الثقافة العلمية .

          لم تنتزع الثقافة العلمية مكانتها بسهولة بل ظلت في صراع عبر زمن طويل مع المفاهيم الخاطئة لطبيعة العلم، وكان ومازال هناك خلط واسع بين العلم والعقلانية أو بينه وبين البديهيات common sense وبينه وبين التكنولوجيا. فالعلم لا يعبر عن إدراك بديهي بل هو مرتبط بأسلوب خاص في التفكير قد يكون مضادا للتفكير البديهي الذي يتعرض لأخطاء ضخمة عند تطبيقه على مشاكل تحتاج إلى نظام تفكير كمي صارم. والتكنولوجيا أقدم من العلم ومعظم ما تم تحقيقه في الزراعة والآلات البخارية لم يعتمد على العلم.

          ويقول لويس وولبرت في «طبيعة العلم غير الطبيعية» إن المجتمع العلمي أصبح الآن معتاداً على محاولة شرح مجالات عمله للجمهور، بعد أن تخلى العلماء عن فكرة «أن تبسيط العلوم عملية مثيرة للريبة». ويرى أن الأمل المنشود هو أن تفهم الجمهور للعلم سيؤدى إلى تفهم أكثر ومقدرة أصح على اتخاذ القرار في مسائل مثل البيئة والهندسة الوراثية وغيرها من المواضيع العلمية المهمة. وهناك أيضا إحساس بأن تفهم الجمهور للعلم سوف يجعله محبا له.

          ونشر الثقافة العلمية كفيل بحماية المجتمع من الاستخدامات السيئة للعلم، لأن لوم العلم بسبب القنبلة الذرية أو التلوث الصناعي يمثل فشلاً في تفهم طبيعة اتخاذ القرارات في مجال استخدام العلوم التي هي في حقيقتها قرارات سياسية واجتماعية لا تتعلق فقط بالاكتشافات العلمية، من هنا أهمية انتشار الثقافة العلمية بين المثقفين والسياسيين الذين يؤثرون في هذه القرارات. ويقول إيزاك أسيموف «إن الجمهور الذي لا يفهم كيف يعمل العلم يمكن بسهولة أن يقع ضحية للجهلاء الذين يسخرون مما يجهلون، أو لأصحاب الشعارات الذين يزعمون أن العلماء اليوم هم جنود مرتزقة في خدمة العسكريين».

          وتحل الثقافة العلمية الآن محل المفهوم التقليدي عن الثقافة الذي كان مقصورا على التعامل مع المجالات الفكرية والأدبية والفنية. وفي عام 1959 نشر س. ب. سنو عن وجود ثقافتين ترتبط إحداهما بالعلم والأخرى بالإنسانيات والفنون. وانتقده الناس لاستعماله كلمة ثقافة، فالبعض أنكر أن العلم رافد من روافد الثقافة حسب رأي نيتشه بأن العلم باختزاليته وماديته حرم الإنسان من مكانته الخاصة.

          وحسب التعريف الشائع للمثقف أنه الحاصل على معارف في مجالات شتى خاصة الأدب والفلسفة، لا يمكن بهذا التعريف دخول أكثر العلماء شهرة في دائرة المثقفين. ويدحض كتاب «الثقافة الثالثة» لجون بروكمان 1995 هذا التعريف الشائع للثقافة والمثقف، حيث نعاصر الآن نوعا جديدا من الثقافة هو الثقافة العلمية.

          ومع الإدراك الحديث بأن الثقافة العلمية تحل بالتدريج محل الثقافة بالمفهوم التقليدي، وأنها بدأت تجيب عن الأسئلة الرئيسية التي كانت مقصورة على الفلسفة والعقائد مثل أصل الحياة والكون، فإن من واجب الترجمة العلمية الالتصاق بالكتب العلمية والتقنية البحتة، ومعاملة النصوص العلمية التي تخلط بين العلمي والعقائدي بحوار بناء.

 

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 97 مشاهدة
نشرت فى 2 أغسطس 2011 بواسطة MOMNASSER

ساحة النقاش

د .محمد ناصر.

MOMNASSER
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

421,822