مونو دراما
(( النصيب ))
تأليف
:
محمد عكاشة
( يفتح الستار يدخل على خشبة المسرح رجل جالسا على كرسى بعجل و يبدو انه مشلول )
يااااااه , معقول . معقول كل اللى حصل ده . معقول انا السبب ف موتهم . مش قادر اتخيل ولا اتصور اللى حصل . ذى ما تكون الحادثة كانت امبارح . روحهم مش عايزة تفارقنى . من ساعت ما فوقت من الغيبوبة و حاسس ان روحهم بتطاردنى ف كل مكان ......
لالالالالالا........ صدقونى انا مليش ذنب ف كل ده . و الله كان غصب عنى ..
( بغضب ) بس بقى . كفاية بقى لحد كدة . انتوا ليه مش عايزين تصدقونى . ليه . ليه دايما بتبصولى على انى خاين و مستهتر و عديم المسؤولية . هو ده اللى اتعلمتوه من امكم . ليه كده . ده انا ابوكو برده . و لازم تحسو بيا ...
كل الحكاية ان انا حبيت بجد . تفتكروا المفروض انى ادفع ثمن حبى ده . ياريت الايام دى كانت دامت ......
ياااااه .. ( بكاء بسيط بضحك ) شفتوا بقى اديكوا رجعتونى ٨ سنين فاتوا ..
( يبدا المسرح باظلام تدريجى اثناء حديث الشخص )
كانت اجمل فترة ف عمرى . حبينا بعض و عشت احلى ٣ سنين ف حياتى . بس تقولوا ايه بقى عالزمن .
( بلاك تام ثم اضاءة تدريجية حتى تضاء مقدمة المسرح وباقى المسرح معتم ثم بعد ذلك يظهر الشخص على المسرح بدون كرسى ,, دليل على ان المشهد ف الماضى )
اول ما شفتها حاجة غريبة شدتنى ليها . و ذى ما اكون لقيت حاجة روحى كانت بتدور عليها . و من ساعتها قلبى مبقاش يدق غير كلمة بحب .. عارفين يعنى ايه روح بنى ادم هى اللى بتدور على الحاجة و فجأة تلاقيها . يعنى الحاجة دى تساوى حياته .........
منة كانت احلى حاجة ف حياتى . كانت بالنسبالى الهوا و النفس اللى كنت بتنفسوا . كانت بالنسبالى الحياه . الروح . الروح اللى مكانتش بتفارقنى حتى و هى غايبة .....
غصب عنى . من شدة حبى ليها كنت ببقى قاسى اوى عليها .. لكن الجميل فى الحكاية انها كانت بتخلى القسوة دى رماد نار .
حياتى معاها كانت مستمرة من غير اى مشاكل . كانت عاملة ذى السما ف وقت صفاها ..
ف يوم قابلتها و كنا قاعدين مع بعض ف الجنينة ....
( يتحر ك الى منتصف منتصف المسرح وتظهر بؤرة عليه و اظلام تام فى باقى المسرح )
عاملة ايه يا حبيبتى ......... يارب دايما تكونى بخير ...... انا بخير طول مانتى بخير و بوجودك جنبى ..
وحشتينى جدا الكام يوم اللى فاتو ....
يعنى بجد انا وحشتك ذى مانتى وحشتينى . . . ربنا يخليكى ليا و ميحرمنيش منك يا اجمل قلب فى الدنيا . . قد ايه انا نفسى اجبلك الدنيا كلها لحد عندك .. انتى الوحيدة اللى بحس جنبها بالامان . انتى راحتى ف الدنيا و غير الدنيا ....
بجد لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقى احن ولا ارق ولا اغلى منك .. انتى حد كبير اوى عندى . حد من غيرو الحياه متتعاش و الايام متعديش ..
اوعدينى ميفرقش بيننا غير الموت !!!
( صمت لحظة , ثم يضحك بسخرية )
( و يقوم بالتوجه نحو مقدمة منتصف المسرح )
تصدقوا فعلا مفرقش بيننا غير الموت .. كانت مخلصة فى وعودها حتى فى الحاجة الى الناس كلها بتخاف منها ..
كنت فاكر ان اصعب حاجة فى الدنيا لما تفارق حد عزيز عليك و يموت .. بس اكتشفت ان الاصعب لما قلب البنى ادم يموت جواه و هو لسة حى .. على الاقل اللى بيموت بيسبلنا ذكريات جميلة جوانا نفتكروا بيها .. انما اللى قلبه بيموت مش بيسبلنا غير شوية صدمات بتخلينا نتمنالو الموت فى كل لحظة ....
بالظبط ذى ما انا عملت معاها . بالظبط ذى ما جردت نفسى من كل مشاعر الرحمة و الانسانية ساعتها .. يوم ما اتسببت فى موتها ......
يوم ما قابلتها و كانت الفرحة ماليه عيونها وهى بتقولى ... ازيك يا حبيبى ...... ياريت تنسى الكلمة دى بقى ..... مسكينة معرفتش ترود تقول ايه .. كانت لازم تفضل ساكتة .. ما هو اصعب احساس فى الدنيا لما يطعنك اقرب الناس ليك من غير حتى ما تعرف السبب و من غير حتى اى مقدمات .... اصعب يوم عمرى ما عملت حسابه يوم ما اتكتب علينا نمشى فى طريقين عكس بعض ....
وصل بيا الحال انى اقسى عليها و استخسر حتى اقولها سبب بعدى عنها .. تفتكروا فى قسوة اكتر من كدة ...
( بانفعال ) ما انا كان لازم اعمل كدة . . كل ده عشان بحبها و مكنتش عايزها تزعل فى يوم من الايام . مانا مكنش ينفع اسيبها لليوم ده . مكنش ينفع تلاقى نفسها فجأة لوحدها ....
( بخشوع ) غصب عنى كان لازم اعمل كدة و اكون قاسى عليها عشان تبعد خالص .... مكنتش عايزها تشوف اليوم ده . كان لازم اعمل كده .. خاصا بعد ما تعبت و روحت للدكتور و قاللى .......
( بصوت الدكتور )
انا اسف انى هقولك الكلام ده بس مش من مصلحتك انى اخبى عليك ........ خير يا دكتور قلقتنى ........ بعد ما كشفت عليك طلع عندك القلب و للاسف انت جيت متاخر حتى العمليه احتمال نجاحها يكون ضعيف ......
قلت لنفسى حتى لو عشت و ممتش بدرى .. ( بثورة ) يعنى هعيش قد ايه سنة . اتنين . تلاتة . عشرة .. ( بهدوء ) ما انا برده مسيرى هموت و اسيبها لوحدها .. مكنش ينفع اكون انانى ....
على قد ما زعلت و مكنتش قادر اتحمل .. بس كان لازم اجى على نفسى و اضحى عشانها ...
و طلعت بضحى عشان القدر يقول كلمته .. ساعت ما عرفت انها جريت منهارة بعد ما سيبتها و مشيت . جريت و هي منهارة ( نسمع صوت فتاة تجرى و هى تبكى ) .. جالها صدمة عصبية و ماتت ف الحال ...
انا كنت عارف انها بتوفى بوعودها . بس مكنتش اقصد ان اللى يفرق بيننا موتها هى ..
( بجنون ) جرا ايه يا زمن . يعنى يوم ما اضحى بنفسى عشان اعز الناس تكسفنى كدة ...
يومها مقدرتش انزل من البيت ولا اكلم حد .. مكنتش قادر استوعب اللى حصل . الموضوع كان بالنسبالى كابوس مرعب .. و الكارثة انى كنت السبب ف موتها .....
شهر يجر شهر . سنة تجر سنة .. دخلت مصحة نفسية و خرجت بعد اربع سنين ...
مش قادر انسى .. العذاب قافش فيا مش سايبنى ...
فكرت اتجوز و اخلف يمكن لو خلفت اقدر انسى كل ده .. انا كنت اسمع ان الاطفال بينسوا الواحد الدنيا و ما فيها ...
بس الزمن كان قاسى اوى المرادى .. خصوصا لما تعرفوا ان كل اللى فات ده كان تمهيد للماساه الحقيقية ...
يوم ما اتجوزت امكم . . . . . لا يا حبايبى و الله مقصد . ده انا كان اجمل يوم ف حياتى يوم ما انتو جيتوا الدنيا .. ساعتها بس ابتديت احس بالراحة .. قلت اكيد ربنا هيبتدى يعوضنى كل اللى فات .. و حسيت ان الدنيا ابتدت تضحكلى من تانى .. الروح كانت ابتدت ترود فيا من تانى . . . يوم ما ربنا رزقنى باحلى تؤام ... منه و جنا ...
بس للاسف امكم عمرها ما حست بيا .. ما كانتش عايزة تسمع غير صوتها و بس .. قعدت تتخانق معايا و داست على كل حاجة بينى و بينها .. حتى الاحترام ....... و كل ده ليه ..
كل ذنبى انى حبيت و مقدرتش انسى .. غصب عنى مقدرتش انسى انها ماتت بسببى ..
جت فى يوم و انا تعبان ....
( اظلام تدريجى و اضاءة ف عمق المسرح على مكان السرير فقط )
( الشخص يبدو نائما على السرير )
ص.الزوجة : انت يا استاذ . انت لسة نايم . ماتفوق بقى . انت لازم تخلصنى من اللى انا فيه ده .. انت لازم تطلقنى ...
الشخص : ( ينهض و هو مجهد ) اطلقك .. هو ده الحل اللى انتى عايزانى اشوفه .. انت جايه تطلبى ده دلوقتى .. طب و البنات هيروحوا فين ...
ص.الزوجة : البنات ( تضحك ) طب كويس انك لسة فاكر البنات .. والله فرحتنى .. انت خلاص . بقيت عايش جوا ذكرياتك . و هتفضل عايش جواها لحد ما تلاقى نفسك مدفون فيها .. انت كل حاجة فيك متحركتش من ٨ سنين . انت للاسف نسيت كل حاجة . نسيت الدنيا ..
الشخص : انا ميهمنيش كلامك ده . حتى لو كل حاجة فيا وقفت من ٨ سنين . بس على الاقل اللى انا فيه ده بسبب انى مؤمن بحاجة اسمها الحب .. تقدرى تقوليلى ايه الحاجة اللى ممكن تخليكى تنسى الدنيا و متفكريش فيها تانى .. . .. مفيش . لو انا حياتى وقفت من ٨ سنين .. فا للاسف انت الاحساس ميت جواكى من زمان .. انا كل الى يهمنى دلوقتى منة و جنا .. دول عيالى ذى ما هما عيالك ..
ص.الزوجة : بس متقولش عيالك .. انا مش هقولك حاول تنساهم . بس هقولك لازم تنساهم . انسى بقى .. انسى . ما انت ناسى كل حاجة من زمان . انسى انى دخلت حياتك اصلا ..
عيالك عايزين اللى ياخد باله منهم و يرعاهم .. عيالك مينفعش يتربوا مع واحد مريض ذيك ..
الشخص : ( بكل استهزاء ) هه هه هه هه مريض . ربنا يسامحك ....
( يفعل حركة كانه انقض عليها بعصبية و يلوى ذراعها )
( بغضب ) البنات فين ..
ص.الزوجة : بفزع ....... ايه ده انت اتجننت ... البنات تحت مع خالهم فى العربية .. هيوديهم عند ماما لحد ما اشوف حل معاك دلوقتى .........
الشخص : ( بغضبب ) قمت زاققها و نزلت جرى عشان الحقكوا قبل ما خالكوا يمشى بيكم . كان هو اتحرك بالعربية قدامى و انا مش عارف اعمل حتاجة . محستش بنفسى غير و انا راكب عربيتى و طاير وراكوا ذى المجنون ...
و اما قربت منكم فضلت اقولوا يقف مرديش يقف .. حسيت وقتها انى لو ملحقتكوش باى ثمن مش هشفكم تانى ....
( صوت اصطدام سيارة يدل على حادث )
( اظلام تدريجى -- يليه اظلام تام ثم تفتح الاضاءة على نفس الشخص و هو جالس على الكرسى الذى دخل به فى البداية )
و حصل اللى حصل . اما فقت قالولى انهم نقلونى المستشفى ساعتها .. و عرفت انى دخلت غيبوبة ٤ شهور . و اما سئلت عليكم قالولى انكم .............
( سكوت ثانيتان يليهم بكاء هستيرى )
انا مش عارف اقولكم ايه . دانتو حبايبى . على الاقل انتوا دلوقتى عند احن و اطيب حاجة فى الوجود . . . . انتوا عند ربنا ...... ......
انما انا اكيد ربنا بيعاقبنى .. عشان معرفتش احافظ عليكم .. تصوروا بعد كل اللى خسرتوا . الدنيا مستكترا حتى تسيبكوا معايا ......
سامحونى انا اللى ضيعتكوا ..... قولوا لربنا يسامحنى .....
(( بانفعال )) جرا ايه يا دنيا . مش ناوية تنسينى شوية بقى .. هتفضلى مستقصدانى كدة لحد امته .....
خلاص مبقاش عندى حاجة تانى اخسرها ..
خلاص يا دنيا مبقاش فاضل غيرى .. مبقاش فاضل غير نفسى عند نفسى .. ورينى بقى هتعملى ايه .....
مبقاش فاضل غيرى عشان تاخديه ... ولا هتيجى دلوقتى و تنسينى !!!
آآآآآآآآآآه ,, آآآآآآآآآآه
يقع الشخص على خشبة المسرح ...
يموت
((( يبدا القرآن الكريم مثل العزاء )))
( يا آيتها النفس المطمئنة .. ارجعى الى ربك راضيا مرضية )
بلاك


ساحة النقاش