
منذ أيام دخلت على أحد أصدقائي غرفته.. كان جالسا أمام جهاز الكمبيوتر، وعلى الشاشة وجدته يتصفح مدونة "وائل عباس" الشهيرة "الوعي المصري".. طلب مني صديقي مشاهدة الفيديو الأخير الذي وضع "وائل عباس" وصلته على يوتيوب، وهو الفيديو الذي سماه "عباس" بـ"ضعيف يا عبد الرسول"، وهو آخر ما ظهر من مسلسل فيديوهات التعذيب داخل أقسام الشرطة، وبينما كنت مستغرقا في مشاهدة الفيلم فوجئت بصديقي يجهش فجأة بالبكاء، وانهمرت الدموع من عينيه.. تصور ذلك!
الشيء الذي لم أعرفه أن صديقي بالغ الحساسية لدرجة أن الفيلم أثر فيه إلى درجة البكاء، وبعدما استطعت تهدئته عاد صديقي لحالته الطبيعية وراح يسب رجال الشرطة، وأضاف:
"مستني إيه من واحد دخل كلية الشرطة برشوة.. ما هو مافيش حد بيدخلها دلوقتي إلا لما يكون ابن ناس ومعاه فلوس يرشي عشان يبقى باشا!"
دعك من أن صديقي ربما كان مرهف الحس أكثر من اللازم أو ربما أكون أنا اللي ماعنديش دم ولم أتأثر كثيرا، وتعالوا بقى أقول لكم محتوى فيديو التعذيب الأخير.. الفيديو لا يظهر سوى "عبد الرسول" والمتهم، والأول كما يبدو مخبر يقوم بضرب متهم بقوة على قفاه، بينما صوت الباشا ضابط الشرطة يأتي من خارج الكادر محمسا "عبد الرسول" على أداء واجبه بعبارات مثل: "ضعيف يا عبد الرسول"، فيتحمس "عبد الرسول" ويضرب بقوة أكبر، لكن الباشا الضابط لا يقتنع بأداء مخبره، الذي لا يراه في "موده" اليوم..
ما الجديد في الفيلم؟ لا جديد.. هو مجرد حلقة جديدة من مسلسل الفيديوهات المجنونة التي تبرز أهوال التعذيب في أقسام الشرطة، وهي لا تساوي شيئا أمام ما نسمعه من المتهمين أنفسهم الذين يلاقون أضعاف أضعاف ما يسجل فعليا بالصوت والصورة ويظهر وينشر على الملأ.. فقط تخيل أن ما رأيناه هو ما سجل وتسرب بطريقة ما إلى أصحاب المدونات، فكم إذن عدد الفيديوهات التي لا يزال ضباط الشرطة يحتفظون بها على موبايلاتهم باهظة الثمن ذات الكاميرا المدمجة؟ بل كم عدد حوادث التعذيب التي تجري يوميا دون أن يكون ضابط الشرطة المكلف بها مجنونا ساديا فلا يقوم بتسجيل جريمته على ذاكرة موبايله، إنما يحتفظ بها في ذاكرته ليرويها لأصدقائه في سهرة صيفية جميلة؟
كم من وقائع التعذيب جرت قبل أن يظهر هذا الاختراع المسمى بالموبايل ذي الكاميرا؟ كم من الجرائم تتم دون أن تسجلها عدسة الموبايل؟ كم من الجرائم مسجلة فعلا ولم يحالفها الحظ بعد بالسقوط في يد جريئة تنشرها أو على الأقل تبعث بها إلى "وائل عباس" وأمثاله؟..
لكن السؤال الأهم.. هل هذا فعلا هو ضابط الشرطة؟ هل كل ضباط الشرطة "باشاوات" لم تدخلهم كلية الشرطة سوى الرشا (جمع رشوة) والنسب والعائلة الكريمة أو حتى الواسطة؟ هل كل ضباط الشرطة وحوش آدمية تمشي على قدمين؟
حسنا.. لن أجيب بنفسي على هذا السؤال، ولأحكي لكم واقعة أخرى لابد أنكم سمعتم عنها، أو قرأتم اسم بطلها بالمصادفة في شريط أخبار القناة الأولى، أو حتى سمعتم عن قصص سابقة مماثلة..
"محمد عبد الكريم حسن" ضابط شاب، يحمل رتبة "ملازم أول"، كان واقفا في خدمته أعلى محور المنيب، وفجأة سمع استغاثة امرأة من سيارة ميكروباص عبرت أمامه.. "محمد" لم ينسَ أنه ضابط شرطة، وأن واجبه الأول والأخير هو إغاثة الملهوف، واستقل سيارة الشرطة مع مجندين آخرين، وظل يتتبع الميكروباص لفترة طويلة، من أعلى المحور حتى ترعة المنصورية وحتى شارع جانبي داخل المنطقة الجبلية.. كان دافع الواجب هو المتحكم في "محمد عبد الكريم"، وهو يتبع المجرمين في إصرار، حتى تمكن من تخطي الميكروباص وإجباره على التوقف.. غادر الضابط الشاب سيارته وراح مع المجندين يلقون القبض على المجرمين، وفجأة التقط أحد المجرمين سلاح الضابط الشاب، وأطلق على رأسه النار...
وفي لحظات معدودة فقد الضابط الشاب حياته!
نعم.. مات "محمد عبد الكريم"، لكن بعد أن أدى واجبه على أكمل وجه.. تمكن من إنقاذ الفتاة البريئة التي اختطفها المجرمون من ميدان الجيزة.. صحيح أنها كانت مهمته الأخيرة، لكنه أنجزها ودفع حياته ثمنا لنجاحها.. "محمد عبد الكريم" لم يفعل ذلك انتظارا للقب "بطل" من صحيفة، أو لجنازة عسكرية مهيبة يلتف بها جسده أو حتى لترقية الرئيس "مبارك" له من "ملازم أول" إلى "نقيب".. بالتأكيد لم يؤدِ "عبد الكريم" واجبه انتظارا لشيء من هذا كله!
هل يمكن ب


ساحة النقاش