العمل، هذه هي وظيفة الإنسان في هذه الحياة الدنيا من عرشها إلى فرشها، ومن طولها إلى عرضها، وهي مسؤوليته فيما عمل، وفيما سيعمل، وبين هذا وذاك تنهض شهادة الشهود على الجودة والرداءة من الأعمال.

فالعمل هو الحركة الدائبة لهذا الإنسان الذي خلقه الحق تبارك وتعالى فأحسن خلقه، وأبدع صورته، وزوّده بكل وسائل العمل والإبداع، وسخر له المادة التي يظهر فيها عمله، ويتجلى فيها إبداعه، وأقام الرقابة عليه، فمهما أظهر وأسر فسيعلم عمله، وسيراه الناس ويشهدون له أو عليه، فقد روي: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوَّة لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان". رواه أحمد.

وقد قيل: ومهما تكنْ عند امرئٍ من خليقةٍ وإنْ خالَها تخفَى على الناسِ تُعلم.
لاسيما في هذه الأزمان التي انكشفت فيها الأسرار وزالت عنها الأستار. وتكفي شهادة الحق عز وجل، فهو على كل شيء شهيد، وهو أقرب إلى الناس من حبل الوريد، ورسله الكرام يكتبون القليل والكثير، والصغير والكبير، قال تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع نجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون). الزخرف:80.

فالعمل هو الحركة الدائبة التي لا ينفك الإنسان عن تبنيها والقيام بها، لكن شتان بين عمل وعمل، فهناك العمل الصالح، وأيضاً هناك العمل الطالح، قال صلى الله عليه وسلم: "كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه، فمعتقها، أو موبقها". رواه مسلم.

قال العلماء: كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله تعالى بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى، فيوبقها، أي يهلكها. لكن المهم أن يفهم الإنسان وظيفته التي كلفه الله تعالى بها، وهي العمل الصالح الذي يبني معالم الحياة السعيدة، ويبدع في صناعة الحضارة الرشيدة، فإن الله تعالى لا يحب الفساد.

فهذا الإنسان جعله الله خليفة في هذه الأرض، وعلمه كيف يبني الحياة ويصنع الحضارة، قال تعالى: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة). البقرة:30، وقال: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض). الأنعام:165. وقد علّم الحقُّ تبارك وتعالى الخليفة الأول وهو آدم عليه السلام كل ما يحتاجه من الفنون والعلوم ليحسن هذه العمارة ويقوم بحق تلك الخلافة، قال تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها). البقرة:31.

قال العلماء: علمه أسماء الأشياء وخصائصها ومنافعها، وهي الأدوات التي من خلالها يقوم بدور الخلافة في الأرض، ويصنع على ضوئها العلاقات الحسنة بين أبنائه، وما يكون من ذريته، ولما لم يكن من وظائف الملائكة العمارة لهذه الأرض لم يكونوا مزودين بمعرفة أدواتها ووسائلها. قال تعالى: (وهو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها). هود:61. أي جعلكم عمارها وسكانها، وأمركم بالإصلاح فيها، ونهاكم عن الإفساد عليها.

لقد علّم الحق تبارك وتعالى هذا الإنسان طرق الإصلاح في هذه الأرض، وحسن العمارة فيها، وذلك عن طريق رسله وشرائعه، وقال لهم قولته الشهيرة: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى). طه:123. وقال: (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم). الأعراف:3.

وكان من مفردات هذا المنهاج الكريم المتمثل بكتب الله تعالى، وعلى لسان رسله: أن أمرهم بمعرفته عز وجل، والوقوف على أسمائه وصفاته، وقصّ عليهم أمثلة كماله، وأشكال إبداعاته، كما أمرهم بحسن عبادته وعلّمهم طرائق هذه العبادة وأنواعها، ورغّبهم بمكارم الأخلاق وحثهم عليها، وشرع الأحكام لسائر تصرفاتهم القولية والفعلية، وأمرهم بعمارة هذه الأرض، وتفجير طاقاتها، والاستفادة مما أودع الله تعالى فيها من مخزون النعم، وصنوف القوى والطاقات، وأمرهم أن يسيروا في استخدام معطياتها وفق المصالح التي شرعها لهم لتظل مسيرتهم محروسة برعاية الله تعالى وكلاءته، وخوّفهم من مغبة الخروج عليه، ومن عواقب العصيان له.

ثم إنه سبحانه وتعالى أقام لهم في النهاية يوماً يعرضون عليه فيه، فينبئهم بما علموا، ويجزيهم بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). الزلزلة:7-8.

لقد علّم الدين هذا الإنسان فنون التعامل مع الحياة والأحياء، وأرشده إلى الطريقة التي يبدع بها أساليب العمران، ووضع له الهدف، ودلّه على الغاية القصوى التي يجب أن يتوخّاها من وراء كل مهاراته وإبداعاته في جنبات هذه المعمورة.

لقد من الله تعالى على هذا الإنسان بقوله الكريم: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض). لقمان:20. وقال: (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار). إبراهيم:32-33.

فكل ما في هذه الدنيا من أولها إلى آخرها، ومن أصغر ذراتها إلى أكبر مجراتها مذلل لخدمة هذا الإنسان، ومسخر لمنافعه، فقد ملكه الله تعالى نواصيها، وأمره بحسن التعامل مع هذه الخلائق وتسخيرها بما يملك من مهارات وإبداعات في مصالحه، ومنافعه العاجلة والآجلة، لكن وفق الخطة التي رسمها له الحق تبارك وتعالى، وهي المتمثلة بقوله عز من قائل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون). النحل:9. وقوله: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). الأعراف:56.

لكن الكثير من الناس –وللأسف– تجنبوا هدي الله عز وجل في تعاملهم مع الحياة والأحياء في هذه الدنيا، وقطعوا صلتهم بالله عز وجل في تعاملهم مع معطيات ما خلق الله تعالى من أجلهم في البر والبحر، وسخروا علومهم وإبداعاتهم ومهاراتهم في صراعات قاتلة بين أبناء البشر، فما كان من وراء ذلك إلا المصائب والشقاء لبني الإنسان، والذي رسم على وجه الحياة علامات السوء والكدر، وطالت هذه الحقبة الجافة من معالم الروح، وازداد تأثيرها في كل مكان، حتى عمت البلوى وكثرت الشكوى، وأصبح لابد من دور فاعل يقوم به الأخيار والأتقياء لإعادة القافلة إلى دربها، والسير بها إلى ربها، لتعود النعمة إلى الأرض، ويسعد الجميع بفضل الحق وإحسانه، والله عز وجل يستصرخ ضمائر الناس، ويقول لهم: (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم). المائدة:74. وقال: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعاً حسناً). هود:3.

إن باب إصلاح الحال والعودة بالأمور إلى مواطن الخير والفلاح ما زال مفتوحاً لم يغلق، وما زال الطريق واضح المعالم لم يندثر ولم يختفِ، وإنما يحتاج إلى عزيمة الرشد، واستعادة الغاية العظمى لوجود هذا الإنسان، وتحقيق الهدف المنشود من وجوده، ألا وهو عبادة الرب سبحانه وتعالى، والسعي في مرضاته، وهذا يحتم على الإنسان أن يرجع ليضع الأمور في دروبها الصحيحة، ويسير بها وفق خطتها المرسومة على لسان الشرع الحنيف. قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). الذاريات:56-58.

فينبغي ونحن نسعى لعمارة هذه الأرض والإبداع فيها بما يمكن أن نبدع فيه من معطياتها، ونستخرج من كنوزها ومكنوناتها أن تكون عبادة الله عز وجل هي طريقنا وسبيلنا إلى مرضاته، فإن تحصيل رضاه هو الغاية القصوى، والهدف المنشود، وكل ما شرع لنا من أوجه العبادة وضروب المعاملة إنما يصب في تحقيق هذه الغاية، وتوخي هذا الهدف، وينبغي أن نعلم أن كل ضرب في الدنيا وكل عمل فيها مادياً كان أو معنوياً إنما هو عبادة لله تعالى إذا اقترن بالنية الصالحة.

فالعبادة: هي الطاعة لله تعالى، وإذا أطعنا الله تعالى في أعمالنا ومكاسبنا وسائر وجوه تصرفاتنا، مادية كانت أو معنوية، دنيوية أو دينية، فقد عبدناه، ونلنا رضاه.

 

  • Currently 15/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
5 تصويتات / 67 مشاهدة
نشرت فى 28 إبريل 2011 بواسطة BADRFOUDA

ساحة النقاش

ابو استشهاد

BADRFOUDA
ندعوا الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والى تكوين الفرد المسلم والاسرة المسلمة والمجتمع المسلم والى الحكومة المسلمة والى الدولة المسلمة والخلافة الاسلامية والى استاذية العالم »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

132,715