
ولد الشيخ راشد الغنوشي عام 1941 في مدينة الحامة بالجنوب التونسي ، يقول عن نفسه " في مغارة-احتماء من القصف المتبادل بين الألمان والحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية- كان المشهد الأول من حياتي " .عاش في أسرةٍ مستقرة ، يسودها الوئام، يقول عن تللك الفترة من حياته : لم يكن في البيت أزمات، وكان العنف قليلاً جداً في البيت ، فلا أذكر أن والدي ضربني أو شتمني قط ، وكذا والدتي ، كانت عائلتنا ـ تعمل بالفلاحة ـ وكانت متوسطة الحال ليست بالمعدمة ولا بالغنية ولكن عيش الفلاحين في ذلك الزمان كان عيشاً متواضعاً جداً ما كانوا يشعرون بالحرمان ، إذ كان الناس يعيشون في قناعة، فلم يكن هناك مجتمع استهلاكي يجعل الناس يزهدون في ما بين أيديهم لأنهم يرون أن هناك من هو أعلى منهم، بل كان المجتمع كله متقارباً، وكان هناك من هو أكثر غنى ولكنه كان يعيش عيشة الآخرين. ولم يكن هنالك أيضاً المعدم الذي لا يجد قوت يومه أو ينام على قارعة الطريق، فالمجتمع كان متضامناً وكأنه مجرد مجموعة عوائل كبرى شديدة الارتباط والتراحم، قليلة الحاجات. كان تناول اللحم مثلا عزيزاً جداً، لا يدخل البيت إلا مرات معدودة في السنة، ولا سيما في عيد الأضحى حيث كان والدي عندما يتيسر أمره قليلا يشتري الذبيحة ويتقاسمها مع عشرات من الجيران والأقارب. وكان العرف يقتضي أن من اشترى لحماً عليه أن يطعم منه كل الجيران.الدراسة
تلقى راشد الغنوشي تعليمه الابتدائي بالقرية، ثم انتقل إلى مدينة قابس ومنها إلى تونس العاصمة, حيث أتم تعليمه الثانوي في جامع الزيتونة.ومن ذكرياته عن تلك الفترة قال الغنوشي عندما كنت في السنة النهائية من الدراسة الثانوية حسب نظام التعليم الزيتوني الذي كان قد تعرض لعملية إصلاحية معتبرة استهدفت استيعاب العلوم الحديثة في إطار الثقافة العربية الإسلامية، كانت أهم مواد الدراسة التي شدتني بقوة مادة الفلسفة، فامتلأت إعجابا بها وفتحتني على فضاءات واسعة لا عهد لي بها، وكنت مولعاً كما أسلفت بالجدل حول القضايا النظرية، كالايمان بالله، ومصير الإنسان بعد الموت والقضاء والقدر، وهو ما جعل في يدي أسلحة كان يلذ لي استخدامها في معاكسة وتسفيه والسخرية من بعض المشايخ الذين كانوا يدرسوننا العلوم الدينية. والحقيقة أني تخرجت من جامعة الزيتونة لا يشدني إلى الإسلام إلا بعض ما تلقيته من والدي أما من الناحية الفكرية فقد كنت أقرب إلى الشك والحيرة والتمرد على القديم، وما ذلك إلا رد فعل على أسلوب المشايخ في التعليم وضد المنهاج التعليمي الذي كان سائداً في جامعة الزيتونة، والذي كان يقدم صورة عن الإسلام لم تكن تجيبنا عن تساؤلاتنا ولم تكن تعطينا أي ثقة في الإسلام ولاتقدم إلينا صورةٍ معاصرة له، بل كنا نشعر عندما ندخل حلقة الفقه أننا ندخل متحفاً تاريخياً. وعندما نخرج نجد عالماً آخر تسوده الحداثة والمعاصرة ولا علاقة له بالإسلام. انتقل بعد ذلك إلى مصر لمواصلة دراسته، وكان يومئذ من المعجبين بالناصرية : "كنت في البداية كما أسلفت ناصرياً بالعاطفة "، لكنه لم يستقر بها طويلا بسبب تدخل السفارة التونسية, وانتقل إلى دمشق، حيث حصل على الإجازة في الفلسفة, وهناك بدأت تتبلور المعالم الأولى لفكره الإسلامي : " كانت ليلة 15 يونيو (حزيران) 1966 نقطة التحول في حياتي حيث تجمعت في الحوض محصلة خبراتي إلى حد الامتلاء ففاض فكان اليقين حازما برعاية الله لي والاطمئنان كاملا إلى أنه بدعوتي سبحانه دعوة لا تتحمل الانتظار إلى الخروج من عالم والدخول في آخر. تلك كانت هي ليلة دخولي الإسلام، خلعت فيها عني أمرين، القومية العلمانية والإسلام التقليدي في عملية واحدة، ودخلت في الإسلام الأصلي، الإسلام كما تلقيته من مصدره الأصلي: الوحي، لا كما صنعه التاريخ وصنعته التقاليد. وفاضت على نفسي موجة عارمة من الإيمان والحب والفرح والإعجاب بهذا الدين فنذرت حياتي له. تركت الاتحاد الاشتراكي في السنة الثالثة من إقامتي في سوريا وانتقلت إلى التيار الإسلامي، فكراً وحياة ومصيرا مجردا من كل صيغة تنظيمية، تاركاً الناصرية وكانت في أوجها، أي قبل هزيمتها عام 1967. .الانتساب إلى الحركة الإسلامية انتقل الغنوشي إلى فرنسا لمواصلة الدراسة بجامعة السوربون. وبموازاة ذلك بدأ نشاطه الإسلامي وسط الطلبة العرب، كما تعرف على تجربة جماعة التبليغ وانخرط فيها للدعوة وسط العمال المغاربيين. وفي نهاية عام 1969 عاد الغنوشي إلى وطنه حاملا مشروعا إسلاميا للإصلاح، والتحق بكلية الشريعة في تونس حيث حصل على شهادة التأهيل للبحث من خلال رسالة حول "القدر عند ابن تيمية"، ثم حال الاضطهاد دون مناقشة أطروحته حول "الحريات العامة في الدولة الإسلامية".تأثره بمالك بن نبييقول الغنوشي : " لقد كان لمالك بن نبي تأثير في المجموعة الإسلامية التونسية، التي استفادت كثيراً من "ملتقيات الفكر الإسلامي" التي كانت تنعقد مرةً أو أكثر كل سنة في الجزائر خلال السبعينات، وكانت مجموعتنا - التي تضم الشيخ عبد الفتاح مورو والفاضل البلدي وصالح بن عبد الله وحميده النيفر وراشد الغنوشي - تذهب في كل سنة في الأعوام 1970، 1971 ، 1972 من تونس إلى الجزائر لحضور تلك الملتقيات حيث نلتقي بمالك بن نبي، الذي كان يخصنا باللقاء والمحاضرة والحوار والتوجيه. وكنت ولا أزال شديد الإعجاب به، وأعتقد أنه يمثل عنصراً من عناصر الثقافة الإسلامية المعاصرة لم يشغل نفسه بشرح مفاهيم الإسلام في المطلق وانما سلط أدوات التحليل العلمي والمعرفة المعاصرة على واقع المسلمين والواقع الدولي عامة لتبصير المسلمين بحقائق هذا الواقع والقوى المتحكمة فيه وعوامل تطوره بما جعله بحق - من دون غيره- الامتداد الطبيعي لمدرسة ابن خلدون.لقد أضاف مالك بن نبي بعداً آخر إلى تكويننا هو البعد التاريخي الاجتماعي، أو البعد التحليلي للظاهرة الاجتماعية والسياسية والتاريخية، فلم نعد نتعامل مع نظريات إسلامية، مثل المرأة في الإسلام أو الاقتصاد في الإسلام أو الحكومة في الإسلام كما هو سائد في الأدبيات الإسلامية، وإنما أصبحنا نتعامل مع واقع المسلمين سواء الواقع القائم الآن أم الواقع التاريخي، على ضوء مفهوم الحضارة والتخلف والعدل والظلم والديمقراطية والديكتاتورية وليس فقط على ضوء مفهوم الإيمان والكفر. ذلك أن معادلة السلوك الإنساني فردا وجماعة لا تتقوم بعنصر واحد على أهميته هو عنصر الايمان. وهو ما يتساوق مع منطق القرآن في تعامله مع الأمم الأخرى حيث الأداة المستخدمة غالبا ليست أدوات التعميم مثل كل، وانما أدوات التبعيض "ليسوا سواء من أهل الكتاب..."، وهذا المنطق التحليلي النسبي يجعل غير المسلمين ليسوا كتلة صماء واحدة معادية، بل منهم العدو ومنهم المحايد ومنهم الصديق وكل حين له أحكامه الخاصة في التعامل .تأسيس حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة)حال عودته إلى وطنه بعد غربة طويلة بدأ نشاطه الدعوي وسط الطلاب وتلاميذ المعاهد الثانوية وعامة الناس في المساجد ونوادي الثقافة. وتشكلت ممن استجابوا له النواة الأولى للجماعة الإسلامية التي عقدت مؤتمرها الأول عام 1979 حيث انتخب الشيخ الغنوشي رئيسا لها، ثم تطورت الجماعة إلى حركة الاتجاه الإسلامي عام 1981 إذ طالبت باعتمادها حزبا سياسيا، لكن الرد كان حملة اعتقالات ومحاكمات.وفي عام 1988 أعيد تشكيل الحركة في صيغة جديدة "حركة النهضة" في مسعى للتوافق مع قانون يحظر تأسيس الأحزاب على أساس ديني، إلا أنه رفض اعتمادها مرة أخرى.وبعد ما ظهرت شعبية الحركة الواسعة كما أبرزتها انتخابات 1989 التي فازت بها النهضة، تم تزييف النتائج على نطاق واسع مع التصميم على استئصال النهضة واعتماد خطة تجفيف ينابيع الإسلام. المحاكمة والسجنحوكم الغنوشي بسبب نشاطه الدعوي والسياسي عدة مرات كان أهمها:
• عام 1981 إذ حكم عليه بالسجن 11 عاما قضى منها أربعة.
• عام 1987 إذ حكم عليه بالسجن مدى الحياة، إلا أنه أفرج عنه بعد عام ونصف إثر الانقلاب على بورقيبة، ثم ما لبث أن غادر البلاد بعد تزييف نتائج انتخابات 1989 وتشديد التضييق عليه، وهو منذ العام 1991 يقيم في بريطانيا لاجئا.
• عام 1991 إذ حوكم عليه غيابيا مرة أخرى بالسجن مدى الحياة.
• عام 1998 إذ حوكم عليه غيابيا أيضا بنفس الحكم السابق.من مؤلفاته• طريقنا إلى الحضارة
• نحن والغرب
• حق الاختلاف وواجب وحدة الصف
• القضية الفلسطينية في مفترق الطرق
• المرأة بين القرآن وواقع المسلمين
• حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية
• من الفكر الإسلامي بتونس
• الحريات العامة في الدولة الإسلامية (جزآن)
• القدر عند ابن تيمية
• مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني
• الحركة الإسلامية ومسألة التغيير
• من تجربة الحركة الإسلامية في تونس
• تمرد على الصمتوقد ترجم بعض من كتبه إلى لغات أجنبية كالإنجليزية والفرنسية والتركية والإسبانية والفارسية.
كما كتب في العديد من الصحف والدوريات، وترأس تحرير مجلة المعرفة، وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات.
عضوية المؤسسات الإسلاميةالشيخ راشد الغنوشي من مؤسسي :
- الندوة العالمية للشباب الإسلامي عام 1971.
- المؤتمر القومي الإسلامي الذي يجمع بين التيار القومي العربي والتيار الإسلامي.
- حلقة الأصالة والتقدم التي تعنى بالحوار الإسلامي المسيحي، والتي تضم عددا من كبار المفكرين الإسلاميين والأوروبيين والأميركيين.
- المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.
نشرت فى 11 أغسطس 2011
بواسطة BADRFOUDA
ابو استشهاد
ندعوا الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والى تكوين الفرد المسلم والاسرة المسلمة والمجتمع المسلم والى الحكومة المسلمة والى الدولة المسلمة والخلافة الاسلامية والى استاذية العالم »
ابحث
تسجيل الدخول
عدد زيارات الموقع
132,579



ساحة النقاش