تبني مواقف اليمين
لقد تبنَّى أوباما مواقف اليمين الإسرائيلي من الصراع بشكلٍ سافر، فهو يطالب الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهوديَّة، وهو نفس الشعار الذي يرفعه نتنياهو ووزير خارجيته أفيغدور ليبرمان، ولا مجال للتذكير هنا بأن هذا الموقف لا يعني فقط موافقة الفلسطينيين على التنازل عن المطالبة بحق العودة للاجئين، على اعتبار أن مثل هذه العودة تهدِّد التفوق الديموجرافي لليهود في أرض فلسطين، بل إنه يعني بشكلٍ أساسي إضفاء شرعيَّة على أي خطوة تقدم عليها إسرائيل، وترى أنها تخدم ضمان تواصل الطابع اليهودي للدولة، وضمن ذلك سن القوانين العنصريَّة، أو القيام بإجراءات قمعيَّة ضدّ فلسطينيي 48 والمقدسيين بهدف دفعهم لمغادرة أراضيهم، وهذه الإشارة جعلت المعلِّق الإسرائيلي شمعون شيفر يجزم أن أوباما هو أوضح الرؤساء الأمريكيين وأكثرهم حدَّة في مطالبة الفلسطينيين بالتخلي عن حق العودة، الذي يعتبر أكثر الثوابت الوطنيَّة الفلسطينيَّة قدسيَّة.
لقد تَمَّ تقديم إشارة أوباما إلى ضرورة إقامة دولة فلسطينيَّة في حدود 1967 على اعتبار أنها "إنجاز كبير" للفلسطينيين، لكن هذه فقط قراءة مبسطة وتسطيحيَّة لما جاء في الخطاب، حيث إن أوباما تحدث في نفس الوقت عن تبادل أراضٍ، وتعمَّد عدم الإشارة إلى مساحة الأراضي المتبادلة أو مكانها، وهذه الإضافة تعني أن إسرائيل غير مطالبة بالانسحاب إلى حدود 1967، وحتى ندلِّل على الإشكاليَّة الكبيرة في هذه النقطة تحديدًا، فإنه بإمكان إسرائيل أن تعرض على السلطة الفلسطينيَّة ما كان قد طرحه ليبرمان وأقطاب اليمين المتطرف في إسرائيل بأنه يمكن مبادلة التجمعات الاستيطانيَّة اليهوديَّة في الضفة الغربيَّة بمنطقة المثلث التي تضمُّ أكبر عدد من فلسطينيي 48، حيث إن هذا يضمن لإسرائيل تحقيق إنجازين استراتيجيين؛ فمن ناحية تضمن ضمّ التجمعات الاستيطانيَّة لها، وفي نفس الوقت تتخلَّص من الثقل الديموجرافي لفلسطينيي 48، وعلى كل هذا ينسجم مع مطالبة أوباما الفلسطينيين بالاعتراف بيهوديَّة الدولة، لقد تحدث أوباما عن دولة فلسطينيَّة منزوعة السلاح وترتيبات أمنيَّة لإسرائيل، و" الترتيبات الأمنيَّة مصطلح " فضفاض" يمنح إسرائيل الحق بمطالبة الفلسطينيين بقائمة لا نهائية من المطالب، فعلى سبيل المثال يرى نتنياهو أن الترتيبات الأمنيَّة تعني مواصلة إسرائيل الاحتفاظ بمنطقة الأغوار التي تشكل حوالي 20% من مساحة الضفة الغربيَّة، علاوة على قمم الجبال، وغيرها.
إغراء إسرائيل بالتعنت
اللافت أن أوباما حرص على تضمين خطابه بكل ما يُغري نتنياهو بمواصلة التطرف والتعنت، فهو قد أوضح بشكلٍ لا لبس فيه أن الولايات المتحدة لن تتدخل في إملاء أي تسوية على الطرفين، وستترك لهما حرية الاختيار؛ أي أن نتنياهو الذي أهان أوباما ورفض ما جاء في خطابه، على الرغم من اشتماله على إنجازات هائلة لإسرائيل، بإمكانه أن ينام ليله هادئ البال، فما جدوى أن يتحدث أوباما عن أي دولة فلسطينيَّة في الوقت الذي يعلن أنه لن يمارس أي ضغط من أجل إجبار إسرائيل على الموافقة على ذلك، ليس هذا فحسب، بل إن إسرائيل بإمكانها مواصلة الاستيطان والتهويد وتكريس الحقائق على الأرض حتى لا يكون هناك ثمة مسوغ للحديث عن دولة فلسطينيَّة، دون أن يخشى ردَّة فعل أمريكيَّة، مع العلم بأن إدارة أوباما رفعت الراية البيضاء منذ زمن عندما أبلغت السلطة الفلسطينيَّة أنها عجزت عن إقناع نتنياهو بتجميد الاستيطان ولو لثلاثة ساعات، والذي يدلِّل على أن نتنياهو يتعامل مع أوباما على هذا الأساس.
حقيقة إنه قبل ساعات على إلقاء أوباما خطابه، كان نتنياهو يسمح لوزارة الداخليَّة في حكومته بطرح عطاءات لبناء مئات الوحدات السكنيَّة في محيط القدس المحتلة، وبكل تأكيد فإن أوباما يشدِّد على مواصلة دعم إسرائيل عسكريًّا واقتصاديًّا وضمان بقائها كالطرف الذي يتفوق استراتيجيًّا على جميع دول المنطقة.
اغتيال استحقاق سبتمبر
وفي مقابل محاباة أوباما لنتنياهو، فقد طرح العديد من الإملاءات القاسية على قيادة السلطة الفلسطينيَّة، التي تشكِّل بدورها رصيدًا هائلًا لإسرائيل ولحكومة اليمين المتطرف فيها؛ فأوباما نزع الشرعيَّة عن أهم تحرك استراتيجي فلسطيني في العقود الثلاثة الماضية، وهو السعي للحصول على اعتراف من الجمعية العامَّة للأمم المتحدة بالدولة الفلسطينيَّة العتيدة في سبتمبر القادم، أوباما -وفي دعوة مباشرة وحادة لدول العالم بعدم تأييد التحرك الفلسطيني المرتقب- اعتبر أن هذه الخطوة لن تمكِّن الفلسطينيين من الحصول على دولة، بالطبع يكفي المرء أن يرصد المخاوف الإسرائيليَّة من التداعيات المترتبة على حصول الفلسطينيين على اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينيَّة، ليدرك حجم الهستيريا التي تجتاح الكيان الصهيوني خوفًا من هذه التداعيات لدرجة أن وزير الحرب الإسرائيلي وصفها بـ "تسونامي" سياسي هائل، وبعد ذلك يأتي أوباما ليغتال استحقاق سبتمبر لكي تتلافى إسرائيل مواجهة هذه التداعيات.
ومن المتوقع على نطاق واسع أن ينجح أوباما في تنفيس التحرك الفلسطيني المستقبلي، حيث إن الاتحاد الأوروبي أعلن تأييده لما جاء في الخطاب، وهذا يعني تآكلا مبكرًا في عوائد التحركات الفلسطينيَّة بهذا الصدد.
تأبيد الانقسام
وحسب منطق أوباما، لا يمكن أن تكون هناك حكومة تشارك فيها حركة حماس طرفًا في علاقة مع المجتمع الدولي، على اعتبار أنها حركة "إرهابيَّة" مع العلم بأن أبو مازن أبلغ العالم أجمع وضمنه الأمريكيين أن الحكومة القادمة لن تكون ذات صبغة حزبيَّة أو سياسيَّة، كما أن برنامج هذه الحكومة سيكون نفس برنامج أبو مازن، وأوباما يطالب أبو مازن بتقديم أجوبة على "الأسئلة الصعبة" التي سيوجِّهها له بشأن الاتفاق مع حماس، وليس هنا المجال للتذكير بنفاق أوباما، الذي من جانب يذرف دموع التماسيح على الديموقراطيَّات في العالم العربي ويسب الطغاة الذين ساندهم بكل قوة، ومن جانب يرفض التعاطي مع حركة حظيت بثقة الشعب الفلسطيني في انتخابات ديمقراطيَّة نزيهة.
الخطوة الفلسطينيَّة المقابلة
من الواضح أن الفلسطينيين يواجهون اختبارًا صعبًا في أعقاب خطاب أوباما، حيث أنه تبدو بشكل واضح اللهجة التهديديَّة، فأوباما ليس فقط يريد تجريد الفلسطينيين من الأوراق الهامَّة التي بإمكانهم توظيفها وإيذاء إسرائيل، لكنه في نفس الوقت يريد ببساطة تصفية الحلم الفلسطيني الذي تحقق والمتمثل في إنهاء حالة الانقسام، ويمارس الضغط على قيادة السلطة الفلسطينيَّة بالعودة للمفاوضات العبثيَّة مع إسرائيل.
إن قيادة السلطة مطالبة بالتأكيد لأوباما بأنه لا تراجع عن المصالحة الفلسطينيَّة الداخليَّة، فأوباما الذي سيشرع قريبًا في حملة انتخابيَّة لضمان انتخابه مجددًا معنيٌّ بالصوت اليهودي، وبالطبع يشكل الانصياع لمطالب إسرائيل وتبني أجندتها سبيلًا لذلك، من هنا فإن قيادة السلطة مطالبة بمواصلة التشبث بخيار الوحدة الوطنيَّة والتوجُّه نحو الأمم المتحدة، وألا تتردَّد في ذلك، بالتنسيق مع العالمين العربي والإسلامي ودول العالم التي لا تتبنَّى المواقف الأمريكيَّة، على قيادة السلطة ألا تتردَّد، فما جاء في خطاب أوباما يؤهِّله فقط للانضمام لحزب الليكود.



ساحة النقاش