الدنيا .. كلمة تعنى فى اللغة العربية : الدناءة ، و كل شئ دنئ تدنى إلى ما دون الرفعة و السمو .

يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لو كانت الدنيا تعدل عند الله تعالى جناح بعوضة ، ما سقى كافراً منها شربة ماء " صدق رسول الله ، و فى حديث أخر ، قال : " الدنيا سجن المؤمن و جنة الكافر " .

و قد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم مفاتيحها و خزائنها ، فأبى أن يقبلها ، و كره أن يحب ما أبغض خالقه ، أو يرفع ما وضع مليكه ، زواها الله عن الصالحين اختيارا ، و بسطها لأعدائه اغتراراً ، أفيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ؟! فو الله ما أحد من الناس بسط له فى الدنيا ، فلم يخف أن يكون قد مكر به : إلا كان قد نقص عقله ، و عجز رأيه .

و كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز فى ذم الدنيا كتاباً ، قال فيه : أما بعد فإن الدنيا دار ظعن ( أى رحيل ) و ليست بدار مقام ، فاحذرها يا أمير المؤمنين ، فإنها تذل من أعزها ، و تفقر من جمعها ، كالسم يأكله من لا يعرفه و هو حتفه ، سرورها مشوب بالحزن ، و صفوها مشوب بالكدر ، فما لها عند الله عز و جل قدر و لا وزن .

و روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال : يؤتى بالدنيا يوم القيامة فى صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها بادية ، مشوه خلقها ، فتشرف على الخلق ، فيقال : هل تعرفون هذه ؟ فيقولون : نعوذ بالله من معرفتها . فيقال : هذه هى الدنيا التى تشاجرتم عليها ، و بها تقاطعتم الأرحام ، و بها تحاسدتم ، و تباغضتم ، و اغتررتم ، ثم يقذف بالدنيا فى جهنم ، فتنادى : يارب ، أين أتباعى ؟ فيقول : ألحقوا بها أتباعها .

و أعلم أخى الحبيب أن أحوالك ثلاث : حال لم تكن فيها شيئا ( و هى قبل أن تولد ) ، و حال تبدأ من ساعة مماتك إلى مالا نهاية فى البقاء السرمدى إما فى الجنة أو النار ( الخلود الدائم ) ، و بين هاتين الحالتين حالة متوسطة هى أيام وجودك فى الدنيا .

فأنظر إلى مقدار ذلك ، وانسبه إلى الحالتين ، لتعلم أنه أقل من طرفة عين فى مقدار عمر الدنيا . فمن رأى الدنيا بهذه العين : لم يركن إليها ، و لم يسأل كيف انقضت أيامه بها فى كدر و ضيق ، أو سعة و رفاهية ، و لهذا قال الرسول صلى الله عليه و سلم : " مالى و للدنيا ؟ إنما مثلى و مثل الدنيا إلا كراكب سار فى يوم صائف ، فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ، ثم راح و تركها " .

 و قال عيسى عليه السلام : الدنيا قنطرة ، فاعبروها و لا تعمروها . و من الناس من قطع نصف القنطرة ، و منهم من قطع ثلثيها ، و منهم من لم يبق له إلا خطوة واحدة و هو غافل عنها ، و كيفما كان فلابد من العبور ، فمن وقف يبنى على القنطرة و يزينها و هو يستحث للعبور عليها ، فهو فى غاية الجهل و الحمق .

و قيل : مثل طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شرباً ، ازداد عطشاً حتى يقتله .

و قال أحد الواعظين :  " هب الدنيا فى يديك ، و مثلها ضُم إليك ، و المشرق و المغرب جاءا إليك ، فجاءك الموت : ماذا فى يديك ؟! .

و قال صلى الله عليه و سلم : " لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى يبلغ ستين عاما ، لقد أعذر الله إليه ، لقد أعذر الله إليه " . و قوله أعذر هنا من الإعذار إى إزالة العذر ، و المعنى أنه لم يبق له اعتذار ، كأن يقول لو مد الله لى فى الأجل لفعلت ما أمرت به ، فلا عذر له فى ترك الطاعة .

 

فاعلموا يا عباد الله : أن الدنيا لزوال ، و أننا لن نجنى منها إلا ما أمرنا الله به من الطاعات و العبادات ، فهنيئا بنا فى طلب الإستغفار و الدعاء إلى الله بالعفو و المغفرة ، ففروا إلى الله .

 

Ramzy-online

محمد رمزى

  • Currently 94/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
31 تصويتات / 552 مشاهدة
نشرت فى 16 أغسطس 2010 بواسطة Ramzy-online

ساحة النقاش

محمد رمزى

Ramzy-online
مصرى يملك وطنى فؤادى و أكاد أملكه »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

238,752

مصر



يا حبنا الكبير