السادة العلمانيون يتقنون لعبة التمويه على الناس بالمصطلحات ، وكلما ثبت فشلهم فى معركة من معاركهم مع الإسلاميين ، كلما استماتوا فى اختراع مصطلح جديد يشغلوننا به ويهوشون به على فشلهم .
آخر وأقرب مثل لذلك هو لعبة " المبادئ الحاكمة " أو " المبادئ فوق الدستورية " وهى حيلة ولعبة لمداراة فشلهم الذريع فيما أسموه هم " خناقة " التعديلات الدستورية ، حين صرح ساويرس بأنه اتكلفت وأنه مستعد للخناقة الجاية .
وسر هذا المصطلح الجديد أنهم بمقتضى تصويت الشعب المصري على التعديلات الدستورية خرج من بين أيديهم إمكانية التلاعب بنصوص الدستور وإفقاد المادة الثانية منه ميزتها وتفريغها من محتواها ، وكذلك - لأنهم يتوقعون فشلهم فى الانتخابات القادمة - بما يعنى أنهم لن يكونوا طرفاً فاعلاً فى الهيئة التأسيسية المنتخبة والتى ستشرف على إنشاء دستور جديد للبلاد مع خوفهم من " فزاعة الإسلاميين " ، إذا بهم يخترعون لنا قصة المبادئ الحاكمة للدستور أو فوق الدستورية ليتدخلوا بها فى الدستور ويفرضوا وصايتهم على الشعب ويكون لهم دور فاعل فى الأحداث ، مع أنهم هم سدنة النظام القديم وخدامه .
ولنا مع هذه الحيلة مجموعة من الوقفات :
أولاً : طالما أتقن العلمانيون هذه اللعبة ، وفى المقابل طالما انجرف " الطيبون " من الإسلاميين وراء الرد والدفاع والربط أو الإبعاد عن الإسلام ، والانشغال بتكييف المصطلح الوافد لربطه بالإسلام حتى أن بعضهم استمات لجعل الديمقراطية " المصطلح " هو صميم الإسلام ، وآخرون ناضلوا ليثبتوا أنه انحراف عقدى ، وهذا صلب ما يريده العلمانيون بإثارة مثل هذه المصطلحات لشغلنا عن العمل والإنتاج الدعوى المثمر والتفرغ لمثل هذه المناظرات والجدالات ..
خذ عينة على هذه اللعبة مصطلحات : التطرف - الإرهاب - الأصولية - الديمقراطية - العلمانية - الليبرالية - الدولة الدينية - الدولة المدنية - المبادئ فوق الدستورية أو المبادئ الحاكمة للدستور .
ثانياً : أرى شبهاً بهؤلاء فى تاريخنا الإسلامي ، وهو ما أطلق عليه علماء الإسلام " علم الكلام " وهو باختصار علم ينبنى على الفلسفة وتقعيد نظريات عقلية ومصطلحات جدالية فى مسائل العقيدة ، والذى نجم منه بدعاً رهيبة لم يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام ، فتنت الأمة كلها وكادت تأتى على عقيدتها ، وعلى رأسها بدعة وفرية القول بخلق القرآن والتى ناضل السلف الصالح فى ردها وتصحيح عقيدة الأمة .
وكتب التراث مليئة بذم علماء سلفنا الصالحين لعلم الكلام منها :
اقرأ قول الشافعي : ما رأيت أحدا ارتدى بالكلام فأفلح .
ولما كلمه حفص الفرد من أهل الكلام ، قال : لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه خلا الشرك بالله - عز وجل ، خير له من أن يبتلى بالكلام .
وقال : حكمي في أصحاب الكلام أن يصفعوا وينادى بهم في العشائر والقبائل : هذا جزاء من ترك السنة ، وأخذ في الكلام .
وقال الإمام أحمد بن حنبل : عليكم بالسنة والحديث وما ينفعكم ، وإياكم والخوض والمراء ، فإنه لا يفلح من أحب الكلام .
وقال في علماء أهل البدع من المتكلمة : لا أحب لأحد أن يجالسهم ولا يخالطهم ولا يأنس بهم ، فكل من أحب الكلام لم يكن آخر أمره إلا إلى البدعة ، فإن الكلام لا يدعوهم إلى خير ، فلا أحب الكلام ولا الخوض ولا الجدال ، عليكم بالسنن والفقه الذي تنتفعون به ، ودعوا الجدال وكلام أهل الزيغ والمراء ، أدركنا الناس وما يعرفون هذا ويجانبون أهل الكلام .
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال : دخلت على الإمام مالك بن أنس وعنده رجل ، يسأله عن القرآن والقدر ، فقال الإمام مالك - رضي الله عنه - للرجل : لعلك من أصحاب عمرو بن عبيد، لعن الله عمرا، فإنه ابتدع هذه البدعة من الكلام ، ولو كان الكلام علما لتكلم به الصحابة والتابعون - رضي الله عنهم - كما تكلموا في الأحكام والشرائع ، ولكنه باطل يدل على باطل .
وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: سمعت أبا حنيفة يقول : لعن الله عمرو بن عبيد، فإنه مبتدع .
والنصوص عن أئمة الهدى في ذلك كثيرة جدا .
ثالثاً : الشبه الأكبر لهذا السلوك ، والقدوة الأولي لأصحابه هو إبليس ، ومن يقرأ لابن القيم عن مكائده يعلم أنه لا يأتيك ليقول لك هيا لنفسد فى الأرض ، بل إن منهجه هو المنهج الإغرائى التزيينى ، واقرأ قول الله تبارك وتعالي عن تزيين إبليس لآدم قوله له : " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " ..
فهو لم يقل لآدم هيا بنا لتعصى الله ، وإنما جاءه من باب التزيين والإغراء .
نفس المنهج هو الذى أغرى أصحاب السبت بحيلتهم فى نصب الشباك ليصطادوا بها ، وهى نفس الحيلة التى جعلت كفار قريش يستسهلون المحرمات ويقولوا " إنما البيع مثل الربا " .
فهذا هو المنهج الإبليسي الذي يزين الباطل ، ولا يقول لك أبداً : هيا بنا لنفعل الباطل ، بل إنه يزينه لك ويصوره على أحسن صورة ، ويغريك حتى يلغى لك عقلك ..
سواءاً بسواء كما يفعل العلمانيون معنا هذه الأيام .
رابعاً : خطورة هذه المصطلحات أنها ليست وليدة بيئتنا ، وتبعد فى أغلب مضامينها بوناً شاسعاً عن ثقافتنا وبيئتنا وحضارتنا ، والفرق بين الحضارتين وما تحمله من قيم وأعراف وعادات وتقاليد وأخلاق ومناهج وثوابت وأساليب حياة ... هو فارق كبير يعكس فشل استجلاب هذه المصطلحات الوافدة إلينا نحن المجتمعات الإسلامية العربية .
وكل مصطلح من هذه المصطلحات نشأ لظروف لم تمر بها بلادنا ولا يوجد فى عقيدتنا ولا ثقافتنا ، كمصطلح الدولة الدينية أو الدولة المدنية الذى نشأ نتيجة الحكم الإلهى الكنسي المتطرف فى القرون المظلمة فى أوروبا ، والذى كان نظيرها فى بلادنا العربية نهضة وحضارة ورقي وتقدم نهل منه الأوروبيون ونقلوا عنه الكثير والكثير حتى تفوقواعلينا بعد ذلك بقعودنا وركوننا إلى متاع الحياة الدنيا .
خامساً : ولو تأملت مضامين تلك المصطلحات لرأيت تزييفاً رهيباً للحقائق ، وخداعاً للسذج من الناس ، خذ على ذلك مثلاً هذا المصطلح الوافد الذى يسمي الليبرالية ( وهو البديل الشرعي للعلمانية التى فقدت بريقها وباتت سيئة السمعة فى مجتمعاتنا الدينية المحافظة ) .
فأنت حين تمعن النظر فيه فستكتشف أنه يعنى حرية الفرد فى أن يحيا بعيداً عن قيم الدين والأخلاق طالما لا يضر سوى نفسه ، ومن هنا فلا هيمنة للدين على أى مجال من مجالات الحياة ، وهذا هو عين العبودية .. عبودية الإنسان لأخيه الإنسان أو لشهوات نفسه التى تطلق له العنان ليتصرف كيفما شاء دون ضابط ولا رقيب .
فالإنسان هو الذى يشرع وهو الذى يتصرف وهو الذى ينطلق ، أما أن ينظم لك الرب تشريعات تراعى ضعفك البشري لأنه هو الذى خلقك فسواك فعدلك ، وهو الذى يعلم ما بك من ضعف وما يكن صدرك أو يعلن ، فيشرع لك ما يصلح حياتك فى الدنيا والآخرة ، ويصلح علاقتك مع الخلق ومع نفسك ومع خالقك .. وهو عين الحرية التى ترتقى بك من ضيق الدنيا وشهواتها .. إلى رحابة الدنيا والآخرة ..
وهذا هو عين الرسالة الإسلامية التى حررت البشر كلهم من قيود البشر إلى رحابة النظرة الإيمانية الواسعة : " الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام " .
سادساً : وأعتقد أن أصوب صور التعامل مع هذه المصطلحات هو بالتجاهل ، لأننا لا نستطيع أن نرفضها بالكلية ، وكذلك لا يمكن لنا أن نقبلها بالكلية ، والصواب هو ألا ننجرف وراءها ، وألا نعيرها بالاً لأن عندنا من ديننا وقيمنا وحضارتنا الغناء والكفاية والشفاء .
بل إن علينا واجب فوق ذلك هو أن نبرز حضارتنا وقيمنا وثقافتنا وثوابتنا ومصطلحاتنا الإسلامية ونعمل بها وننشرها بين الناس ونفتخر بها ، ونفرضها أمراً واقعاً ، كمصطلح الشورى ومصطلحات الحرية والعدالة والأخوة والدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية ... إلى آخر ذلك مما قد يخجل البعض من إعلانه أو إظهاره .
سابعاً : هذه المصطلحات تعكس ثقافة هؤلاء العلمانيين الغربية وانبهارهم بالغرب ، فكل إناء بما فيه ينضح . من هنا لا تستغرب رفضهم للإسلام ، فهم قد تربوا على مائدة الغرب ونهلوا من معارفه وأحسوا بدونيتهم إزاء الحضارة الغربية وانبهروا بها ، فنسبوا التخلف للإسلام والعروبة وكلاهما برئ من هذا التخلف الذى نشره بيننا الغرب حين نشر الشهوات ، والذى رباه عندنا المستعمر بمناهج تعليم وإعلام استمرت سنوات عدة لتنشأ هذه الأجيال المتخلفة من العلمانيين الذين لا يحملون هوية حضارية ولا قيم متجذرة ، فهم نبت غريب وهجين ..
ثامناً : أراه واجباً عل كل من يتعرض لهذه المسائل من رموز لإسلاميين بوسائل الإعلام ألا ينخدعوا ولا ينجرفوا ، وواجبنا جميعاً النضال ضد هذه الترهات وخاصة أحدثها وهو المبادئ الحاكمة .
ولا يحصر نفسه أبداً فى خندق المتهم الذى يدافع حين تلقى عليه المسائل تباعاً من الإعلاميين ومقدمى التوك شو ، فتجد الرمز الإسلامي يتتعتع فى الكلام حين يذكر الدولة الدينية ويستميت فى الدفاع ..
عليك أخى أولاً ألا تخجل من انتمائك الإسلامي ، فنعم نحن نريدها دولة إسلامية ، يحكم فيها الإسلام ، وتسود فيها الشريعة الإسلامية التى تحمل كل قيم الحق والخير والحرية والعدالة والمساواة والإخاء ..
ثم آخراً : عليك أن تنشر مفاهيمك أنت وقيمك أنت ومصطلحاتك أنت ، وتذيب وتفكك تلك المصطلحات الوافدة التى يحاول العلمانيون أن يرسخوها فى الجمع اللاواعى لعقولنا ..
-------



ساحة النقاش