من أنا؟ أنا نكرة...

أسرد لكم قصتي بصوت يصرخ وسط آذان صماء. أعيش في بقعة انطفأت فيها شمس الحرية و توارت خلف غمام الطغيان. أحلامي اندثرت كفقاعات فرقعتها أظافر الطغاة. من بين جدران زقاقي أروي لكم حكايتي. أنا طفل عربي.

ذات يوم كانت لي أحلام رسمتها على قماشة المستقبل بفرشاة الأمل. و لكن مشيئة القدر حالت دون تحقيقها. تغير كل شيء في غضون برهة. استيقظت من أحلامي لأجد الظلام يحتضنني ببردته السوداء. لا أبصر حولي سوى الحطام الذي كان يوما بيتا آوي اليه. أفقت على صفعة الزمن المبرحة. أفقت على عويل و نحيب يتصاعد من حناجر شائهة متعبة. نظرت إلى لوحة أحلامي فإذا هي رثة بالية قد خربتها مخالب الظلم. غدت موشاة بدماء الشهداء. لا أرى فيها سوى نثرات الركام التي غشيت الأحلام الوردية و الأماني الليلكية. رأيت نصب عيني أضاريح متكئة على أكتاف المشيعين تسير إلى مثواها الأخير. عندئذ لمحت تابوت طفولتي يحلق وسط التوابيت. أدركت على حين غرة ان طفولتي قد وافتها المنية. تجردت من براءة الطفولة و ارغمني الزمن ان أتقمص كيان رجل. شاخت روحي و هرمت بينما أظافري ما زالت ناعمة. بدأت حياة الكدح و الكد و سنين عمري لا تتجاوز أنامل اليد. أقتفي أثر مستقبلي المهشم الضائع باحثا عن رذاذه في يم الركام. 

أنا كسائر الأطفال لا أنام إلا على صوت أغنية عذبة. في كل ليلة تطرق سمعي ترانيم تغنيها فوهات البنادق. دوي شظايا طائشة تعدو فتجتاح ضلوع أحدهم. أسمع ذلك الإيقاع الأعجف فتنتابني رعدة تشي بذعر صامت و أطبق اجفاني محاولا أن اغفو على هدهدة السلاح. 

هذه حكاية الطفل النكرة ذا الحقوق المجهفة. سعادتي ولت مدبرة و اتخذت الدموع من جفني لحافا. و لكن ما زال بصيص الأمل قابعا في ركن صغير منزويا في فؤادي. ذاك البصيص يذكرني أن اعيش لأجد أشلاء مستقبلي. يخبرني أنه قريبا سيولد اليسر من رحم العسر. 

بقلم: مينا

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 360 مشاهدة
نشرت فى 27 يوليو 2019 بواسطة Mrshkh

عدد زيارات الموقع

73,879