ضيوف البرامج الحوارية يخضعون لقانون الفرجة والتمثيل ...الفضائيات العربية الخاصة تبيع المشاهدين لشركات الإعلان

ختم رؤوف الباسطي، سفير تونس لدى الأردن، والإعلامي الكبير، محاضرة القاها في عمان مؤخرا متمنيا "أن يشعر أهل الاتصال في ربوعنا بأنهم ورثة ابن رشد، وابن خلدون، قبل أن يكونوا تلاميذ الـ بي.بي.سي والـ سي.إن.إن..!
لكنه قبل ذلك، وفي المحاضرة التي القاها في مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافية بعنوان «العرب وثورة الاتصال»، طرح بلغته الرشيقة جملة تساؤلات من بينها ما يتعلق ببث بعض القنوات الفضائية العربية الخاصة «الخطب التكفيرية دون رادع»، وانتقاء الضيوف الذين يقبلون الخضوع لقانون الفرجة، وتقمص الدور المطلوب منهم في جعل النقاش أقرب إلى المعارك الكلامية وصراع الديكة منه إلى الحوار الفكري الرصين.

وتناول الباسطي في تساؤلاته أيضا انفاق مئات ملايين الدولارات من قبل قنوات عربية من أجل الاستئثار بالحقوق الحصرية لبث بعض البرامج والمنافسات الرياضية، دون أن نسمع عن رجل اعمال عربي حاول اقتناء أسهم في احدى المؤسسات الإعلامية العملاقة المؤثرة في الرأي العام الأجنبي.

بأسلوبه الشيق الرشيق، انتقل الباسطي، بالحضور بادي الإعجاب به، من تناول وسائل الاتصال الأولى التي سادت في عصر التجمعات القبلية، وصولا إلى عصر الفضائيات..

قال الباسطي: قد يكون الواعز الذي دفعني لأن أختار الحديث إليكم في هذا الموضوع بالذات حنينا إلى مرحلة من مراحل العمر قضيتها أعمل في هذا القطاع سريع التحول، قطاع الإعلام والاتصال السمعي والبصري، على الصعيدين الوطني والإقليمي.

لكن الواعز هو أيضا وبالخصوص اقتناع تبلور في نفسي من خلال تلك التجربة المعيشية، بأن قضية الاتصال تحتل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، موقعا مركزيا ومحوريا ضمن سياق تحديات التنمية التي تواجهها المنطقة العربية، وذلك لأسباب موضوعية اولها وأهمها أن دور الإعلام والاتصال لم يتعاظم في المجتمعات البشرية مثلما تعاظم اليوم.

فنحن قد عشنا مع نهاية الألفية الثانية، ونعيش مع بداية الألفية الثالثة ثورة رقمية عارمة أدرجت الإعلام ضمن منظومة اتصالية متشابكة العناصر، وفرضت عليه أن يتطور على نسق تصاعدي مذهل.

ويمكن القول إن الميزة المحورية لعصرنا الرقمي هذا هي ميزة التضافر. فهو تضافر بين حقول ظلت إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي تتطور على خطوط متوازية، وزالت بينها اليوم كل الحدود والحواجز الهيكلية والتنظيمية وباتت تجنح إلى الإندماج.

وهو تضافر يكاد يكون اندماجا بين حقل المعلوماتية والحقل السمعي ـ البصري.

وهو تضافر بين هذين الحقلين من جهة، وبين حقل الاتصالات، بما فيه هواتف وسواتل وكوابل وألياف بصرية وحزم هرتزية. وهو تضافر بين المكتوب والمرئي والمسموع. وهو تضافر بين الحاسوب وخط الهاتف واندماج بين الحاسوب وجهاز التلفزة المنزلي.

وهو تضافر بين مراكز المعلومات وشبكات الاتصالات وسواتل البث المباشر وقنوات تراسل المعطيات والصور والأخبار. فلم يعد بالإمكان في عصرنا الرقمي هذا، تصور قطاع من قطاعات صناعة الإعلام يتطور في منأى عن بقية القطاعات الأخرى: إن هي إلا علاقة تفاعل تحكم تطور القطاعات في تضافرها وتكاملها واندماجها.

فبعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية تشهد الإنسانية اليوم إذن ثورة ثالثة هي الثورة الرقمية، وثورة المعلومات، التي تتزامن مع تجلي ظاهرة العولمة بمدها العارم وتيارها الجارف.

وهذه الثورة الرقمية التي تعتبر من جوهر تيار العولمة ومن أهم مقوماته بدأت تحدث تحولا جذريا عميقا في نسيج الحضارة الإنسانية، ودخلت بها عصرا جديدا هو عصر المعلومات، عصرا ستمثل فيه تكنولوجيا الإعلام والاتصال مفتاحا اساسيا لكسب رهانات التنمية المستدامة والشاملة والمتوازنة.

فقد اكتسحت التكنولوجيات الرقمية كل مجالات النشاط الإنساني وأحدثت في صلبها ثورة عميقة أثرت تأثيرا بالغا في طرق العيش، وفي العلاقات الإجتماعية، وفي صيغ التخاطب، وفي سبل اكتساب المعرفة، وفي قنوات الترفيه والتثقيف والإعلام، وفي تنظيم مجالات العمل واساليب الإنتاج والترويج والتسويق. وهي ثورة قد ألغت الحدود الجغرافية والاقتصادية وتكاد تلغي الحدود السياسية، وطورت علاقة الإنسان بالزمن وبالمكان وبالدولة التي ينتمي إليها.

لكن اللافت في كل هذا، من زاوية اهتمامنا، أن من أهم خصائص مجتمع المعلومات ارتباطه العضوي بوسائل الاتصال التي تلعب فيه دورا محوريا، وسعيه، المعلن على الأقل، إلى تحقيق ديمقراطية المعرفة بإشاعة المعلومة بين كل فئات المجتمع وشرائحه، وبتسهيل انسيابها في كل الاتجاهات، مع ما يتصل بذلك من تكريس للحق في الإتصال كحق من حقوق الإنسان، لكنه حق لا يعني بالضرورة مجانية المعرفة، بل يعتبر المعلومة مرسبا للعلم، تتجمع فيه القطاعات الفكرية والقيم المضافة.

فالمعلومة، من هذه الزاوية وعند هؤلاء، هي الجوهر الجديد للبضاعة المروجة، وهي معدنها الأصيل. ولأول مرة في تاريخ البشرية تثمن قيمة لا مادية على نطاق واسع لتكتسب قيمة البضاعة المادية الرائجة بل تفوقها. وهو ما جعل المختصين يتحدثون اليوم عن اقتصاد جديد، ويثمنون صناعة البرمجيات وصناعة المحتوى ويولونها أهمية أكبر من صناعة التجهيزات المعلوماتية ذاتها. لذلك نرى أن صناعة الإعلام صارت تلعب دورا محوريا في هذا العصر الجديد، وأن صناعة المضامين والمحتوى باتت رهانا حضاريا واقتصاديا في آن.

ثم إن الإعلام في خضم هذه الثورة الرقمية قد صار ينحو منحى اتصاليا تفاعليا حواريا أكثر فأكثر. والاتصال بمفهومه الحديث بات يمثل أداة اساسية من ادوات الانخراط الفاعل في حضارة العصر الجديد. وكسب رهان الاتصال أصبح من جوهر النجاح في التعامل الواعي مع الحداثة، مع ما تطمح إليه هذه الحداثة في عصرنا من تجسيم لحرية الفرد.

وهو ما يقتضي الإنتباه إلى أن الطفرة الاتصالية التي تميّز عالمنا اليوم ليست وليدة مستحدثات تكنولوجية فحسب، بل هي أيضا وبالخصوص، وليدة توجه فكري قائم بالأساس على الموازنة بين مشروعية طموح الإنسان إلى توسيع حيز ممارسته لحريته الفردية وبين حاجته إلى التفاعل مع الآخرين في كنف مجتمع يحقق الاجتماع فيه للفرد منافع دون أن يحد من فسحة ممارسته لحريته الفردية. وهو ما يشير إليه دومينيك فلتون تمثل الاتصال: عندما يسهب في تحليل النظرية الاتصالية الحديثة القائمة في الحضارة الغربية على جملة من القيم في مقدمتها تحقيق حرية الفرد وتمكينه من ربط العلاقات التي يرومها مع الغير. هذا، مع الإشارة إلى أن الخلفية الفكرية التي تستند إليها الثورة الاتصالية الحديثة تعتبر أن العملية الإتصالية، مهما تعددت اشكالها، تظل في جوهرها قائمة على بعدين متلازمين: هما البعد الوظيفي بما ينطوي عليه من مقاصد التواصل وتبليغ المعلومة ونشرها وتداولها لغايات مصلحية واجتماعية ومعرفية واقتصادية وسياسية.

ورهان الاتصال هو في الأساس رهان ثقافي حضاري بمفهوم الثقافة الشامل الذي يعني سعي الإنسان الدائم إلى تفهم الكون من حوله، والسيطرة على محيطه الطبيعي وتسخيره وتطويعه تطويعا يجعله يفيد من خيره ويدرأ شره، الذي يعني كذلك تفاعل الإنسان مع بيئته الإجتماعية تفاعلا ايجابيا فيما يستحدث، وفيما يشرع وينظم طلبا لبقائها، واصرارا على سيرورتها، وعلى الإسهام في تطويرها. وهو رهان اقتصادي، وهو، بالتالي، رهان مصيري شامل تندرج في صلبه رهانات كبرى لعل أهمها:

ü تصحيح علاقتنا بأنفسنا وبهويتنا.

ü وتصحيح علاقتنا بماضينا واكتساب القدرة على استقراء هذا الماضي استقراء نقديا يذكي جذوة الاجتهاد في النفوس ويحفز على استشراف المقبل.

التحديات
ولا مفر من التذكير هنا أن مجتمعاتنا العربية كانت منذ نهاية القرن قبل الماضي مطالبة بالسعي إلى كسب هذه الرهانات ومواجهة هذه التحديات رغم اوضاعها المعقدة التي ترسبت في صلبها مخلفات الأزمات المتعاقبة عليها منذ عصور الإنحطاط.

إن وضعنا العربي ظل متأزما أيضا ومنذ بداية القرن الماضي، بسبب زرع دولة اسرائيل في الجسم العربي، وتفاقم النزاع مع هذا الكيان المزروع، وانسداد الأفق واستفحال المعضلة الفلسطينية ودخول هذه القضية المركزية طورا مأساويا ينذر بويل شديد.

ولقد ظل هذا النزاع علة تعطل الكثير من وظائف التحرك والانطلاق في جسم الأمة وتستنزف الكثير من طاقاتها وخيراتها. كما ظل أيضا في كثير من الأحيان مشجبا نعلق عليه بعض وجوه التقصير فينا، وكثيرا ما نبرر به تقاعسنا عن الإصلاح، أو فشلنا في تغيير ما بأنفسنا.

وننسى أو نتناسى أن وضعنا كان متأزما بسبب اجهاض العديد من محاولات الفكر النهضوي التي تعاقبت منذ بداية القرن الماضي، التي لم تفلح إلا نادرا في تلمس طريقنا إلى الانخراط في الحضارة الكونية، مع ما انطوى عليه تعثر هذه المحاولات من مخاض كان وما يزال مؤلما عسيرا، ومن مصاعب، ظل الفكر العربي يواجهها في تجديد علاقتنا بالماضي، وفي بلورة تمثلنا لحاضرنا ولمستقبلنا وللهوية.

وفي هذا السياق بالذات، أود أن أستحضر بعض ما جاء في كتاب «الثقافة العربية في عصر العولمة» لتركي الحمد بشأن قضية الهوية، حيث يقول الكاتب بالخصوص "فالهوية ببساطة عبارة عن مركب من العناصر المرجعية المادية والاجتماعية والذاتية المصطفاة التي تسمح بتعريف خاص للفعل الاجتماعي «اليكس ميكشيللي» وطالما أنها مركب من عناصر، فهي بالضرورة متغيرة في الوقت ذاته الذي تتميز فيه بثبات معين بمثل ما أن الشخص الواحد يولد ويشب ويشيخ وتتغير ملامحه وتصرفاته وذوقه.. لكن يبقى هو وليس أحدا آخر. فالهوية منظور إليها سوسيولوجيا متغير من المتغيرات.. ومحاولة تثبيتها ذهنيا ضمن عناصر منتقاة عليها في النهاية.. فالهوية جزء من النسيج الثقافي للجماعة.. الذي هو بدوره متفاعل أو يفترض أن يكون متفاعلا مع متغيرات الحياة إجمالا..

ولا يتساءل عن الهوية وهاجسها إلا من كان لديه شيء من الفصام بين الممارسة وما في الذهن من تصورات غير قادرة على استيعاب تغيرات الممارسة وآلياتها، ولعل هذا هو الوضع العربي اجمالا، سواء في الخطاب الثقافي أو في الخطاب السياسي. وذاك ما يقودنا إلى قضية العولمة وعلاقتها بالثقافة الذاتية والهوية.

لكن، وبالرغم من أن بعض الأصوات المستنيرة تنادي اليوم في العالم العربي بالتوازن بين مقتضيات تأصيل الهوية العربية الإسلامية المتطورة، والمسايرة لواقعنا المتحول وتفعيلها، وبين ضرورات الانخراط في حضارة كونية منفتحة على كل الخصوصيات تتغذى منها وتغذيها، فإن الملاحظ الموضوعي لا يمكن إلا أن تستوقفه وتستفزه مظاهر هيمنة القطب الواحد ونظريات فوكوياما الذي يرى في الحضارة الغربية نهاية التاريخ، أو آراء ساموال هنتنقتون التي تدعو إلى صدام الحضارات، وسعي الكثيرين إلى تعميق الفجوة الرقمية وتوسيعها، أو إلى افراغ الحضارة الإنسانية من كل بعد روحي واخلاقي، وصلف النازية الجديدة وما ترتكبه من فظاعات في حق المهاجرين العرب والمسلمين، واستفحال ظاهرة الأصولية المسيحية المتطرفة، وصمت الرأي العام العالمي إزاء كل المظالم التي ترتكب ضد الإنسانية في فلسطين وفي العراق، وتعنت المحافظين الجدد في سياسة المعايير المزدوجة وفي الانحياز الأعمى للصهيونية.

كل هذه الظواهر تستفز المشاعر وتؤجج لهيب الخوف والاحباط والحقد في النفوس، وتنمي النزعة الحمائية المنغلقة في الأذهان، وتطوق الفكر المستنير بحصار التهميش والعزلة. فتغطى اصوات العواطف الانفعالية على صوت العقل، ويكاد يخفت كل صوت داع إلى حوار الحضارات، ويكاد يحبط كل سعي صادق إلى نظام كوني جديد مبني على توفير مقتضيات التنمية المتضامنة بين الشعوب ونبذ العنف والإرهاب سبيلا لتسوية النزاعات.
فكيف يتعامل الاتصال، وهو المدعو لأن يضطلع بذلك الدور الحضاري الخطير الذي ذكرناه، مع هذا الوضع وكيف يمكن أن يسهم في تخطي مضاعفات الأزمات التي هو جزء منها..؟

الاتصال العربي
إن الموضوعية والبعد عن جلد الذات يقتضيان منا الإشارة أولا إلى العديد من النقاط الإيجابية في مسيرة الإعلام العربي.

فقد قطعت الصحافة المكتوبة اشواطا في مجال التكاثر والثراء والتنوع، واسهمت اسهاما قيما في تنشيط الحوار الفكري حول أمهات القضايا، وهي تسعى إلى تأكيد حضورها على شبكة الإنترنت وتوظيف شبكة الشبكات كمصدر وكوسيلة انتشار وتواصل.

ولقد شهدت بداية التسعينيات في القرن الماضي صحوة كبيرة في مجال البث الفضائي فتمت الإستفادة من السعات المتوافرة على سواتل «عرب سات» وأطلق القمر المصري «نايل سات» وأنشأ نظاما عربيا لتبادل البرامج والأخبار عبر الساتل يعمل على مدار الساعة. علما أنه أتى علينا حين من الدهر ظل فيه الساتل العربي يسبح في الفضاء خاويا إلا من بعض الحركة الهاتفية أو برقيات التلكس، وظل الناس يتساءلون عن مصيره وعن جدوى اطلاقه، وتنبأ بعض المتشائمين بانهيار المشروع وافلاسه. ثم كان المنعرج الأول سنة 1990 عندما استأجر اتحاد اذاعات الدول العربية قناة قمرية على عربسات سخرها على مدار الساعة لتسهيل انسياب حركة البرامج والأخبار بين اعضائه، وكانت هذه أول اتفاقية يقع ابرامها في البلاد العربية بصورة مباشرة ودون وساطة ادارات اتصال بين الإذاعيين ويمثلهم اتحادهم، وبين مؤسسة مشغلة للسواتل وهي المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية.

ولقد سبق الوطن العربي بهذه الاتفاقية الكثير من المناطق الأخرى في مجال رفع القيود التي كانت تعوق تعامل الإذاعيين مع مشغلي السواتل تعاملا مباشرا وبوصفهم شريكا كاملا راشدا لا حريفا (زبونا) ثانويا قاصرا.

ولقد استفاد الإذاعيون من هذه السابقة فطوروا التشريعات وركزوا المحطات الأرضية التي تتيح لهم التعامل المباشر مع السواتل واستأجروا القنوات التي سخروها على مدار الساعة لبث برامجهم الوطنية خارج حدودهم. وتكاثر عدد القنوات الفضائية العربية ليناهز مائة وستين قناة منها الجامعة ومنها المتخصصة ومنها المفتوحة ومنها المشفرة ومنها الحكومية ومنها الخاصة، فأصبح المشهد السمعي والبصري العربي متميزا بالوفرة وبقدر لا يستهان به من التنوع.

وكان لدخول القطاع الخاص حلبة المنافسة، أثر ايجابي بين في تحريك السواكن وفي تطوير العرض البرامجي واثراء البديل العربي المتاح، وفي الدخول بالمشهد السمعي البصري العربي مرحلة التعددية الفكرية التي وضعت حدا لعصر الصوت الواحد واحتكار حق البث من قبل الهيئات الحكومية الرسمية.

لذا، يمكن القول إن التعددية الفكرية في المجال السمعي البصري هي بالأساس وليدة تطور البث الفضائي. ولقد خطى الاتصاليون العرب، بفضل ما وفرته الثورة الاتصالية، خطوات متواضعة لكنها مهمة في مجال تحقيق التكامل بين الوسائط وفي بث البرامج عبر شبكة الإنترنت وفي اضفاء الصبغة الحوارية والتفاعلية على الخدمة التي يقدمونها. وأنشأ اتحاد اذاعات الدول العربية نظاما عربيا موازيا لتبادل البرامج الصوتية وتراسل المعطيات عبر منظومة VSAT. وشهدنا نقلة نوعية في مستوى القنوات العربية الحكومية والخاصة.

وترسخت في العديد من المحطات تقاليد الاعتماد على الذات في الوصول إلى موقع الحدث، وفي استقاء المعلومة من مصدرها، وفي تقليص نسبة الاعتماد على المصادر الأجنبية.

فقد حققت «الجزيرة» سبقا لافتا في حرب افغانستان، كما حققت العديد من القنوات العربية نجاحا باهرا في تغطية الحرب على العراق.

لكن، ورغم هذه الجوانب المضيئة، التي لا يمكن انكارها، تظل بعض التساؤلات مطروحة اليوم على بساط البحث والتأمل. ومن التساؤلات هذه التي نود أن نسوقها تباعا:

هل ساهم هذا التعدد والتكاثر الذي أتاحه البث الفضائي الرقمي في اثراء المشهد السمعي والبصري العربي..؟ وفي ابراز التنوع الذي يميز الساحة الثقافية والفكرية العربية..؟ أم هل كان التكاثر في أغلب الأحيان تناسخا ومحاكاة واجترارا للنماذج المهيمنة في ساحة الاستهلاك الترفيهي وللقوالب الجاهزة والوصفات والشعارات المعروضة في اكشاك الفكر المتعجل التي يعمرها من ينعتهم الدكتور طاهر لبيب بـ«المثقفين المقاولين»..؟

ألم يؤد التنافس المحموم على توسيع جمهور المشاهدين وعلى استقطاب الحصص الأوفر من المداخيل الإعلانية إلى اللهث وراء الآنية والسبق دون التحري في مصادر الخبر وفي مصداقيتها، وإلى السقوط، مثل القنوات الأجنبية أحيانا كثيرة، في بعض ضروب الاستعراض الفرجوي والإثارة. من ذلك التغاضي عن اخلاقيات المهنة أحيانا، ومن ذلك اختيار المواضيع المثيرة، وإن قلت اهميتها، وانتقاء الضيوف الذين يقبلون الخضوع لقانون الفرجة ويتقمصون الدور المطلوب منهم في جعل النقاش أقرب إلى المعارك الكلامية وصراع الديكة منه إلى الحوار الفكري الرصين..؟

أولم نبالغ أيضا في النظر إلى وجوهنا من منظار التعريف الغربي للخبر..؟ ألم يغلب علينا أحيانا حرصنا على الظهور بمظهر الجهاز «المستقل» الذي يتوخى المقاربة الناقدة، فأغرقنا في التركيز على السلبيات وعلى جلد الذات واظهار النصف الفارغ من الكأس، وأسهمنا بذلك من حيث نشعر أو من حيث لا نشعر في تحطيم الروح المعنوية لشعوبنا وفي اشاعة اليأس والفكر الإنهزامي..؟ فتجاهل قصص النجاح، ولو كانت نادرة، يساهم في تثبيط العزائم.

لقد نجح العديد من وسائل الاتصال في ارساء تقاليد الحوار. لكن، هل أعطت هذه الوسائل الكلمة لكل من ينبغي أن يسمع صوته في الساحة الفكرية العربية..؟ أم هل عملت بشكل أو بآخر على ترسيخ هيمنة التيارات الفكرية التي تفرض على المستقبل العربي أن ينظر دائما إلى الوراء..؟

إننا، مع اقرارنا بحتمية تعاظم دور القطاع الخاص في مجال الاتصال والإعلام، نتساءل هل أن خروج الجهاز الإعلامي عن سيطرة الجهات الحكومية بعني بالضرورة انعتاقه من كل ضروب الهيمنة والتوجيه الخفي..؟ وإن كان ذلك، فكيف نفسر استمرار العديد من القنوات الخاصة في البث رغم خسائرها الفادحة وانعدام التوازن بين مداخيلها الإعلانية ومصاريفها..؟ علما أن كل خبراء الاقتصاد يؤكدون أنه لا توازن يمكن أن يحصل في الراهن وفي المستقبل المنظور بين حجم الانفاق على القنوات الفضائية وبين «الكعكة» الإعلانية المتاحة في السوق العربية.

وهل إن تعاظم دور القطاع الخاص، بما فيه من منافع ومن ايجابيات، يعني بالضرورة تخلي اعلام الدولة عن دوره كخدمة عمومية مملوكة للشعوب، ومطالبة بالنهوض بواجباتها في مجال الإعلام والتثقيف وانارة الرأي العام، وفي التعبير عن كل التيارات الفكرية التي يفرزها المجتمع وعن مطامح كل الفئات.

هل فهم القائمون على أجهزة الإعلام في اقطارنا أن وظيفتهم الاتصالية في عصر المعلومات وعصر الوسائط التفاعلية لم تعد تقتضي منهم أن يكونوا في وضع الموجه للرأي العام، بقدر ما تستوجب أن يكونوا في حال اصغاء إلى قلب الشارع النابض خاصة أن قاعدة الوعي في مجتمعاتهم تتوسع يوما بعد يوم. وقاعدة المعرفة ستتوسع على نسق متسارع، وهو ما سيتطلب بالضرورة أيضا تطوير علاقة القائمين على أجهزة الإعلام والاتصال بأصحاب القرار في دولهم..؟

أليس من مشاكلنا أننا أمة تتباطأ أحيانا إلى حد التخلف ونتسرع حينا آخر إلى درجة حرق المراحل: فكما كان مرورنا من الشفوي إلى الرقمي سريعا في بعض مناطق الوطن العربي ودون انضاج لتجربة المكتوب، كان أيضا قفزنا من حال هيمنة الإعلام الحكومي الرسمي واحتكاره حق البث الأرضي إلى حال انفجار البث الفضائي وتعاظم دور القطاع الخاص في السيطرة عليه سيطرة عشوائية قفزا بهلوانيا.

كل ذلك حصل في سنوات قليلة ودون أن يكون اعلام الدولة قد رسخ تقاليده في مجتمعاتنا وركز مع هذه التقاليد جملة من الضوابط المهنية والفكرية والأخلاقية التي تجنبنا الإنحراف، ودون أن نكون قد ارسينا على الصعيدين الوطني والإقليمي جملة من التشريعات تجنبنا حالة الفوضى التي نعيشها اليوم:

فهذا يبث على قناته المشفرة التي يدفع الناس اشتراكا باهظا لمشاهدتها حجما مهولا من الإعلانات يفوق حجم الإعلان على القنوات المجانية المفتوحة. وهذا يخلط بين الرعاية والإعلان..؟ ولا يتحرج من بيع المشاهد إلى المعلن. وهذا يبث الصور الإباحية الخليعة مدعيا أنها فن استعراضي وابداع، وذاك يبث الخطب التكفيرية دون رادع. ولا أحد يلتزم بحد أدنى من الإنتاج العربي فيما يبث من برامج.

نحن انفقنا وننفق الأموال الطائلة لمضاعفة قدرتنا على البث فماذا استثمرنا في انتاج المضامين..؟ إن جل الدراسات المتعلقة بالثورة الإتصالية وبمجتمع المعلومات تؤكد الأهمية البالغة التي يكتسبها انتاج المضامين، بل إن منها من يذهب إلى حد القول أن تطوير صناعة المحتوى أهم حتى من تطوير الشبكات.

ألا ينبغي أن يحمل تنامي القطاع الخاص اصحاب رؤوس الأموال مسؤوليات ادبية واخلاقية وقومية..؟ فلقد قرأت في مجلة الإذاعات العربية (مجلة اتحاد اذاعات الدول العربية: افتتاحية العدد 2 لسنة 2002) عن انشاء قناة فضائية عربية مشتركة موجهة إلى الرأي العام الخارجي.

ويقر صاحب المقال بوجاهة الرأي الذي قد يعتبر المشروع حلما، كما يقر بأن مثل هذا المشروع، لو تحقق، لن يكفي لمعالجة القصور العربي في هذا المجال. بل يجب أن يكون جزءا من استراتيجية متكاملة من أبرز مكوناتها تشجيع رجال الأعمال العرب أو من أصول عربية في المهجر على بعث قنوات اذاعية وتلفزيونية يتم من خلالها التعريف بالعالم العربي وبقضاياه وبتوجهاته.

هذا، وقد سمعنا ونسمع كل يوم عن مئات ملايين الدولارات تنفق من قبل قنوات عربية من أجل الاستئثار بالحقوق الحصرية لبث بعض البرامج والمنافسات الرياضية التي أصبحت تقتنى بعشرات اضعاف قيمتها في الوطن العربي بعد أن استغل المضاربون تكالبنا وقلة تضامننا وعدم انضباطنا، ولم نسمع قط، إلى حد الآن، عن رجل أعمال عربي حاول اقتناء أسهم في احدى المؤسسات الإعلامية العملاقة والمؤثرة تأثيراً بالغا في الرأي العام الأجنبي.

  • Currently 32/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
11 تصويتات / 549 مشاهدة
نشرت فى 4 يناير 2007 بواسطة Badeaonly

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

75,490