحان فى حلقة معدنية ، وقال لسعيد توفيق هذا هو مفتاح منزلى ، والمفتاح الثانى 

 

 

 

 

 

خاص بغرفة مكتبى ، والعنوان أنت تعلمه جيداً ، سوف تجد كل هذه المراجع فى مكتبتى ، قد أحضرتها معى من إيطاليا .

 

 شكر سعيد توفيق الدكتور شلتوتاً  الذى إحتضنه وقال بصوت به مسحة من الحزن : أنا وحيد فى هذه الدنيا بعد وفاة زوجتى فى حادث تصادم فى روما ، ولم أُرزق بأولاد ، وانت لى بمثابة الأبن .

 

تهلل وجه سعيد شلتوت ، وبحركة غير إرادية إنحنى ليقبل يد

الدكتور شلتوت ، ولكنه لم يمكنه من ذلك ، وأخذ رأسه فى صدره 

وقال : الوفاء أصبح شيئاً نادراً فى هذا الزمان ، بل معدوماً , لذلك جعلوه من المستحيلات الثلاثة " الغول والعنقاء والخل الوفي " .

 

إنتزع سعيد توفيق رأسه بهدوء من بين طيات ضلوع صدر الدكتور شلتوتاً وقال : أود أن أكون عند حسن ظنك بى .

 

 ودع سعيد توفيق الدكتور شلتوت ، وغادر المصحة متوجهاً إلى منزله .

 

إستقل سعيد توفيق الأتوبيس ، وضع يده فى جيبه ليعطى المحصل ثمن التذكرة ، لمست يده المفتاحين ، فى هذه الأثناء سأله المحصل 

" على فين يا حضرة  ؟  " فكر سعيد توفيق قليلاً ، ثم قال : المحطة القادمة .

 

 نزل من الأتوبيس وعبر نهر الطريق متوجهاً للإتجاه العكسى وهو يقول : تاكسى....تاكسى ، وقفت أمامه سيارة متهالكة يقودها سائق ليس بأحسن حال من سيارته ، طلب سعيد توفيق من السائق أن يتوجه به إلى مصر الجديدة .

 

 

 

6

 

وصل سعيد توفيق إلى منزل الدكتور شلتوت ، أخرج أحد المفتاحين وعالج به باب المنزل ، كان المنزل مظلماً ، والأتربة تملأ أرجاءه , بسبب غلقه لأكثر من عامين .

 

 حاول سعيد توفيق إنارة أحد  المصابيح ، لكن دون جدوى ، فالمنزل بدون كهرباء وماء ، لقد رفع عدادا الكهرباء والماء من قبل الأجهزة المختصة  لعدم سداد الفواتير .

 

فتح سعيد أحد النوافذ بصعوبة بالغة ، وجزى بقسط وافر من الأتربة المتراكمة ، توجه إلى غرفة المكتب التى يعرفها جيداً ، كثيراً ما إستقبله فيها الدكتور شلتوت  عندما كان يزوره .

 

عالج سعيد توفيق باب غرفة المكتب ودخل ، كانت فى إنتظاره مفاجأة ، وجد الكتب متناثرة فى أرجاء الغرفة ، وأدراج المكتب مهشمة ، والأوراق مبعثرة , لكن الشئ الغريب  إن محتويات المنزل من تحف وأجهزة كهربائية  وأشياء أخرى ثمينة لم يمسها أى ضرر .

 

 لذلك تأكد بأن دخول المنزل ليس بغرض السرقة ، لكن لماذا أغلقوا الغرفة مرة أخرى بالمفتاح ؟ وإذا كانوا يرغبون فى أن لا يعلم أحد بأنهم دخلوا المنزل ، فلماذا تركوا كل هذه الأشياء مبعثرة بهذه الطريقة ؟ ربما أنهم لم يفرغوا من عملية البحث ، لكن على ماذا يبحثون ؟ سؤال إجابته لدى الدكتور شلتوت

 

 

 

 

حاول سعيد توفيق أن يعيد الكتب والمراجع إلى أرفف المكتبة ، ووضع الأوراق بعضها فوق بعض دون ترتيب ، زحف الليل بسواده وعتمته ، فغادر سعيد توفيق منزل الدكتور شلتوت ، بعد إحكام غلقه جيداً ، تاركاً النافذة مفتوحة لتغيير الهواء فى المنزل.

 

فى طريق العودة شعر سعيد توفيق بأقدام تتبعه ، نظر خلفه فرأى

رجلاً فى العقد الرابع ، يرتدى معطفاً أسود ، وقف لتوه متذرعاً بإشعال سيجارته ، وصل سعيد توفيق لمحطة الترام ، أخذ مكانه فى الجلوس ، ولمح وجود الشخص الذى كلن يتتبعه ، فكر سعيد توفيق قليلاً ، ثم قفز من الترام أثناء تهدئته فى الميدان ، مخلفاً وراءه متتبعه داخل الترام .

 

وصل سعيد توفيق إلى منزله فى ساعة متأخرة من الليل ، كان والده ينتظره فى الشرفة المطلة على الشارع الرئيسى ، بعد أن إطمأن الأستاذ توفيق بعودة سعيد دلف إلى فراشه .

 

 دخل سعيد مباشرة إلى المطبخ يشكو جوعاً لم يشعر به من قبل ، إستيقظت والدته على صوت تلاطم الأوانى ، فأعدت له العشاء ، إلتهم الطعام وكأنه يصارعه ، ثم حمد الله وذهب إلى فراشه مناجياً النوم أن يزوره ، لكن النوم كان عصياً عليه فى هذا المساء ، وكيف ينام وعقله لم يستطع حتى الآن إستيعاب ما حدث فى منزل الدكتور شلتوت ، وهل يبلغه بما رأى ؟ ثم تذكر شيئاً مهماً ، إنه لم يحضر المراجع التى ذهب من أجلها ، لقد تركها فوق المكتب , وإنهمك فى ترتيب المكتبة ، وجمع الأوراق المبعثرة فى كل مكان ، لكنه قرر عدم الذهاب إلى هناك مرة آخرى ، خوفاً من المجهول ، والرجل

 

 

 

 

 

 الذى كان يتتبعه ، إنه رجل قوى البنيان ، يشبه مصارعى الثيران بشعره الطويل الغير مرتب ، ثم قفز إلى عقله شئ خطير ، إن هذا الرجل أجنبى ، ملابسه الغريبة ، وحذاؤه الذى يشبه أحذية رعاة البقر ، والرباط الموجود فوق رأسه ، من يكون ؟ وعما يبحث ؟

وهل الدكتور شلتوت على علاقة بجهات أجنبية ؟ وهل موت زوجته الغامض فى إيطاليا له علاقة بذلك ؟ ووجوده فى المصحة النفسية ,هل من أجل الإختفاء ؟ أم من أجل التهرب من العقاب القانونى ، بإدعائه الجنون ؟ قطع سيل الأسئلة التى كادت أن تقتله فكراً  طرق مستمر على باب المنزل .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

7

 

خرج سعيد توفيق من حجرته متجهاً إلى باب الشقة ، وجد والده قد سبقه إليه ، وفتحه ، ووجد أمامه ثلاثة من الرجال فى ملابس أنيقة ، وعندما سألهم عن هويتهم ، وماذا يريدون فى هذه الساعة المتآخرة من الليل ، قال أحدهم بكل هدوء : نحن من جهة أمنية ، ونريد التحدث مع الأستاذ سعيد , قال سعيد وهو متخوف ، أريد وأن أرى هويتكم ، أنا لن أتحدث مع أحد .

 

 قال أحد الرجال الثلاثة : ثق بنا يا أستاذ سعيد ، نحن هنا من أجلك، شك سعيد للحظات إنهم شركاء للرجل الأجنبى الذى كان يتتبعه ، لاحظ ذلك ضابط المخابرات وقال له : نحن هنا من أجل حمايتك من عصابة دولية ، ثم إن الدكتور شلتوت قد أعلمنا بكل شئ،  بالمراجع والمفاتيح التى أعطاها إليك ، ولقاء كل يوم جمعة , على ما أعتقد إنك الأن مطمئن لنا ، أرجوك إرتد ملابسك ، نحن فى إنتظارك أسفل المنزل .

 

إطمأن سعيد توفيق لهؤلاء الأشخاص ، وتأكد بأنهم يتبعون جهة أمنية ما .

 

بعد أن جلس فى المقعد الخلفى من السيارة بجوار أحد الرجال الثلاثة ، قام بوضع عصابة سوداء على عينيه ، لم يعترض سعيد توفيق على هذا الإجراء ، سارت السيارة بسرعة فائقة قاطعة طرق وليل القاهرة الساحرة ، وإتجهت نحو المقطم ، حتى وصلوا أمام 

 

 

 

 

 

 

بناية كبيرة يحيطها سور مرتفع ، وغابة من الأشجار الضخمة .

 

ساروا جميعا على ممشى طويل حتى وصلوا أمام الفيلا الغامضة 

رفعت العصابة من فوق عينه ، وبادره أحد الضباط بالإعتذار عما حدث ، وقال له هذا إجراء متبع من أجل سلامتك أيضاً ، نحن أتينا بك إلى هنا ، لأن ما سوف نحدثك به خاص بأمن الدولة المصرية .

 

 نحن نعلم ما حدث لك اليوم فى منزل الدكتور شلتوت ، لأن المنزل تحت المراقبة ، دقيقة بدقيقة ، ونعلم بزوار المنزل ، وكنا معك فى الترام ، ورأيناك ، وانت تقفز منه ، وكان وجودنا من أجل حمايتك ، وتتبع ذلك الرجل الأجنبى .

 

 سأل سعيد توفبق ضابط المخابرات ، هل الدكتور شلتوت متورط فى شئ ما ؟ وعن أى شئ يبحث هؤلاء الغرباء ؟ أجابه الضابط بأن الدكتور شلتوت رجل وطنى ، وفوق الشبهات ، وإنه موجود فى المصحة من أجل حمايته ، أما عن إجابة السؤال الثانى ، فمازال الوقت مبكراً ، كى نعلمك بكل شئ ، المهم الآن أن تعلم بأنك تحت أعيننا ، وأن كل خطوة تخطوها مرصودة بدقة .

 

 فى هذا المظروف يوجد مفتاح وعنوان شقة فى وسط المدينة ، سوف تنتقل إليها ، تحسباً لأى شئ ، لا نريد أن يحصل هؤلاء الغرباء عن أى معلومات ، تؤدى إلى معرفة شخصيتك الحقيقية ، أو عنوان منزلك ، حتى لا يسببوا أى مشاكل لأهلك ، تذكرت شيئاً مهماً ، المنزل الجديد به مخرج سرى, من داخل بدروم العمارة ، عبارة عن سرداب تحت الأرض , له فتحة داخل منزل فى حارة 

 

 

 

 

جانبية ، وهذا سوف تستخدمه فقط ، عندما تنوى زيارة الدكتور شلتوت . 

 

إطمئن تماماً ، المنزل الجديد مراقب بكاميرات سرية ، حتى نتمكن من التدخل فى الوقت المناسب ، توجد قوة بالقرب منك ، لا داعى لأن تشغل نفسك بمكان وجودهم ، بعد يومين سوف يأتى شخصان لإصطحابك إلى مكانك الجديد ، لا تحاول أن تحضر أى شئ يدل على شخصيتك الحقيقية ، وسوف نعطيك بطاقة هوية بإسم مستعار.

 

الآن من فضلك سوف نضع على عينيك العصابة من جديد ، سوف تعود إلى منزلك ، أرجو أن ما تم بيننا يكون فى طي الكتمان ، إذا سألك والدك عن سبب الزيارة ، قل له إنها إجراءات أمنية ، من أجل إلحاقك بهيئة الطاقة الذرية ، وعن تغيبك عن المنزل  سوف نرسل لك حفظ  الله  وسوف نكون على إتصال بك .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

8

 

خرج سعيد توفيق من الباب السرى ، إستقل سيارة تاكسى وطلب من سائقها التوجه إلى المعادى ، توقف قبل المصحة بمسافة طويلة، بناء على توجهات ضابط المخابرات ، كى يلاحظ هل هناك من يتبعه ، ثم توجه بعدها إلى المصحة .

 

 كان الدكتور شلتوت فى مكانه المعتاد ، وبين يديه ورقة من جريدة بالية ، كان يقرأها بإهتمام ، بعد تبادل تحية الصباح  طلب الدكتور شلتوت من سعيد توفيق أن يجلس بجواره ، سأله ماذا يقرأ ؟ قال الدكتور شلتوت : مقالة قديمة للمرحوم مصطفى شردى ، كان يتحدث فيها عن البنود السرية لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل ، وهل مصر كسبت أم خسرت ، بتوقيع تلك الإتفاقية  ؟ وهل ينجح ساسة مصر فيما فشل فيه الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ هل ينجح ساسة مصر مع قتلة الأنبياء والرسل ؟

 

دعنا من هذا الآن ، هل حصلت على المراجع التى تحتاج إليها ؟ وهل أغلقت باب المنزل جيداً ؟ صمت سعيد توفيق للحظات ، وكأنه يستجمع كل قواه ، ثم بدأ فى سرد كل ما حدث ، من بعثرة المراجع وخلط الأوراق ، وتتبع الرجل الأجنبى ذى المعطف الأسود ، ونجاحه فى الهروب منه .

 

ثار الدكتور شلتوت وأخذ ينتفض فى مكانه ، ثم قال : مازالوا 

 

 

 

 

 

 

يتتبعوننى أولاد الكلب ، ماذا يريدون منى ؟ ماذا فعلت لهم ؟ ألم

يكفهم ما فعلوه بزوجتى ، أمسك سعيد توفيق بكتفيّ الدكتور شلتوت محاولاً تثبيته فى مكانه وتهدئته , ثم سأله من هم ؟ أومأ الدكتور شلتوت برأسه لأسفل وقال : سأقص عليك كل شئ ، بشرط أن يكون ذلك سراً بيننا .

 

 أنا علمت أمس بزيارة ضباط المخابرات لك ، وهم الذين طلبوا منى  أن أقص عليك كل ما حدث لى فى إيطاليا ، وكيف أغتيلت زوجتى ؟ ولماذا أنا هنا الآن ؟ وعن أى شئ يبحثون ؟.

 

بدأ الدكتور شلتوت يتحدث وكأنه يجتر ألامه وأحزانه ، رجعت به الذاكرة إلى تلك الأيام ، هل تتذكر يا سعيد منذ عامين ، وبعد مناقشة رسالتك ؟ قلت لك : إننى مدعو لحضور مؤتمر علمى لمناقشة الإستخدمات السلمية للطاقة النووية  فى جامعة لاساببينزا فى روما، وأن زوجتى سوف تصحبنى فى هذه الزيارة ، لإجراء بعض التحاليل والفحوصات ، رد سعيد توفيق : نعم أتذكر ذلك جيداً ، وقد قلت لى بأنك سوف تحضر لى هدية بمناسبة حصولى على الماجستير بتفوق ، ولكنك أخلفت وعدك .

 

 إبتسم الدكتور شلتوت ، ثم بدأ فى الحديث مرة أخرى : كان فى إنتظارنا فى مطار ليوناردو دا فينشى الدكتور كلاوديو ديزيديرى وزوجته ، وهو صديق قديم ، وبيننا بعض الأبحاث المشتركة ، قد تعرفت عليه فى أمريكا أثناء حصولى على درجة الدكتوراه من جامعة برينستون بولاية نيوجيرسى ، وكان معى فى نفس المجموعة البحثية للدكتور ريتشارد فاينمان ، وكان البحث يدور 

 

 

 

 

 

حول "ميكانيكا الكم ".

 

 وفى أحد الأيام تحدث معى عن الدكتور مصطفى مشرفة ، وهل فعلاً مات مسموماً ؟  كان ردى لا أعرف ، هذا موضوع مرت عليه سنون طويلة ، بعدها باغتنى بسؤال لم أتوقعه ، لماذا أغتيلت سميرة موسى ؟ وهل النظرية التى توصلت إليها ، لصناعة قنبلة نووية من المعادن الرخيصة ، بعد تفتيتها إلى ذرات ، هل هذا كان سبباً فى إغتيالها ؟ .

 

فى ذلك اليوم لم أستطع الرد عليه لسببين أولهما أنى لا أمتلك أى معلومات عما قاله ، وثانيهما خشيت أن يكون تابعاً لأى جهاز مخابراتى ، خاصة الموساد ، معذرة يا سعيد سوف أعود مرة أخرى لهذه القصة فى وقت لاحق ، بعد أن إستقبلنا فى مطار ليوناردو دا فينشى  إصطحبنا أنا وزوجتى إلى فندق فراتينا ، وهو فندق ممتاز ، وقريب جداً من الجامعة . 

 

ودعنا الدكتور كلاوديو ، على وعد بلقاء فى المساء ، كى يحتفى بنا .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9

 

فى الثامنة مساءً كان الدكتور كلاوديو وزوجته السيدة فلورا  ينتظران نزولى أنا وزوجتى لبهو الفندق ، تبادلنا جميعاً التحية , ثم أقلتنا السيارة وذهبنا إلى وسط المدينة ، وبالتحديد شارع فينيتو ، إلى مطعم ومقهى تايم .

 

طلب الدكتور كلاوديو من النادل أن يأتى بقائمة الطعام ، ثم طلب زجاجة من النبيذ الأحمر المعتق ، وأخرى من المياه المعدنية .

 

إخترنا جميعاً وجبة من فواكه البحر والأسماك ، وفاتحات الشهية ، وبعد تناول العشاء ، ذهبت زوجتى وزوجة صديقى إلى التواليت ، لإصلاح ما تركته السنون من أثار على بشرتهما ، وأكملنا نحن حديثنا حول آخر التطورات على الأبحاث المشتركة بيننا ، والنتائج التى توصلنا إليها ، وكانت إلى حد كبير مبشرة ، وتدفعنا قدماً إلى الأمام ، ورغم أن الأبحاث كانت تتم بصورة سرية ، نظراً لخطورتها ، إلا أن الدكتور كلاوديو قد أشرك طالب  معه حاصلاً على الدكتوراه حديثاً ، كى يساعده فى إستخراج النتائج وتحليها .

 

 قد أثارالموضوع غضبى وقتها ، وقلت له : أخشى أن تتسرب بعض المعلومات عن هذه الأبحاث ، وقتها سوف تكون النتائج وخيمة ، وقد يتم  سرقة هذه الأبحاث التى قضينا فيها أكثر من عشر سنوات ، بين الجد والسهر والتعب ، أو يغتلونا كما إغتالوا من قبل صاحبة الفكرة الأساسية ، الدكتورة سميرة موسى .

 

 

 

 

 

 

 فى تلك الأثناء عادت زوجتانا ، وبشرتهما إزدادتا شحوباً وإصفراراً، تحدثت زوجة الدكتور كلاوديو،  وجسدها يقشعر من الخوف والرعب وقالت : عند ذهابنا إلى التواليت ، لاحظنا أقداماً تتبعنا ، وعندما إلتفتنا للخلف لإستطلاع الأمر  وجدنا رجلاً قوى البنيان ، حاد الملامح , خرج سريعاً عندما شاهدنا  من باب  الطوارئ المقابل للتواليت ، فعدنا سريعاً .

 

 خرج الدكتور كلاوديو عن شعوره ، وعنف زوجته وقال : كم مرة طلبت منكِ ألا تفرطى فى إحتساء النبيذ الأحمر، إنه يفقدك توازنك ، وتقديرك للأمور ، ويصيبك بالدوار ، أيدت زوجتى ماقالته زوجة الدكتور كلاوديو ، ولكنه ظن أن زوجتى تحاول تهدئة الموقف .

 

خرجنا جميعاً من المطعم ثم ذهبنا إلى مكان بديع يعرف بإسم فونتانا دى تريفى ، عبارة عن نافورة بها شلالات من المياه المتدفقة تخرج من بين تماثيل ضخمة لشخصيات خرافية وخيول ضخمة ، مخلفة أصوات الهدير التى تختلط بأصوات إلقاء القطع المعدنية من العملات المختلفة ، التى يلقيها الزوار وظهورهم فى إتجاه الفونتانا ، لأن الناس تعتقدون أنها قادرة على تحقيق الأحلام ، بعد ذلك ذهبنا إلى الفندق . 

 

شعر الدكتور شلتوت بالإرهاق ، فطلب من سعيد توفيق  أن يكمل له بقية الأحداث فى الزيارة القادمة .

 

 

 

 

 

 

10

 

فى خارج المصحة كان ضابط المخابرات ينتظر سعيد توفيق ، دعاه للصعود إلى السيارة ، ثم سأله عن وجهته ، فقال : سوف أذهب إلى المنزل الجديد ، أفراد العائلة الآن يعلمون بأننى فى روسيا ، ولكن تظل هناك مشكلة , لقد تغيبت عن العمل أكثر من عشرة أيام ، رد الضابط بثبات : لا داعى للقلق فقد تم ندبك إلى هيئة الطاقة الذرية ، وأنت الآن فى إجازة مفتوحة لحين إنتهاء المهمة .

 

سأله ضابط المخابرات ، لماذا لا تذهب لإحضار المراجع من                                منزل الدكتور شلتوت ؟ رد سعيد توفيق قائلاً : فى حقيقة الأمر كنت منتظراً أن أسأل فى هذا الأمر ، لأنى خشيت أن يكون ذهابى إلى هناك سوف يفسد خطتكم فى القبض على أفراد التنظيم الدولى . 

 

إبتسم ضابط المخابرات وقال : لديك شعور أمنى ، ربما أفكر فى ضمك إلينا، لا داعى للقلق أنا أمزح معك ، المهم أريد منك أن تذهب غداً فى فترة الظهيرة إلى منزل الدكتور شلتوت ، لابد من أن يكون تصرفك عادياً جداً وطبيعياً ، وأطلب من البواب أن يأتى بسيدة من أجل تنظيف المنزل ، وأترك جميع المنافذ مفتوحة ، هذا تصرف طبيعى يجعل أفراد التنظيم يظنون بأنك أحد أقارب الدكتور شلتوت ، أو مشترٍ جديد للمنزل .وعندما تذهب سوف تجد عودة الكهرباء والمياه ، وإذا تتبعك أحد منهم لا داعى للهروب منهم ، ولا تنظر خلفك ، دعهم يظنون أن هروبك فى المرة السابقة كان محض صدفة .

 

 

 

 

 

إطمئن نحن بجوارك دائماً ، ربما لم ترنا ، ولكن سوف نتدخل فى الوقت المناسب ، فى هذا المظروف مبلغ من المال ، راتب شهرين من عملك الجديد .

 

قبل أن ينزل سعيد توفيق من السيارة سأل الضابط قائلاً : هل أنا فعلاً الآن أعمل فى هيئة الطاقة الذرية ؟  أجابه ضابط المخابرات بالتأكيد ، أنت متفوق وحاصل على درجة الماجستير ، وتلميذ عالم قدير ، إطمئن ، لقد رشحك الدكتور شلتوت ، وصدر قرار بتعيينك.

 

عند إنصرفك من المنزل خذ عدداً من الكتب ، بشرط ألا تكون لها علاقة بالفزياء أو الذرة ، وهذه هى بطاقة إثبات الشخصية الجديدة ، مسجل بها إسمك ، ومهنتك الجديدة ، وفى هذه الحقيبة أدوات حديثة للتصوير ، لأن مهنتك الجديدة هى مصور فوتوغرافى ، مهنة تجعلك تتحرك بحرية ، وغير مرتبطة بمواعيد ، حتى يكون خروجك ودخولك فى أى وقت مبرراً .

 

 أريد أن أذكرك ، عندما تخرج من الباب السرى ، لابد وأن تعود منه ، لأنك من الغد سوف تكون تحت أعينهم ، ثم إنهم سوف يدخلون منزلك فى أثناء غيابك عنه ، حتى يتأكدوا من شخصيتك ، لقد وضعنا لافتة نحاسية على باب المنزل محفوراً عليها إسمك ومهنتك .

 

 لا تنس أن تحفظ إسمك الجديد , سعيد توفيق الآن فى روسيا ، ضحك الإثنان ، وإنصرف ضابط المخابرات تاركاً سعيداً أمام منزله الجديد ، واسمه الجديد , ومهنته الجديدة .

 

 

 

 

 

11

 

خرج سعيد توفيق من المنزل ، يحمل على كتفه الحقيبة التى تحوى أدوات التصوير ، وترجل ، حتى وصل إلى الشارع الموازى من أجل الحصول على سيارة أجرة ، ركب وقال للسائق : مصر الجديدة .

 

كان يضع على عينيه نظارة سوداء ، خشة أن تفضحه عيونه ، قبل أن يدخل العمارة طلب من البواب أن يحضر سيدة من أجل نظافة المنزل ، ثم أعطاه خمسة جنيهات وصعد إلى منزل الدكتور شلتوت،  وبدأ فى فتح جميع نوافذ المنزل .

 

 عندما فتح باب حجرة المكتب  وجد جميع الأشياء مبعثرة مرة أخرى ، حاول أن يرتب الحجرة ، لكنه وجد فوق الكتب كماً كبيراً من الأتربة ، فعدل عن ذلك ، وأوكل للسيدة التى أحضرها البواب القيام بذلك .

 

 طلبت منه الخادمة أن يساعدها فى تحريك الفراش حتى يتسنى لها أن تنظف من تحته ، وكانت المفاجأة ، وجود خزانة سرية داخل تجويف الحائط  خلف الفراش ، أعاد سعيد توفيق سريعاً الفراش إلى وضعه القديم قبل أن تلاحظ الخادمة وجود الخزانة ، ثم تعلل بأنه لابد أن ينصرف الآن ، لأنه تذكر موعداً هاماً ، أعطاها النقود ثم ودعها ، وأغلق الباب جيداً.

 

دخل حجرة النوم لمعاينة الخزانة السرية مرة أخرى ، فوجد على 

 

 

 

 

 

بابها قرصين بارزين مدرجين ، عليهما أرقام وعلامات ، أعاد الفراش إلى موضعه ، ثم جلس فوق الفراش يفكر فى الأسرار التى تحويها هذه الخزنة ، وهل ما يبحث عنه أفراد المنظمة الدولية موجودة بداخلها ؟ وهل من الضرورى أن أبلغ ضابط المخابرات بشأنها ؟ أم أنها تخص فقط الدكتور شلتوت وهو الوحيد الذى يقرر 

ذلك ، ربما يكون بداخلها أشياء شخصية أراد ألا يطلع عليها أحد غيره ، فلم أخبر أحداً بشأنها ، هذا كان قراره الذى إتخذه .

 

فى الخامسة مساءً ترك منزل الدكتور شلتوت وتوجه إلى منزله ، حاملاً معه بعض الروايات ، ووجبة جاهزة من الطعام .

 

كان يتتبعه ثلاثة أشخاص من تلك المنظمة ، ورغم إنه شعر بوجودهم ، إلا أنه تغافلهم تماماً وصعد إلى منزله ، ثم تناول طعامه 

ثم ترك جسده تحت تيار متدفق من الماء الدافئ ، وهو مسترخ  تماماً ، ثم أوى إلى فراشه منهك القوى بعد عناء يوم عصيب .

 

قبيل الفجر بقليل صعد أحد أفراد المنظمة إلى منزل سعيد توفيق ، دخل إلى حجرة نومه ، رش فوق وجهه مادة مخدرة فى صورة غازية ، جعلته لا يشعر بما يدور حوله ، ثم بدأ هذا الرجل البحث والتفتيش فى كل شئ ، حتى تحقيق الشخصية ، بعدها إنسحب بهدوء تاركاً المنزل ، وهو لا يعلم بأنه تحت أعين وكاميرات ضباط 

المخابرات المصرية .

 

 

 

 

 

 

 

12

 

تسلل سعيد توفيق من الباب السرى ، وإستقل سيارة لتنقله إلى حى المعادى ، حيث يقبع الدكتور شلتوت فى المصحة ، لم ينتظر ليوم الجمعة لزيارته ، فالخزانة التى وجدها بالإمس ، أصبحت لغزاً لابد من حله ، خاصة وأنه أصبح جزءا من لعبة لا يعرف أبعادها ، ويخشى أن يتورط فى أشياء قد تعصف به وبمستقبله .

 

كان الوقت مبكراً ، والدكتور شلتوت مازال يقبع فى غرفته ، جلس فى فناء الحديقة منتظراً ظهوره ، لكنه وجد أمامه ضابط المخابرات 

ومعه مظروف أصفر كبير ، أعطاه إياه ثم سأله : لماذا أتيت اليوم لزيارة الدكتور شلتوت ؟ هل حدث شئ أردت أن تبلغه به ؟ على أية حال نحن نعلم سبب حضورك اليوم إلى هنا ، جئت لتبلغ الدكتور شلتوت بموضوع الخزانة المجودة خلف فراشه فى حجرة نومه ، وكنت تريد أن تعرف منه ما بداخلها ؟ الخزانة الآن فارغة ، لا يوجد بها شئ ، لقد قمنا بنقل محتوياتها إلى مكان أمين ، أما عن الأشياء التى كانت بداخلها ، فليس من حقى أن أبلغك بها ، الدكتور شلتوت فقط من يملك حق البوح والإفصاح عما بداخلها .

 

 داخل هذا المظروف عدد من الصور للشخص الذى دخل منزلك فجر اليوم ، أحضرتها لك كى تطمئن بأنك تحت حمايتنا ، وحتى تثق بنا ، نحن نعمل من أجل مصر ، وعملنا لا يحتمل الخطأ ، ووجودك هنا الآن خطأ كبير ، كان من الممكن أن يكلفك حياتك ، إتباع ما نقوله لك من إرشادات  فيه سلامتك , ونجاح العملية , 

 

 

 

 

 

والقبض على أعضاء المظمة ، وأعوانهم فى مصر ، هذه المنظمة 

هى ال�

Rehabkhatab

نتمنى المزيد من الابداع

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 103 مشاهدة
نشرت فى 21 نوفمبر 2017 بواسطة Rehabkhatab

عدد زيارات الموقع

84,237