
الثقافة الإسلامية ثقافة فريدة متميزة بين الثقافات , ذلك أن ثقافات الأمم هي نتيجة لأفكارها ومعتقداتها وعادتها ,الثقافة الإسلامية فإن أصولها العقائدية والأخلاقية والعملية وحي الهي رباني , فالإسلام هو الذي أنشأ عقائد الأمة الإسلامية وتصورها وأخلاقها وقيمها , وهو الذي حدد مسارها , وبين منهجها , ووضع لها قانونها , وأقام لها الضوابط التي تعصم الفكر من الانحراف , وهيمن الإسلام على الدراسات الإنسانية , وقوم الفنون التي تمارسها الأمة , خلاصة القول أن الإسلام هو الذي صنع الأمة , فالفرق بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى ليس به خفاء .
خصائص الإسلام الذي قامت عليه الثقافة الإسلامية1 - صبغة إلهية ربانية (إلهية المصدر) :
الثقافة هي أسلوب الحياة السائد في مجتمع من المجتمعات , وأصدق ما يوصف به نمط الحياة الذي تحياه الأمة الإسلامية ــ أنه صبغة إلهية , فأنماط الحياة عند غير المسلمين تحددها العادات والتقاليد والنظريات والمناهج التي يضعها مفكروها وعباقرتها , وتتفرد الأمة الإسلامية دون غيرها بنمط إلهي , اصدق ما يقال فيه إنه صبغة إلهية قال تعالى :
{صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ } البقرة 138
فالله أنزل لنا ديناً يبين لنا فيه الحال التي ينبغي أن نكون عليها في أحوالنا الظاهرة والباطنة , كما وضح لنا الغاية التي ينبغي أن نهدف إليها من وراء الحياة , لقد أوضح لنا ديننا الأسلوب الذي تنهجه الأمة الإسلامية في حياتها , وقد سماه القرآن الكريم الصراط المستقيم , قال تعالى:{ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم } الفاتحة 6وهذا الطريق مخالف لطريق اليهود والنصارى والمشركين في القديم والحديث قال تعالى : { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ}البقرة 7ولم يتوف الرسول صلى الله عليه وسلم حتى اتضح الطريق والمنهج الذي تسير عليه الأمة الإسلامية في حياتها , قال تعالى : {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} النساء 115فسبيل المؤمنين التي سلكها الرسول صلى الله عليه وسلم , وقد سار على ذلك النهج التابعون وأتباعهم , ومن شذّ عن هذا السبيل عدّ فاسقاً أو كافراً بحسب المعصية التي يرتكبها .
2 - اتساع آفاقها :
الثقافات الإنسانية ثقافات ضيقة , يعيش أفرادها في إطار ضيق من الحياة الدنيا , أما الثقافة الإسلامية فآفاقها رحبة واسعة , وقد عبر عن هذا المعنى موفد المسلمين إلى قائد جيش الفرس , حيث قال له مبينا الهدف الذي خرجوا من أجله : (الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله , ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)[7]
فالبشر في المجتمعات الجاهلية تحكمهم قوانين البشر , وعادات البشر , وأعراف البشر , وتسرى فيهم العقائد الضالة المحرفة , وكل ذلك يشكل ضيقا في الأفق , ويحجر على الفكر , ويجعل العباد يعيشون في دائرة ضيقة تقيد أعمالهم , وهذه الدائرة الضيقة , وذلك الضلال عن الآخرة يحوّل الحياة إلى شقاء وأي شقاء , قال تعالى : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} طه 124. أنظر كيف حصر الشيوعيون أنفسهم في نظرية ضالة لا تؤمن بخالق الكون , وتؤمن بأزلية المادة , وهي نظرية فاسدة , وأنظر كيف أقاموا الحياة على ما سموه بصراع الطبقات , وكيف جعلوا الإنسان محكوماً للمادة تسيره وتوجهه , ولا يملك لنفسه شيئاً , ومثل هذا يجعل المبدأ يضيق ضيقا لا يزيد عمّا كان يعيشه العابد للوتن , والساجد للصنم , والزاعم أن عيسى ابن الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا ،والثقافة الغربية كبقية الثقافات المعرضة عن هدي السماء قتلت أشواق الروح ، وقطعت الصلة بين النفس وخالقها ، فجفت فيها ينابيع المودة والمحبة والطمأنينة ، وتحول الإنسان في عالم غريب إلى آلة كبقية الآلات التي تعمل بغير شعور وإحساس .
3ـ عالمية الثقافة :
تقوم الثقافات البشرية على اعتبارات وأسس محكومة بالنظرة القومية والعنصرية ، وصنف هتلر البشر فجعل أمته في الرتبة الأولى , وجعل العرب في المرتبة الرابعة عشرة , ولم يبق وراءهم إلا اليهود والكلاب , وكان شعارهم : ألمانيا فوق الجميع , ولا يزال داء العنصرية سري في الأمم الغربية , أما الثقافة الإسلامية فليست ثقافة العرب ولا الفرس ولا البربر , وليست ثقافة الرجل الأبيض ولا الأسود , إنها ثقافة البشر كلهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم , لم توضع لجنس ولا لون ولا بيئة معينة , قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات 13
إن الإسلام يقرر أن انقسام البشر إلي شعوب وقبائل إنما هو للتعارف , لا للتناحر والتقاتل والتفاضل , أما مقياس التفاضل في الإسلام فهو التقوى, الإيمان ,العمل الصالح .وفي ظل هذا المقياس الذي وضع للناس كافة يرتقي الناس جميعاً. ويتنافسون في ميدان العمل الصالح , لا فرق بين أبي بكر العربي , وبين سلمان الفارسي , وبلال الحبشي , وصهيب الرومي , وتدخل الشعوب في الإسلام , فلا تشعر بغضاضة في نفوسها , ذلك أن الناس في ظل الإسلام إخوة , وقد جاءت تعاليم الإسلام للإنسان كإنسان بغض النظر عن جنسه ولونه وموطنه , جاءت أحكامها وفق الطبيعة الذاتية للإنسان مجردة عن إطار الزمان والمكان , ذلك أن الإنسان كإنسان ثابت لا يتغير , ولا يتبدل في روحه وعواطفه وأشواقه وضروراته وغرائزه , أما الثقافات البشرية فكل أمة تستمد ثقافتها من مألوفها وذوقها وموارثيها الأدبية وظروفها الجغرافية , وضروراتها الإقليمية , وحاجاتها الاجتماعية , فكيف يمكن أن تكون ثقافة أمّة من هذه الأمم ثقافة للعالم كله , وهذا يدلنا على بطلان ما ينادي به الغرب من عالمية الثقافة الغربية وغاية الإسلام إيجاد الإنسان الصالح , أما المبادئ الأرضية فغايتها تكوين المواطن الصالح , الإسلام يجعل كل إنسان هدفاً لمنهجه , بينما المبادئ الأرضية تتجه إلى فئة معينة من الناس دون سواهم .
4 ــ الشمول والكمال :
يتصف الدين الإسلامي الذي تقوم عليه ثقافتنا بالشمول والكمال , ويتبدى هذا الشمول في أمور كثيرة نكتفي منها بثلاثة :
أولاً : العقيدة التي تعطي المسلم تصوراً كاملاً عن الإنسان والكون والحياة , كما تعطي تفسيراً للقضايا الكبرى التي شغلت الفكر الإنساني , ولا تزال تشغله , فالإنسان كان ولايزال يتساءل عن أصله ونشأته , ومصيره ونهايته ومنشئه وعلاقته بخالقه ومنشئه , ودوره في هذا الوجود , والعوالم الخافية المستورة وراء هذا الكون المشهود .
الثاني : إحاطة الشريعة بالإنسان , فهي من جانب تصاحب الإنسان طفلاً وشاباً وشيخاً , بل إنها تعنى به قبل ميلاده , وبعد وفاته , فهناك أحكام الجنين وأحكام تتعلق بالموتى , من غسل وتكفين وصلاة وقسمة ميراث , ونحو ذلك , وكما عينت الشريعة بالفرد عنيت بالمجتمع في كل المجالات التي تهمه : الاجتماعية , والاقتصادية , والسياسية .
الثالث : الشريعة قانون شامل يضم كل القوانين التي سماها البشر بأسماء مختلفة , كالقانون الدستوري , والقانون المدني , والقانون الإداري , والقانون المالي , والقانون الجنائي , والقانون الدولي .
5 ــ التوازن :
إن الموازنة بين الحقوق والواجبات , والموازنة بين الحقوق بعضها مع بعض , والموازنة بين مطالب الروح والجسد أمر عسير ليس بالسهل , فالإنسان يغرق بطبعه في الميل إلى أحد الجانبين , وهذا الميل يسبب فساداً المجتمع .وقد جاء الإسلام بتشريعه حافظاً على التوازن , فأمر الإنسان بعبادة ربه , ولكنه أمره أن يصرف شيئاً من اهتمامه لنفسه وأولاده ومجتمعه , وجعل ذلك نمطاً من التعبد , وأمره أن يصرف هممه للدار الآخرة ونهاه عن أن ينسى نصيبه من الدنيا ووازن بين مطالب الروح والجسد , كل ذلك وفق توازن عجيب يبرز خصائص الإنسان , ويقيم الحياة على نحو فريد .
6ــ الايجابية الفاعلة :
إحدى السمات البارزة في ثقافة الأمة الإيجابية الفاعلة ، فالإسلام يأمرأتباعه بالسعي في الأرض و إعمارها ، وفي مجال الحياة الاجتماعية لا يتوقف عند النهي عن الإفساد في الأرض بالقتل و السرقة والزنا وشرب الخمر و تخريب الحضارة و العمران ن ولكنه يأمر بالإصلاح و التعمير، بالتعاون على البر و التقوى و النهي عن التعاون على الإثم و العدوان قال تعالى :
{وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} المائدة 2إن الثقافة الغربية تقول : لا تؤذ غيرك ، لاتؤذ جارك ، لا ترم الأذى في الطريق ، ولكن الإسلام يقول ذلك ويضيف إليه أحسن إلى غيرك , أحسن إلى جارك , أمط الأذى عن الطريق
قال تعالى:
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} النحل 90
وفي الحديث (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , والحياء شعبة من الإيمان ).
7ــ الواقعية :
ليس المراد بالواقعية الرضا بالحال التي عليها الإنسان في حال سموه ،وفي حال انحداره ، كما هو حال الأدب الهابط الذي يصف الواقع المريض الذي يعيشه كثير من البشر، و لكن المراد بالواقعية أنها تضع التشريعات للإنسان من حيث هو إنسان , فالإنسان فيه القوة والضعف , يعلو أحياناً ويهبط أحياناً , وهو بحاجة إلى الشريعة التي ترقى به إلى مدارج الكمال , وتثني على استقامة إذا استقام , وتبصره بخطئه حين يخطىء , وتفتح له باب التوبة إذا عصى , وتشرع له الرخص التي يأخذ بها حين الضعف والمرض وعدم القدرة على العمل , والشريعة الإسلامية هي التي تفعل ذلك كله , أحلت الطيبات وحرمت الخبائث , وأحلت للمضطر تناول ما حرم عليه من الطعام , وأوجبت الوضوء للصلاة , وأباحت التيمم حين فقد الماء أو حين عدم القدرة على استعماله , وألزمت بالصلوات في أوقاتها بأعدادها المقررة , ورخصت بالجمع والقصر في السفر , وشرعت الفطر للمسافر في رمضان .وجانب آخر هو أن الشريعة لا تكلف البشر فوق ما يطيقون , بعكس الشرائع التي ترهق الناس بالتكاليف التي تسبب لهم العنت والإرهاق , فتصبح بذلك آصاراً وأغلالاً .أخيراً .... أن تكون التعاليم الإسلامية ممكنة التطبيق في الحياة بالشكل الذي يتناسب مع عالم الواقع .
8 ــ الحركة حول محور واحد:
المنهج الذي يسير عليه البشر البعيدون عن الوحي السماوي خليط من الأفكار والمبادئ والعقائد والتصورات , وهذه قد تتضارب فيما بينها وتلك طبيعة المبادئ الأرضية قال تعالى :
{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا
كَثِيرًا} البقرة82وهذا الاختلاف والتضارب في المناهج يمزق النفس الإنسانية , ويجلب لها الصراع الذي ينتج الهموم والحيرة والقلق .أما في الإسلام فأن حياة المسلم تدور حول محور واحد ثابت , فهو يؤمن بالله رباً واحداً لا شريك له ، فلا تعدد في الأرباب ولا الآله
(سندس دويدي)

