الالتزام بحماية البيئة البحرية

أولاً: المبدأ العام:

أوضحت مراجعة مختلف الاتفاقيات الدولية، التى تناولت بالتنظيم حماية البيئة البحرية والحفاظ عليها وإجراءات ذلك، وجود قاعدة عرفية دولية مستقرة تتمثل فى التزام الدول بالحفاظ على البيئة البحرية وحمايتها. لذلك كان منطقياً أن تستهل اتفاقية قانون البحار أحكام البيئة البحرية بهذه القاعدة كمبدأ عام فى المادة 192 تحت عنوان التزام عام ، إذ قررت أن "الدول ملزمة بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها".

يستفاد من هذه القاعدة أن الالتزام يسند إلى كافة الدول ساحلية كانت أو غير ساحلية ومتضررة جغرافياً (لما لها حق النفاذ إلى البحار واستخدامها وفق أحكام القانون الدولى وما تضمنته اتفاقية قانون البحار).

وطبيعى أن يقال أن هذا الالتزام – إعمالاً للمبادئ العامة فى قانون المعاهدات التى تقضى بنسبية آثر المعاهدات – ينصرف فقط إلى الدول الأطراف بالاتفاقية، غير أن هذا القول ليس سليماً لسببين:

أولهما: أن الالتزام الواردة بالمادة 192 يأتى تطبيقاً وتقنيناً عاماً لالتزام استقر فى العرف الدولى استناداً إلى تواتر الأخذ به فى العديد من الاتفاقيات الدولية وغيرها من الوثائق الصادرة على المستويين العالمى والاقليمى.

ثانيهما: أن هذا الالتزام يمتد آثره إلى كافة الدول حتى تلك التى ليست بأطراف فى الاتفاقية أى التى تعتبر من الغير بالنسبة لها، بحكم أنه يأتى فى إطار تنظيم لمسألة موضوعية تهم المجتمع الدولى كله، وهى المتعلقة بحماية البيئة البحرية.

من جهة أخرى يبين من القاعدة أن الالتزام له شقان:

أحدهما وقائى، وهو الالتزام بحماية البيئة البحرية أى اتخاذ كافة الإجراءات والتدابير المناسبة التى تكفل بقدر الإمكان تجنيب البيئة البحرية مخاطر التلوث.

وثانيهما علاجى، وهو الالتزام بالمحافظة عليها باتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات لمعالجةة ما قد يصيب البيئة البحرية من تلوث والحد من مخاطره أو التخفيف منها.

والالتزام بشقيه هو التزام ببذل عناية أى ببذل الجهد الكافى والممكن لدى الدولة من أجل الحماية والحفاظ على البيئة البحرية، ويختلف هذا الجهد بالطبع بحسب قدرات الدولة وإمكاناتها الفنية العلمية.

ولا يقتصر مدى هذا الالتزام على المساحات البحرية الخاضعة لسيادة الدولة الساحلية أو لولايتها الاقليمية، فهو إذن التزام عام تتحمله كافة الدول لتعلقه بالصالح العام للجماعة الدولية وبمفهوم الاتفاقية بالصالح العام للبشرية.

ولا نغالى إذا قلنا أنه صار يشكل قاعدة آمرة فى القانون الدولى المعاصر، وعموماً فقد أوضحت نصوص الاتفاقية مضمون الالتزام ومداه.

فقد قررت المادة 193 الالتزام بالحق السيادى للدول فى استغلال مواردها الطبيعية، حيث قررت " أن للدولة حق سيادى فى استغلال مواردها الطبيعية عملاً بسياستها البيئية ووفقاً لالتزامها بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها"

بما يفيد أن الدولة فى سعيها نحو تحقيق مصالحها الاقتصادية الوطنية من وراء استغلال الموارد الطبيعية، عليها أن تراعى ، وحتماً، التزامها احترام الصالح الجماعى الدولى فى حماية البيئة البحرية والمحافظة عليها وإلا اعتبر تصرفها خروجاً على القانون الدولى يحملها المسئولية القانونية الدولية.

فى إطار هذا الالتزام العام، تتخذ الدول فرادى أو جماعات ، جميع ما يلزم من تدابير قانونية لمنع تلوث البيئة البحرية، وخفضه والسيطرة عليه، أيا كان مصدره مستخدمة لهذا الغرض أفضل الوسائل العلمية المتاحة لها والمتفقة مع قدراتها، وأن تعمل على الموائمة بين سياساتها فى هذا الخصوص وأن تتخذ التدابير اللازمة لضمان أن تجرى الأنشطة فى المناطق الخاضعة لولايتها أو لرقابتها بحيث لا تلحق ضرراً عن طريق التلوث بدول أخرى وبيئتها، وأن لا ينتشر التلوث الناشئ عن هذه الأنشطة إلى خارج المناطق التى تمارس فيها حقوقاً سيادية (أى فيما وراء المنطقة الاقتصادية الخاصة والجرف القارى)، ويتعين أن تتناول تلك التدابير جميع مصادر التلوث.

أشارت المادة 194/3 إلى بعض مصادر التلوث التى قد تشملها التدابير المشار إليها وهى:

<!--إطلاق المواد السامة أو الضارة أو المؤذية خاصة تلك المستمدة من مصادر برية أو من الجو أو خلاله أو عن طريق الإغراق.

<!--التلوث من السفن.

<!--التلوث من المنشآت المستخدمة فى استكشاف أو استغلال الموارد الطبيعية لقاع البحر وباطن أرضه.

<!--التلوث من المنشآت والأجهزة الأخرى العاملة فى البيئة البحرية

وعلى الدول فى اتخاذها للتدابير السابقة الامتناع عن التعرض الذى لا يمكن تبريره (التعرض التعسفى) للأنشطة التى تقوم بها دول أخرى ممارسة لحقوقها وعملاً بواجباتها وفق أحكام الاتفاقية، وكذلك العمل على عدم نقل الضرر الناتج عن التلوث أو خطره – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – من منطقة إلى أخرى أو تحول نوع من التلوث إلى نوع آخر.

وعلى الدول أن تتخذ جميع ما يلزم من التدابير لمنع وخفض تلوث البيئة والسيطرة على هذا التلوث الناتج عن استخدام التكنولوجيا تحت ولايتها أو رقابتها، أو من إدخال أنواع غريبة أو جديدة عن قصد أو بصورة عرضية، على جزء معين من البيئة البحرية يمكن أن تسبب فيه تغيرات كبيرة وضارة بالبيئة.

 

الالتزام بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها بحدوده ومداه التى أوضحتها اتفاقية قانون البحار لا يخل بأية التزامات محددة تتحملها الدول الأطراف بموجب اتفاقيات خاصة أبرمتها فى وقت سابق تتصل بحماية البيئة البحرية أو بما قد تبرمه بعد ذلك من اتفاقات لذات الغرض، مع مراعاة أن يكون تنفيذ هذه الالتزامات متماشياً مع أهداف اتفاقية قانون البحار ومبادئها العامة.

أمانى إسماعيل
باحثة دكتوراه

فى العلوم الاقتصادية والقانونية الادارية البيئية
معهد الدراسات والبحوث البيئية
جامعة عين شمس

المصدر: أ. د/ إبراهيم العنانى - أستاذ القانون الدولى - كلية الحقوق - جامعة عين شمس
MedSea

أمانى إسماعيل

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 125 مشاهدة
نشرت فى 3 يونيو 2015 بواسطة MedSea

ساحة النقاش

MedSea
موقع خاص لأمانى إسماعيل »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

692,880