المصدر: قصة من وحي الخيال ... بعنوان :-
المرأة التي ملأت الفراغ
بقلم : عبدالرحيم حشمت عسيري . المحامي
لم يكن منتصر الأستاذ الجامعي - الذي وهبه الله أربعة أبناء من زوجة جاهلة أقل ما توصف به أنها فصل من فصول الابتلاء - يعلم أنه على موعد مع هدية من السماء ، بعدما تجاوز الخمسين من عمره .. عندما رأى لأول مرة في حياته إنسانة مختلفة عن البقية في أحد الصالونات الأدبية في المحافظة النائية التي شهدت مسقط رأسه .. إنسانة عبارة عن شعلة من الذكاء والحيوية .. اسمها نور نعم هي نور فعلا اسما على مسمى كما قالت العرب قديما " لكل امرئ من اسمه نصيب " .. فقد كانت نور مدعوة أيضا لحضور تلك الأمسية الثقافية التي اعتبرها منتصر في ما بعد الحاضنة الأولى لذكرياتهما العاطفية ، والشاهد الصامت على ميلاد حبهما القدري الناضج .. حيث تصادف جلوسها بالقرب منه فلفتت انتباهه بشياكتها ، واهتمامها بنفسها ، وأسرت قلبه بوجهها الصبوح ، وابتسامتها الساحرة ، وقوامها الممتلئ ، وملامحها الشرقية ، وأثارت اهتمامه بثقافتها العالية بعدما استرق السمع لأحاديثها الجانبية تعليقا على ما تم تقديمه من إبداعات ثقافية في تلك الأمسية .
قبيل انتهاء الحفلة سأل منتصر صديقه أيمن الصحفي المشهور الذي وجه له الدعوة عمن تكون تلك السيدة الجميلة المتألقة ؟ .. همس في أذنه مازحا من قال لك استقر في القاهرة وانس أبناء محافظتك التي عشت فيها أحلى سنين عمرك ؟ .. فقال له منتصر بلهجة آمرة دعك مما تقول وقل لي ماذا تعرف عن هذه السيدة ؟ .. فرد أيمن قائلا يبدو لي يا صديقي أنك وقعت في الحب من أول نظرة .. فأومأ منتصر برأسه بالإيجاب ، وبدت على وجهه علامات الرضا والسرور والإعجاب .. ثم أضاف صديقه قائلا إنها نور إحدى الشخصيات المحترمة المعروفة ، بنت بلد أصيلة ، أرملة منذ فترة طويلة ، أبت الارتباط ، ورفضت جميع الإغراءات ، وكرست جل وقتها لرعاية أبنائها حتى تخرجوا من أعرق الجامعات ، أحمد شقيقها الأكبر من أعز أصدقائي ، والدها رحمه الله كان صاحب أكبر شركة مقاولات على مستوى المحافظة ، تنتمي لأسرة وطنية عريقة ، نال العديد من أبنائها جيلا بعد جيل شرف الجندية في صفوف "خير أجناد الأرض" بمختلف الرتب والمناصب العسكرية ، فشربت نور منذ نعومة أظافرها من معين الوطنية حتى ارتوت ، وتعلمت الأصول ، وتربت على المبادئ ، وآمنت بقيم العدل والعطاء والصدق والمساواة ، وعرفت قيمة عنصر الوقت ، وتدربت على الالتزام بالوعد ، وعرفت أهمية احترام العهد فنشأت معتدة بنفسها ، معتزة أيما اعتزاز بعائلتها ، شديدة الانتماء لوطنها .. فكان طبيعيا أن ينعكس ذلك كله على أسلوب عملها كمديرة ناجحة لإحدى الشركات العملاقة القليلة المتبقية من القطاع العام الذي استولى عليه في غفلة من الزمن رأس النظام الأسبق الفاسد ، وولداه ، وأعوانه ، وحاشيته ، وأركان نظامه ، وعصابة حزبه اللاوطني المنحل البائد .
حينئذ أرسلت العيون نظراتها ، وبعثت الأرواح رسلها ، وأطلقت القلوب سهامها ، ولعبت عبارات الترحيب المتبادلة بينهما دورها .. فوجد كلاهما ضالته المنشودة في الآخر وسرعان ما تعارفا وتبادلا أرقام الهواتف ودعوات الصداقة على مواقع التواصل الاجتماعي ، ثم تواعدا على اللقاء في الساعة الخامسة مساء اليوم التالي في كافتيريا الجامعة الشهيرة التي يأوى إليها عادة هواة الأجواء الشاعرية الجذابة ، ومحبو المناظر الطبيعية الخلابة من المبدعين والعشاق وأصحاب الفكر الخلاق .. لاستكمال التعارف ، وتوضيح المواقف ، وتسليط الضوء على القواسم العامة ولعل أهمها على وجه الإطلاق في هذا الوقت بالذات التوافق في الرأي خصوصا حول القضايا السياسية الشائكة في دولة إقليمية عظمى تعاني من انقسام فكري واستقطاب سياسي بعدما غرق شعبها بكامل طبقاته الاجتماعية ، وشتى طوائفه الدينية ، وجميع أطيافه الفكرية في مستنقع السياسة حتى أذنيه عقب ثورتين شعبيتين خالدتين فجرهما هذا الشعب الصابر المطحون في غضون سنتين وبضعة شهور .. الأولى قامت ضد التوريث والفساد والاستبداد ، أما الثانية فاندلعت ضد الإقصاء والاستحواذ والفاشية الدينية .
كان التزامهما بالموعد أولى البوادر الإيجابية الدافعة للتوافق والانسجام .. ففي اليوم التالي للحفلة وتحديدا في الساعة الخامسة إلا عشر دقائق مساء حضرت نور إلى الكافتيريا بكامل أناقتها وهي واثقة الخطوة تمشي ملكة .. فوجدت منتصر في انتظارها جالسا في الركن الهادئ - الذي حدداه سلفا - تحت ظلال الأشجار يترقب وصولها وهو يتصفح موقع الفيسبوك على اللاب توب الذي يكاد لا يفارقه أبدا ، وما أن رآها حتى انفرجت أساريره ووقف على فوره ليسمعها أعذب عبارات الترحيب والسلام والتحية والاطمئنان ، ثم دعاها إلى الجلوس حينئذ عجزت الألسن عن البوح بما يجيش في الصدور .. فعبرت لغة العيون - وما أبلغها من لغة - عن أسمى معاني الحب والإعجاب .. ولم يمض كثير من الوقت حتى قطع منتصر لحظة الصمت فقال أعترف لك يا سيدتي بأنني فعلا أحببتك من أول نظرة وهذا شرف لا أدعيه وحقيقة لا أنكرها ، وأقسم على أنني بمجرد أن وقعت عيناي عليك لأول مرة نسيت آلامي ، وتبددت أحزاني ، وهانت علي عذابات سهر الليالي .. فقد تحققت جميع أحلامي بعدما التقيت بالإنسانة التي كنت أبحث عنها طوال حياتي .. بينما كانت نور في غاية السعادة والسرور ، وهي تومئ برأسها إعجابا كما لو كانت تسمع عزفا منفردا .. لكن ما الذي كانت تفتقده نور فيمن تقدموا لها من قبل - وهم كثيرون - ووجدته أخيرا في منتصر ما جعلها توافق بهذه السرعة ؟ .. هل هو التكافؤ (التعليمي والمالي والطبقي) ؟ ، أم هو المستوى الثقافي ؟ ، أم التقارب الفكري ؟ ، أم هو التوافق الذهني ؟ .. أم كان لوسامة منتصر ، ولياقته البدنية ، وعذوبة حديثه ، وثقته الكبيرة في نفسه دور كبير في قبول عرضه ؟ .. أم أنها وجدت في منتصر كل ما تقدم وأكثر ؟ .
تقع كافتيريا الجامعة في أرقى المناطق السياحية في المحافظة التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة ، لذا تم تصميمها على شكل باخرة فرعونية عملاقة ، راسية على شط النيل المتاخم لأسوار الجامعة ، تبدو للناظرين كأنها لوحة زيتية رسمت على مهل بريشة فنان عبقري ، تشاهد منها نهر النيل الخالد من كل الاتجاهات ، منظرها حضاري ، وجوها شاعري ، تنتشر فيها الخضرة ، وتحيط بها أشجار الزينة ، والورد بكافة الأشكال والألوان منتشر في كل الزوايا وجميع الأركان ، والهواء العليل الذي ينعش الصدور ويدغدغ المشاعر يداعب غصون الأشجار محملا بروائح الفل والياسمين والريحان .. ومن المشاهد المفرحة التي تشاهدها من هذه الكافتيريا البواخر السياحية وهي تغدو وتعود مكتظة بالوفود من شتى أنحاء المعمورة مشهد يبشر بالخير ويشرح القلوب .. وما مشهد قوافل السفن المحملة بالغلال ، والمعادن ، والأقطان ، والمواد الخام القادمة من الصعيد متجهة إلى القاهرة ومحافظات الدلتا إلا دليل حي على أن الصعيد تاريخيا هو صاحب اليد الطولى منذ عصر الفراعنة .. ولعل من أروع المشاهد الحية التي تراها وأنت على كافتيريا الجامعة مشهد الأسماك وهى عالقة في شباك الصيادين من أهالينا البسطاء الذين يقتاتون على هذا الرزق الحلال الطيب ، بطرق تقليدية بواسطة قوارب خشبية صغيرة ، وأدوات صيد بدائية بسيطة .. ومن المشاهد الرائعة التي تجعلك تحلق بفكرك ، وتسمو بمشاعرك تلك الرحلات المتلاحقة لأسراب الطيور المهاجرة التي تتخذ من مجرى نهر النيل مسارا لهجرتها الموسمية الذي رسمته العناية الإلهية بدقة متناهية .
لكن الذي لا يقل جمالا ولا روعة ولا سحرا ولا إبداعا عما سبق أنك تشاهد وأنت في حالة استرخاء تام ، مستمتعا بوقتك ، متكئا على مقعدك ، واضعا ساقا على ساق ، مرسلا خدك إلى كفك ، المراكب الشراعية وأقلعتها البيضاء التي تكاد تعانق السماء وهي تتمايل يمنة ويسرة متناغمة مع هبات النوة ، تلهم عقول المبدعين ، وتلهب مشاعر الأحبة والعاشقين ، وتوحي بالأفكار لكل ذي عقل سليم .. أما الإطلالة على نهر النيل الخالد الذي وهب الحياة للمصريين كما كان يعتقد أجدادنا الفراعنة الأولون .. فلا تستدعي ذكريات الطفولة الجميلة ، ولا أحلام الشباب وطموحاته فحسب ، بل تستدعي من أعماق الزمن الجميل عبق تاريخ عظيم لوطن بحجم مصر ، وعراقة شعبه الطيب الأصيل في كل عصر .. أما تحديد موعد هذا اللقاء العاطفي في وقت الغروب الذي جاء عفويا فلا يخلو من أحاسيس مرهفة ، وعواطف جياشة ، ورومانسية دفينة لم يعشها منتصر ونور من قبل .
ويبقى اللقاء الأول في كافتيريا الجامعة هو العلامة المميزة في قصة حبهما المتوهجة .. ففي ذلك اللقاء تكلم كل منهما عن نفسه بصراحة مطلقة ، ولم يتركا واردة أو شاردة تخصهما إلا وتوافقا عليها .. وعلى غير المألوف أخذت نور بزمام المبادرة فأرادت أن تتحدث عن نفسها كأنثى لكن غريزة الأمومة كانت لها الغلبة فبدأت كلامها قائلة أحب أولادي وافديهم بروحي وبدمي ، ثم قالت تزوجت وأنا ابنة الثامنة عشرة من طبيب يكبرني بحوالي عشرين عاما .. لا أخفي عليك أن حياتنا الزوجية لم تكن على ما يرام فقد كان إنسانا جادا لا يعرف ثغره الابتسام وكان قليل الكلام ، كثير الشكوى ، ضيق الخطوات ، متعدد الهفوات ، متسلطا إلى أقصى درجة بدعوى أنه يحبني ويغار علي ، لكنه في حقيقة الأمر كان يغار مني لا علي .. ولا أدري لماذا كان يغار مني بالرغم من نجاحه في عمله وتفوقه المعروف على زملائه ؟ .. فقد كان يزعجه نجاحي المتواصل وطموحي الوظيفي المتزايد ما جعله يطلب مني الاستقالة والمكوث في البيت والتفرغ التام للأسرة .. رغم أنه لم يكن في يوم من الأيام متشددا ، أو متطرفا ، أو ضد عمل المرأة .. لكنني رفضت الاستقالة بشدة خصوصا أنني لم أكن مقصرة تجاه أبنائي بل زادني ذلك إصرارا على الاستمرار في عملي ، وحرصا على التميز والتفوق .. خاصة بعدما أخبرني رؤسائي في العمل بأنني جديرة بالتزكية لتولي منصب تنفيذي رفيع في المستقبل .. وذلك بعدما لاحظوا أنني أسعى دائما إلى تطوير نفسي ، وتنمية قدراتي ، وإثبات مهاراتي ، وأعمل جاهدة على ابتكار أساليب جديدة في فنون الإدارة ، وأحرص على التواجد شبه الدائم بين صفوف العاملين في مواقع العمل ، عازفة عن الجلوس على المقاعد الوثيرة ، زاهدة في مباشرة عملي من المكاتب المكيفة ، رافضة الاكتفاء بالتقارير المكتوبة ، مؤمنة بأن الصلاحيات تكتسب ولا تمنح ، مستهدفة تحقيق أعلى معدلات الإنتاج ومن ثم زيادة الأرباح وهو أمر استثنائي في القطاع العام الذي كان يعاني في عصر الرئيس الأسبق المخلوع من الخسائر والفساد في آن .
كان زوجي رحمه الله يتقمص معي دور الأبوة في أقسى صورها .. ربما يعود ذلك إلى فارق السن الكبير الذي كان بيننا ، وربما لأنه كان يعاني من مشاكل تربوية ، أو كانت لديه رواسب قديمة ، أو كان مصابا بعقد نفسية ، وربما لهذه الأسباب مجتمعة ، أو لأسباب أخرى لا أعلمها كان يعاملني بتلك الطريقة الفجة .. عشنا على هذا المنوال عقدا من الزمان كأنه الدهر ، أنجبت خلاله ثلاثة أولاد .. ثم فارق زوجي الحياة إثر أزمة صحية مفاجئة ألمت به دون سابق إنذار .. تقدم لي الكثيرون لكنني رفضت فكرة الارتباط في ذلك الوقت وأكملت رسالتي مع أولادي على أكمل وجه .. وأصبح لكل منهم عمل مرموق ، وبيت ، وزوجة ، وأبناء ، وحياة مستقلة .. وما زالت تتقدم لي شخصيات محترمة لكنني لم أجد الإنسان المناسب الذي ينسيني تلك التجربة التعيسة المرة ، إنسانا سويا بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، لا يعاني من عقد نفسية ، إنسانا متحضرا يعرف كيف يتعامل مع المرأة باحترام وندية ، إنسانا يحتويني ، ويقدر نجاحي ، ويحترم ذكائي ، وينهي صراعي المرير مع هذه الوحدة القاتلة التي تحاصرني بلا رحمة ، إنسانا يعوضني عن سنوات الحرمان الطويلة ، ويعاملني برفق وحنية كما لو كنت طفلة صغيرة ، إنسانا جديرا بصحبتي ، إنسانا يستحق أن يشاركني حياتي ، يدنو مني ، ويقتحم عالمي ، ويكشف أسراري ، ويطلع على خصوصياتي .
أما على المستوى العملي فإنني آمل بالإضافة إلى عملي الحالي أن أحقق أمنية والدي التي لم يحققها أي من إخوتي .. فقد كان رحمه الله يتمنى أن يعمل أحدنا معه في شركة المقاولات الكبرى التي كان يملكها ، فيعلمه كل ما لديه من خبرة ، ويطلعه على أسرار المهنة ، ويصبح امتداده في الشركة .. لكننا جميعا أنهينا تعليمنا الجامعي ، وشققنا مجالات مختلفة ، والنتيجة أننا بعد وفاة والدنا أغلقنا الشركة بعدما أنهينا تماما ما لها وما عليها من التزامات ، وصفينا معظم أصولها ، فأصبحت الآن خاوية على عروشها بما تبقى فيها من مواد وآلات ومعدات باهظة القيمة .. لكنني أخيرا عقدت العزم على تحقيق الأمنية التي طالما تمناها والدي عليه ألف رحمة ، فلم أكن في يوم من الأيام في حاجة إلى المال لافتتاح الشركة ، ولم تكن تنقصني الرغبة ، بل كانت تنقصني دائما الهمة والعزيمة .. لذلك طلبت منذ فترة قصيرة من أحد المكاتب المتخصصة الشهيرة أن يعمل دراسة جدوى للشركة تمهيدا لاستكمال الإعدادات اللازمة لاستئناف نشاطها خلال الفترة القريبة المقبلة .
استمع منتصر لمحبوبته باهتمام وتركيز شديدين .. فشغفته حبا على حبه ، بعدما لمس في حديثها الصدق والوضوح والصراحة ، وتأكد من طيبة قلبها ، وسمو أخلاقها ، وأصالة معدنها ، وسعة أفقها ، وأعجب بشخصيتها القوية ، وحبها لأولادها ، وتقديسها للعمل ، وإصرارها على النجاح والتفوق .. فأمسك بطرف الحديث قائلا إن كنتي يا سيدتي تعانين من الوحدة فأنا أعاني من فراغ عاطفي قاتل ، جعلني أشعر طوال حياتي الزوجية بالغربة ، ففي ظروف ضبابية شاءت الأقدار الإلهية أن ارتبط بإنسانة بائسة غبية ، أحالت حياتي كلها إلى جحيم ، لكن القدر كان رحيما بي حيث رزقت منها بأربعة من الأبناء الصالحين ، ولدين وبنتين تبارك الله أحسن الخالقين .. لذلك عشت حياتي كلها أبحث عن فتاة أحلامي التي أتمناها ، وكنت مؤمنا إيمانا كاملا بوجودها ، وعلى يقين تام بأنني سأصادفها ذات يوم من الأيام ، فصدق حدسي حينما رأيتك ، وتحقق حلمي بوجودك .
حان الوقت كي أستمتع بحياتي مع المرأة التي تملأ الفراغ العاطفي الكبير الذي عانيت منه طوال سنوات عمري ، وتفجر طاقاتي الفكرية ، وتنمي ملكاتي الإبداعية ، وتحقق لي الاستقرار النفسي الذي حرمت منه منذ اليوم الأول لزواجي ، وتوفر لي الهدوء الأسري الذي لم أشعر به في حياتي .. الأمر الذي ضاعف من معاناتي وحرمني من ممارسة هوايتي المفضلة في كتابة قصص الخيال العلمي التي نلت عنها جوائز تقديرية ومالية عديدة رغم إسهاماتي القليلة .. علما أن لدي مخزونا هائلا من الأفكار الجاهزة ، لكنني أفتقد إلى الأجواء المناسبة للكتابة .. لذلك أتمنى أن يأتي اليوم الذي أسطر فيه ما في جعبتي وأنشر كتابي الأول عن الخيال العلمي الذي سيتحول في المستقبل - مع تواصل التقدم العلمي والتكنولوجي - من محض خيال إلى واقع عملي .
ثم توالت بينهما اللقاءات في كافتيريا الجامعة التي شهدت أعنف قصة حب عرفتها المدينة ، وتعددت بينهما في ما بعد الاتصالات أحيانا على التليفون وغالبية الوقت على الشات ، وكان من الطبيعي أن يلتقي منتصر ونور لأسباب مختلفة في أماكن عامة عدة لكن كافتيريا الجامعة ظلت هي المكان المحبب لهما ، ولم يمض على تعارفهما سوى بضعة شهور حتى تزوجا ، وأصرا على أن يقيما فرحا أسطوريا لم تشهد له المحافظة من قبل مثيلا ، دعوا إليه جميع الأهل والأصدقاء والمعارف والزملاء ، فعمت الفرحة ، وسادت البهجة ، وامتدت السهرة حتى ساعات الصباح الأولى .
جلست العروس على ميمنة العريس في الكوشة ، مرتدية فستان الزفاف ذا المواصفات المعروفة ، على مسرح قاعة الأفراح الكبرى ، في أجواء موسيقية صاخبة ، تحت الأضواء الساطعة ، وسط عدد غفير من المدعوين ، وكان من أبرز الشخصيات العامة المدعوة في هذا الفرح الكبير .. السيد الوزير المحافظ الذي يؤمن بكفاءة نور كنموذج مشرف للمرأة الصعيدية الرائدة ، ويعمل جاهدا على تصعيدها ، ويدعمها بقوة أمام الجهات الرسمية الأعلى .. ورغم أن السيد المحافظ كغيره من كبار المسئولين في الدولة دائما وأبدا مشغول إلا أنه لبى الدعوة ، وحرص على أن يكون الشاهد الأول على عقد زواج نور .. أما أيمن الصحفي الكبير المشهور الصديق المقرب لمنتصر فقد نال شرف الترتيب الثاني كشاهد على هذا الزواج الميمون ، وخطف منديل المأذون .
لكن المفارقة الحقيقية كانت في دعوة منتصر ونور لإدارة ورواد كافتيريا الجامعة التي احتضنت قصة حبهما منذ بداياتها حتى تناولتها الصحافة بعدما أصبحت حديث المحافظة .. وكأنهما أرادا أن يقولا لرواد الكافتيريا من أهل العشق والغرام ليكن حبكم حبا حقيقيا صادقا خاليا من الهوى ، حتى إذا ذهبت الرغبة إلى غير رجعة بقيت المودة والرحمة والعشرة .. اعلنوا حبكم على الملأ ، وتوجوه بالزواج ، اجعلوا نهايته عش الزوجية وياله من عش إذا حفته المودة ، وظلله الحب ، وعمته الرحمة أصبح هو الدنيا بأكملها .. عيشوا حياتكم بالشكل الذي يحلو لكم ، فلا طلعت الشمس ولا غربت على من يرضى أن يعيش تعيسا .. بعد مضي حوالي ثلاث سنوات مرت على زواجهما كطيف عابر افتتحت نور شركة المقاولات وأطلقت عليها اسم " شركة المنتصر للمقاولات " تكريما لزوجها الذي أسعد قلبها ، وأنساها كل ما فات ، ومع مرور الوقت أصبح منتصر من كتاب الخيال العلمي الذين يشار لهم بالبنان في جميع المحافل العلمية والمنتديات الثقافية بعدما نشر كتابه الأول عن الخيال العلمي وحصد جوائز عديدة والذي أسماه " نورانيات " تيمنا باسم محبوبته نور .
نشرت فى 23 سبتمبر 2017
بواسطة Amrroro

