تنعكس خطورة اتجاه الشباب إلى الإلحاد على الشباب انفسهم و على المجتمع حيث يفقد الإنسان هويته و انتماءه العقائدي و يصبح ضائع الروح مشتت فاقد الدعم و السند الروحي و الاسري و الاجتماعي، و على المستوى الاجتماعي يتحرر الملحد من كل القيود الدينية والأخلاقية، و يتجه نحو ممارسة كل أشكال الحرية و قد يصل إلى ارتكاب المحرمات و يتعدى على الأموال والأعراض، حيث لا يوجد في اعتقاده بعد الموت ثواب أو عقاب.
لقد أدى الانفتاح الإعلامي إلى انتشار فكر الإلحاد بين ابناء الأسر المتدينة خاصة مع وجود فكر تكفيري متشدد تدفع الاحداث الساخنة فط العالم كله إلى ابرازه و تغطيته، و تبني بعض المؤسسات العالمية نشر الإلحاد في الأوساط العربية والإسلامية، ودعم هذه المؤسسات للكثير من الحسابات الموجودة في شبكات التواصل الاجتماعي وفي مقدمها «فيس بوك» و«تويتر» و انستجرام، و غيرها من المنصات، التي تشجع على اثارة الكلام و النقاشات مع الشباب و تخلب بيئة حرة لطرح الاسئلة و الافكار دون ان يجد هؤلاء الشباب الردود المقنعة على بعض الشبهات العقدية، ما يدفع الشباب ان يرى أن الدين يقف عائقا دون تحقيق رغباته و احتياجاته،
لقد اتاحت وسائل الإعلام و الاتصال تدفقا كبيرا للمعلومات في اتجاهات متحيزة، ما أدى إلى احداث خلل معلوماتي بالغ الأثر،
تشير كلمة الخلل إلى الاضطراب و فقدان التوازن، و ارتبط مصطلح الخلل المعلوماتيinformation dissorder بالإعلام الرقمي، Digital media ،. و نشر التحيز و التعصب و إعادة إنتاج خطاب الكراهيه و الاخبار الزائفة، و التضليل و التلاعب بالعقول بل و الأرواح ايضا، و هو اداة من ادوات الحروب الان لطمس الهوية و دعم افكار تدمر الذات و المجتمعات، بالإضافة إلى تحقيق باقي هداف الخلل المعلوماتي من الناحية الاقتصادية ، و السياسية ، و الاجتماعية، ث
و قد تحدث المتخصصون عن اثر الخلل المعلوماتي على الجمهور عبر منصات التواصل الاجتماعي الذي يتضاعف عن اثره عبر الوسائل التقليدية، فعلى تويتر يكون الأثر اسرع بستة اضعاف من الأخبار عبر وسائل الإعلام التقليدية، مع التوضيح ان الخلل المعلوماتي يحدث على فترات طويلةو خطط استراتيجية عميقة و مدروسة، يعرفها جيدا واضعو السياسات على منصات التواصل الاجتماعي، مثل مجلس الحكماء في الفبسبوك الذين يحددون ما نعتبره صح و خطأ، و يدرسون المجتمعات عن طريق الهندسة الاجتماعية،. و يقودون الافكار بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، و بلغ الامر إلى حد خداع المستخدمين لارتكاب أخطاء امنية، و كثير من الأنشطة الخبيثة التي تتم من خلال التفاعلات البشرية،
و برمجة البشر من خلال قراءتهم و تتبعهم،
٣ اساليب لخدمة اهداف الهندسة الاجتماعية
٢ السياق المفقود تقديم المعلومات بطريقة مضللة
٢ تحرير مخادع
التحول الخبيث تعديل الفيديوهات ديب فيك
( مجموعة لقاءات مع متخصصين في الورشة التدريبية التي عقدت في كلية الاعلام جامعة القاهرة بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ناومان الألمانية سبتمبر ٢٠٢١)
كل هذا مع غفلة أجهزة الإعلام طوال عقود مضت عن دعم الرغبة في الوعي و التطوير الذهني و الواقعي بقدر ما دعمت تطلعات استهلاكية تخدم الجهاز الإنتاجي الرأسمالي في إضافة زبائن جدد لسلعه المتجددة. لكن الإعلام الذي يساهم في التنمية يقدم أخباراًَ عن الخطط القومية، وعن أبطال العمل التنموي الذين يتعين أن يكونوا قدوة للآخرين، وأن يساعدوا الدولة في ضبط آمال وتطلعات المواطنين، ومرافقتها لخطة التنمية، لا تسبقها ولا تتخلف عنها، كما ينبغي أن تغرس في نفوس الناس أن مطالبهم واحتياجاتهم يتعين أن يفكروا فيها من خلال أوضاع المجتمع ككل وأن يتأكدوا أن تقدم المجتمع وتطويره سيؤدي إلى تحقيق مطالبهم ().
ولا نبالغ إذا قلنا إن وسائل الإعلام يمكن لها أن تؤدي دوراً هائلاً في إكساب الأفراد حصانة قوية، من خلال مهارات جديدة وتعليمهم سلوكاً جديداً، وقيماً أخرى غير بالية بشرط أن تكون خطة التنمية واضحة على كل الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، لا عن طريق المحتوى الديني فقط بل أن تجسد أجهزة الإعلام هذه الخطة ببرامج ثقافية وترفيهية و برامج الأغاني و الموسيقى والأحاديث المباشرة و الحوارات و غيرها من الاشكال و القوالب الاعلامية الإبداعية . لابد أن يقوم الإعلام بدور في تعميق مفهوم النهوض العملي في سوق العمل، بتنمية الأفراد الذين يؤهلون لدخوله، من خلال تعليم الأفراد والجماعات مهارات جديدة، ونشر الوعي والأفكارالمستحدثة، وثقافة العمل الحر().
بحيث يجد الشباب انفسهم واقعهم و مستقبلهم و احلامهم عبر هذه الاجهزة
-
مشكلة الدراسة وأهميتها:
تكمن مشكلة الدراسة في كيفية تفعيل دور وسائل الاعلام في نشر الوعي و تحقيق التنمية لدعم مشاركة المواطنين في العمليات التنموية في مجتمعاتهم بدءً من تنمية ذواتهم الى تنمية المجتمع و تلبية احتياجاته و تحمل المسئولية تجاه المشاركة في تنفيذ خطط التنمية العامة ، و الحث على ضرورة قيام وسائل الاعلام بدور مؤثر في تطوير حياة الفرد والاسرة والمؤسسة والمجتمع حيث انها تقوم بدور اساسي في التنشئة الاجتماعية وتشكيل الرأي العام وترتيب اولويات الجمهور وقد اصبح مفهوم التنمية و الوعي من المفاهيم التي تحتل مكانة كبيرة في المجتمع بكل فئاته، و اصبحت المشاركة في جهود التنمية امرا حتميا لدفع المجتمع لتحقيق اهداف الجميع وطموحاتهم.
و يستطيع الاعلام ان يقوم بدور كبير في هذا المجال انطلاقا من دوره في التثقيف الاجتماعي والتعليم الذي لم يعد محصورا داخل القاعات الدراسية فحسب بل يمكن للاعلام ان يقوم بدور يوازي دور المؤسسات التعليمية والتدريبية لتحفيز افراد المجتمع على تطوير الذات و خلق بيئة افضل للتعامل بين افراد المجتمع بنقل مهارات اعلى للتواصل الانساني تدعم جهود الدولة لاستثمار طاقات كل مواطن .
تتركز أهمية هذا الموضوع في :
-
اضافة بحث جديد للمكتبة الإعلامية الاجتماعية لتفعيل دور وسائل الاعلام في تنمية الوعي بين الناس و دعم مشاركتهم في خطط التنمية، و القيام بدور فاعل في تحقيق استراتيجية بناء الإنسان.
-
ربط علوم الاعلام و الاجتماع بالقدرة على العطاء و المشاركة المجتمعية في التنمية، وإبراز اهمية استثمار قدرات وسائل الاعلام التقليدية و الجديدة لتنمية وعي المواطنين للحد من الاحباط الذي يواجههم.
-
استثمار معطيات العصر التقنية التي يمكن ان تساعد المواطن العادي في اداء دور في دعم المحتوى الجيد و نشره و رفض المحتوى الهادم .
-
أهمية التوصل إلى مزيد من الفهم لطبيعة عمليات التنمية و دور الاعلام في ترتيب اولويات الناس نحو القضايا الاساسية في المجتمع وفقا لخطط الدولة التنموية، بهدف محاولة تقديم مضامين إعلامية تلاءم أساليب حياة الناس وتقدم لهم موضوعات التنمية البشرية بالأسلوب الأمثل لهم.
-
-الإسهام في رفع حالة المعرفة لدى القائمين على الإعلام الموجه للجمهور المصري حيال الموضوعات المتعلقة بتنمية الوعي و معرفة خطط الدولة و استراتيجيتها لتحقيق التناغم بين اداء كل المؤسسات الفاعلة .
-
التبصير بضرورة مراجعة ما تمليه وسائل الإعلام على المواطنين من أفكار بما يراعي رغبات الناس و احتياجاتهم
-
تعزيز قيم المجتمع نحو التغيير والتطوير من خلال تحفيز الافراد ووسائل الإعلام في دفع المشاركة المجتمعية في جهود التنمية .
الدراسات السابقة :
قدمت الجامعات في العالم مجموعة من الدراسات لدعم وسائل الاعلام لتنمية الوعي و تطوير افكار المجتمع، ففي دراسة عن تمثيليات الراديو بجاميكا في تأسيس التنمية الوطنية والمحافظة عليها. أوضحت الدراسات ان السلطات في جامايكا نتيجة لوعيها بانتشار الأمية وأهمية دور الإذاعة تجاه المواطنين الذين لا يجيدون القراءة و الكتابة، فاستخدمت تمثيليات الراديو كأداة لدفع التنمية الوطنية؛ وخاصة التنمية الزراعية، والتكامل الثقافي، وتنظيم الأسرة، وعدد من البرامج الأخرى لتنمية الموارد البشرية، و أثبتت النتائج أن استخدام هذا المدخل (تمثيليات الراديو) حقق النتائج المرجوة منه بفاعلية. و يمكننا الاستفادة من هذه الدراسات لتطوير استخدام الدراما في معالجة قضايا المجتمع و اقناع الناس بتبني الحلول المتوافقة مع خطط الدولة. ()
وكذلك دعمت دراسة اخرى بكلية الاعلام جامعة القاهرة المفهوم ذاته حول دور الإذاعة في التنمية الثقافية" ، و اثبتت ان الاذاعة نجحت في تحقيق أشكال المشاركة الجماهيرية في البرامج الثقافية، مستخدمة وسائل الإقناع المختلفة في الرسالة الإعلامية والتركيز على الاستمالات المنطقية مع الاستعانة بشهادة المتخصصين ومن لهم مصداقية ومكانة في المجتمع().
بينما اكدت دراسة عن مجموعة دول الكومنولث في افريقيا لمعرفة الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام متمثلة في (التليفزيون / الراديو) في تحقيق وتوفير فرص للتعليم عن بعد وذلك من خلال تخصيص بعض البرامج التي تبثها للاغراض التنموية في عدد من الدول الإفريقية.و أوضحت أن الدول التي وفرت خدمات إذاعية تنموية استطاعت تحقيق نتائج أفضل من غيرها في مجال التنمية البشرية.
و في الدول التي تبنت فيها قطاعات الإذاعة مشرعات تنمية الموارد البشرية، مثل جامبيا، تنزانيا، وزامبيا، استطاعت المضامين الإذاعية أن تقدم ما يدعم هذه المشروعات في تلك الدول. ()
و هذا يؤكد إمكانية التطوير باستخدام وسائل الاعلام الجماهيرية حيث قدمت الدراسة النموذج لنجاح جهود تنمية و استثمار طاقات البشر .
وهكذا تعد وسائل الإعلام مصدرا أساسيا للحصول على المعلومات وتؤدي دورا كبيرا في بناء المعرفة و نشر الوعي، الأمر الذي يساهم في بناء الفرد وتشكيل أفكاره بل و تكوين الوجدان والدفع نحو السلوك في اتجاهات محددة، من خلال عملها على زيادة رصيده من المعلومات التي تنسج مواقفه وآراءه وسلوكياته، ومن خلال اعتماده عليها، فوسائل الاعلام أداة مؤثرة في استحداث وتغيير السلوكيات والممارسات، فمضامينه أصبحت مرتبة للأفكار واصفة للمعايير ناقلة للحياة ().
أهمية وسائل الإعلام :
أصبحت وسائل الإعلام قوة كبيرة من خلال إحكام سيطرتها على مصادر المعلومات التي يعتمد عليها أفراد المجتمع ومجموعاته ومنظماته في اتخاذ القرارات وتحقيق الاهداف، ولاجل ذلك يسعى الأفراد إلى إقامة علاقة اعتماد على وسائل الإعلام لتحقيق ثلاثة أهداف هي:
-
الفهم :معرفة الذات من خلال التعلم والحصول على البيانات، والفهم
الاجتماعي من خلال معرفة أشياء عن العالم أو المجتمع وتفسيرها. -
التوجيه:ويشتمل على توجيه العمل و المثال على ذلك، ماذا تقرر أن تشتري وكيف تحتفظ برشاقتك؟ وتوجيه تفاعلي مثل الحصول على معلومات عن كيفية التعامل مع موقف جديد أو صعب.
-
التسلية: وتشتمل على التسلية المنعزلة مثل الراحة والاسترخاء، والتسلية الاجتماعية مثل الذهاب إلى السينما أو مشاهدة التلفزيون مع الأسرة >
ورغم ذلك تؤكد الدراسات العلمية على عدم المبالغة في أهمية وسائل الإعلام على إطلاقها، فهي ليست الوسيلة الوحيدة لتحقيق أو بلوغ تلك الأهداف، فالافراد يتصلون في نهاية الامر بشبكات داخلية واسعة من الأصدقاء والاسرة وبنظم تربوية وسياسية تساعد هؤلاء الافراد أيضا على بلوغ أهدافهم ولكن قوة وسائل الإعلام تكمن في السيطرة على مصادر معلومات معينة ().
و لا نتحدث عن أهمية وسائل الاعلام في منطقتنا العربية بأوضاعها الخاصة التي لا تخفى على أحد من تراكم للمشكلات و تغييب للوعي، و لكن وسائل الاعلام تحمل الاهمية ذاتها في كل المجتمعات، و قد اكد الباحثون ان الامريكيين يتحدثون عن اصلاح اعلامهم وانه لا يمكن الكلام عن اصلاح امريكا دون اصلاح الاعلام، وان موت كثير من وسائل الاعلام جعل النضال من اجل تغيير وسائل الاعلام اكبر من المعارك السياسية .
بين تفكير العقل المبني على اسباب منطقية وبين تفاؤل الإرادة المبني على رغبة حقيقية في البقاء والمقاومة وتحسين الظروف المحيطة لابد ان نعترف انه ان لم يجد الاعلام طريقا واضحا محددا يلتزم به تجاه مجتمع في اخطر مراحله فهو مهدد كمهنة بالانقراض ومحكوم عليه بالاعدام او بالادق الانتحار لان اهل المهنة هم اساس الحكم .. فهم حاكم ومحكوم عليه ... خاصة و نحن نشهد الان نهاية وسائل الاعلام كما نعرفها.. وظهور وسائل جديدة لم نكن نعرفها لكن عرفناها من خلال تأثيرها .. ويكفي ان خبر وفاة بن لادن لم يتم الكشف عنه بواسطة احدى الشركات الإعلامية الكبرى بل ان تويتر سبق وسائل الاعلام الامريكية في ذلكل، الامر الذي أعطى إشارات مستقبلية لما وصل اليه حال وسائل الإعلام في هذا العصر .
تنمية الوعي() :
في “لسان العرب”: “الْوَعْيُ: حِفْظُ الْقَلْبِ الشَّيْءَ. وَعَى الشَّيْءَ وَالْحَدِيثَ يَعِيهِ وَعْيًا وَأَوْعَاهُ: حَفِظَهُ وَفَهِمَهُ وَقَبِلَهُ، فَهُوَ وَاعٍ، وَفُلَانٌ أَوْعَى مِنْ فُلَانٍ أَيْ أَحْفَظُ وَأَفْهَمُ، و هكذا يدل الوعي في اللغة على فهم الشيء وحفظه والإحاطة به.
أما مفهوم “الوعي” (Cognition) فلهذا المصطلح دلالات عدة، و يظهر التعريف بوضوح من خلال علمين أساسيين في الإنسانيات الحديثة: علم النفس وعلم الاجتماع.
في علم النفس: يشير مصطلح الوعي أولاً إلى حالة “اليقظة” العادية، ويشير ثانيًا إلى قدرة الإنسان المتميزة الخاصة على الشعور بذاته، وتمايز ذاته عن الآخرين وعن الأشياء والكائنات الأخرى.
أما علم الاجتماع : فقد شرع في التركيز على أن الوعي نتاج لتطور فسيولوجي لمخ الإنسان، ولقدرة الإنسان على العمل وابتكار اللغة، وأن الوعي بهذا الشكل يصبح النتاج المباشر لتفاعل المعرفة المكتسبة فرديًّا أو اجتماعيًّا مع الدماغ) المخ(؛ وبالتالي، يصبح اللاوعي جزءًا من الوعي، ويتبادلان في الوقت نفسه التأثير والتأثر” إذن، الوعي- من ناحية عامة- معرفة يكتسبها الفرد من مجتمعه، ومن تفاعله معه؛ وتترسخ هذه المعرفة بحيث تصبح مركزة في اللاوعي، أي في العقل والشعور الباطن لدى الإنسان؛ ثم هي معرفة قابلة للنمو والتطور. ولا يشك عاقل في أن التحلي بالوعي بات ضرورة ملحّة؛ فالكوارث التي عشناها، والهزائم التي اكتوينا بنارها- إنما هي بسبب غياب الوعي المناسب للتحديات المفروضة، وللآمال المعلقة. فالوعي بالتعريف هو جملةٌ من المعتقدات والأفكار والتصورات والقناعات المتغيرة التي تتعين في النهاية بمواقف عمليةٍ وأنماطٍ من السلوك.
إنه، أي الوعي خطابٌ مضمرٌ في الذات، وسلطة تحمل الذات على الممارسة.، أن تشكيل الوعي بعد ثورة الاتصالات صار سريعاً وخطيراً. فإذا كنا سابقًا أمام الأسرة والقرية والمدينة والمدرسة والجامعة والصحيفة والكتاب والمسجد، كأدوات تشكلٍ تشكيل الوعي، فإننا اليوم أمام عالمٍ جديدٍ، عالم الفضائيات، والتواصل الاجتماعي، وشبكات المعرفة، حيث الخطاب شفاهي ومقروء وقاصد ومقصود. فوراء هذا العالم الجديد، زوايا رؤية لا تحصى، وأهداف ذات ارتباطٍ شديدٍ بالأيديولوجيا والمصلحة. صحيحٌ أن المادة المعرفية المتوافرة الآن كبيرةٌ جدًا، لكن ضّخ هذه المادة المعرفية وأشكال تلقينها وتلقيها، تحولها إلى عنصرٍ شبه حاسم في تشكيل وعي الملايين، ولاسيما أن اتساع جمهور التلقي لم يعد محصورًا بقراءة كتابٍ أو جريدةٍ، بل بالصورة والخطاب الشفاهي المؤثر. فالواقعة الحادثة تُنقل على أنحاءَ مختلفة، وتتحول اللغة إلى أداةٍ خبيثةٍ من أدوات الاتصال، وكل ذلك من أجل خلق انحيازٍ ما لدى المتلقي. والحق أننا أمام ثلاث حالاتٍ، تحدد لنا وسيلة اختراق الإعلام للوعي وتشكيله
. الحالة الأولى: حالة الدفاع عن الوعي السائد، انطلاقًا من الدفاع عن الواقع السائد.
أما الحالة الثانية: فهي حالة إنتاج الخطاب الذي يعزز وعيًا نمطيا موروثا لاعادة انتاجه للمستقبل .
أما الحالة الثالثة: فهي تلك التي تنطلق من إعلامٍ يعكس روح العصر، ويسعى إلى تشكيل الوعي بما يتطابق مع روح العصر. وروح العصر هذه، وهي تخترق جميع حدود العالم، إنما هي، حضارة آخر الزمان الراهن، بكل منجزاتها العلمية والقيمية والأخلاقية والاقتصادية والأدبية وأنماط الحياة().
وسائل الإعلام و تنمية الوعي:
كان للجنة الدولية لدراسة قضايا الإعلام المنبثقة عن اليونسكو والتى نشر تقريرها فى عام 1980 نتائج هامة على بنية الاعلام ووظائفه، خاصة فى مجال التنمية، وقد شكلت اللجنة برئاسة شون ماكبرايد وعضوية إعلاميين من مختلف دول العالم وتوصلت الى بعض المعايير التى يمكن أن تشكل مرجعية وإطاراً لأية سياسة إعلامية تنموية باعتبار أن الدور التنموى للإعلام يضع أسساً للحوار الإيجابى بسبب ارتباطه بطبيعة تطور المجتمعات واختلاف الاولويات التنموية ولا يمكن حدوث التنمية دون مشاركة جماهيرية حتى يصبح للاعلام دور حيوى فى توعية الجماهير وتعبئتها من أجل بذل الجهود للتنمية فوسائل الاعلام تقوم بدور فعال فى صياغة الرأى العام وتشكيله إزاء كل القضايا التنموية المطروحة().
ويبرز دور الاعلام فى المجتمعات النامية باعتباره جزءاً من منظومة التعليم والتدريب، وتأتى أهمية استخدام وسائل الاعلام فى الدول النامية من حاجة هذه الدول لدعم خططها التنموية و نشر المعرفة بخطط الدولة وأهدافها، وقد أكدت دراسات أجراها علماء الاتصال و الاجتماع على ذلك المفهوم، و على رأس هذه الدراسات تأتي الدراسة التى أجراها "ولبر شرام" على مائة دولة من الدول النامية لالقاء الضوء على العلاقة بين الاتصال الجماهيرى والتنمية، حيث توصل الى أن معامل الارتباط بين النشاط التنفيذى لوسائل الاعلام وبين نتائج تنفيذ خطط التنمية قد وصل الى 72%، وقد يكون أعلى من ذلك لوجود مجموعة من العوامل السلبية التى تحول دون تنفيذ الخطط التنموية فى كل من التخطيط الاعلامى والتخطيط للتنمية المطلوبة، وبالتالى فإن هذه العوامل السلبية قد أضعفت مستوى الارتباط وقللت درجته. ولابد أن تهتم السياسات الاعلامية فى الدول النامية خصوصاً بدور الإعلام فى دفع خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن طريق تنمية القوى البشرية، و الاستفادة من كل طاقات المجتمع، و كذلك الاستفادة من معطيات العصر التقنية التي تمنح جميع فئات المجتمع فرصاً للمشاركة في عمليات التنمية.
وقد أكد منتدى "براج2000" على أهمية رأس المال البشرى و أوضح أن اقتصاد العولمة يكون ضاراً إذا لم يرتفع رأس المال الاجتماعى ، ويوسع فرص الحياة المتاحة أمام الناس ()..
يستطيع الإعلام العصري التقليدي و الجديد الرسمي و الخاص، توجيه الناس في اتجاهات تحقق استثمار الجهد الإنساني نحو نمو المجتمع وأفراده، بتحفيز و دعم أفراد المجتمع ليشاركوا بالجهد المنظم في تنفيذ خطط التنمية وبرامجها، وتأهيلهم لهذه المشاركة، و عرض التجارب الناجحة المحفزة، و تقليل الاحباط و بث الأمل في نفوس الناس، ليعرفوا ان ما يبذلونه من جهد سيحقق لهم تطورا خاصا في اطار الخطط العامة.
إن وسائل الإعلام مؤسسات اجتماعية تربوية في عصرنا الحاضر ويصل تأثيرها إلى قطاعات عريضة من فئات المجتمع، لذلك يجب استثمارها والإفادة منها لتنمية المهارات اللازمة للسلوك الابتكاري، وتنمية الاتجاهات الايجابية، والتفكير الابتكاري في حل المشكلات، حيث تعتبر وسائل الإعلام من أهم مصادر المعرفة، بل ومن أقوى وسائل ووسائط التربية ()..
ليس المقصود بتبني موضوعات تنمية الوعي ان يتم تقييد الحريات، والافكار و لا ان يتم اكراه وسائل الاعلام على تبني الاتجاهات التنموية المتوافقة مع استراتيجية بناء الدولة، لكن المقصود ان يتفهم الاعلاميون في هذه الحقبة التاريخية ان واجبهم كبير في بناء الدولة و المواطن، و نشر الوعي بخطط الصالح العام، و دور الانسان تجاه نفسه و بلده، فلم تعد هناك فائدة من تقييد حرية الإعلام المحلي الرسمي والخاص كل حسب قيود تفرضها عليه توجهات خاصة لسببين :
-
الاول ان المجتمع المحلي اصبح منفتحا على فضائيات لا حصر لها ...
-
والثاني هو تحول الإنسان العادي إلى كيان إعلامي بمساعدة الشبكات الاجتماعية والتقنيات التفاعلية الجديدة .
و مازالت التحولات في المشهد الإعلامي قائمة ويبدو انها ليست نهائية .. ولكن اصبح هذان السببان يشكلان وعي المجتمع ومواقفه، ما يجعلها سريعة الاشتعال،و يلقي مزيدا من المسئوليات على القائمين على وضع الخطط الاستراتيجية الاعلامية.
وقد استطاعت وسائل الإعلام أن تحطم الفروق الطبقية وحققت صحة الفرضية القائلة بفاعلية نشر الأفكار المستحدثة فى التغيير الاجتماعى خاصة فى الدول النامية. وكذلك فإنه يتم تعميق أفكار الحراك الاجتماعى، وإثارة تطلعات الناس بحياة أفضل، وإمكانية تطوير قدراتهم لتحقيقها عن طريق وسائل الإعلام التى يمكن أن تبث هذه الأفكار الجديدة مستهدفة الأشخاص المؤثرين فى المجتمع، أو ما يطلق عليهم قادة الرأى ثم إلى باقى الجماهير، فمتى أثير اهتمام الناس فإن ما يصلون إليه من قرارات يتوقف على تأثير الوسائل الشخصية أكثر مما يتوقف على أساليب الإعلام الجماهيرى. لذلك لابد من صياغة الرسائل الاعلامية الهادفة الى نشر الافكار الجديدة للناس بما يتلائم مع الجمهور المستهدف منها وهنا يمكن تحديد :
معايير خاصة للرسالة الاعلامية منها:
-
دراسة الجمهور بشكل جيد وتطوير الأداء لتصبح الرسالة قادرة على تحقيق هدفها.
-
ملائمة أسلوب الرسالة للمتلقى بما يتواكب مع ثقافته واهتمامه.
-
كمية المعلومات المتضمنة فى الرسالة.
-
مدى استثارة الرسالة للمتلقى بكيفية الطرح.
-
ترتيب مضمون الرسالة.
-
تضمين الرسالة الحجج والبراهين والأدلة لتعزيز التأثير.
-
وضوح خاتمة الرسالة.
وكذلك هناك معايير خاصة بالجمهور المستهدف ومنها:
-
الخصائص الديموغرافية كالعمر والجنس والتعليم.
-
الخصائص الحضارية كالعادات والتقاليد.
-
الخصائص الاجتماعية للفئة التى ينتمى اليها الفرد عليا، متوسطة، دنيا.
-
درجات التبنى للأفكار الجديدة وقابلية المستقبل للتغيير والتخلى عن معتقدات قديمة.
-
انطباعات الجمهور عن الموضوع الجديد.
إن الجمهور لا يتعلم من وسائل الاعلام فحسب، ولكن يتعلم أيضا كم تبلغ أهمية الموضوعات وفقا لما تلقاه من وسائل الإعلام التى تلعب دوراً اجتماعياً بإثارة الاهتمامات عند الجمهور حول موضوعات معينة يمكن أن تظهر فيما بعد باعتبارها رأياً عاماً، وبالتالى يمكن للإعلام أن يقوم بتهيئة الناس لأدوار جديدة تتلاءم مع خطوات الخطة القومية. ().
وترتكز أسس نجاح تنمية المجتمع على توجيه أفراده لمساعدة أنفسهم والمساهمة فى الجهود التى تبذلها الحكومات لتحسين معيشتهم وتشجيعهم للقيام بدور فعال فى تنمية أنفسهم و تنمية مجتمعهم المحلى، و التشارك لوضع حلول تطبيقية لمشاكل المجتمع الذي ينتمون اليه، و خلق حالة من التعاطف و التحفيز لدعم مشاركة كل انسان خاصة اصحاب القدرات الخاصة في التنمية، و دعم قيم الاحترام بدلا من السخرية و الازدراء تجاه فئات تستحق التمتع بحياة افضل لتشارك في جهود عمليات التنمية العامة.
إن الإنسان لاتنمو ملكاته الفكرية ومداركه العقلية إلا فى المجتمع وبالمجتمع وتؤدى الحياة الاجتماعية بالإنسان إلى استخدام ملكاته العقلية وتنمية هذه الملكات واتساع مداركه وأفق تفكيره كما أنها تسمو بعواطفه وروحه. ().


