قضية قديمة متجددة ومستمرة و هى الحق التاريخ فى الحصة المائية  لمصر فى مياه النيل و مايثار حولها من تجازبات,

منذ اكثر من قرنين  من الزمان كان الاحتلال الانجليزى لمصر و السودان دوما حريصا بل شديدا فى حرصه  على تأمين  توارد مياه نهر النيل  للزراعة المصرية  من اجل القطن المصرى الذى يدير مصانع مانسشتر و كانت تراعى ذلك فى كافة الاتفاقيات التى كانت تبرمها مع الدول المستعمرة لدول القارة الافريقية وتركت لنا ارثا تاريخيا من الاتفاقيات           و المعاهدات التى تثبت حق تاريخى لمصر فى مياه النيل و تؤكده, و لابد ان نعمل نحن على تأكيدها و زيادتها, ولكن منذ عقدين من الزمان تواجهنا مشكلات مع دول الحوض حتى انتهت بما اطلقوا عليه اتفاقية عنتيبى التى تهدر حقنا فى الامن المائى و تهدر حقنا فى الاعتراض على اى مشروعات تقام على النيل و المطالبة باعادة تقسيم حصص مياه النيل بين دول الحوض, ثم تفاجئنا اثيوبيا بتحويل مجرى  النيل الازرق  ايذانا ببدء الخطوات الفعلية فى بناء سد النهضة ذو الاثار المدمرة على مصر قبل الاتفاق النهائى على آلية بناء وتشغيل السد, مستغلة فى ذلك ارتباك المشهد السياسى المصرى و هشاشة الادارة المصرىة و عدم مقدرتها على اتخاز موقف صارم حيال ما تقوم به.

و فى مصر نفاجأ بالاعلان فى الاعلام المسموع و المشاهد والمقروء عن مبادرة لربط نهر النيل بنهر الكنغو الغنى بمياهه كحلا سحريا لأزمة المياه فى مصر و يقول المبشرون بها انها ستوفر لمصر نحو 95 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، وتتيح لها زراعة 80 مليون فدان، كما أنها ستوفر لمصر والسودان والكونغو طاقة كهربائية تقدّر بحوالى 18 ألف ميجاوات، أى عشرة أضعاف ما يولده السد العالى... الخ ...الفكرة ليست جديدة لكنها مستحيلة  التطبيق  على الاقل فى الوقت الراهن لأمور عدة  وهى:

 مبادىء القانون الدولي تمنع نقل مياه  الانهار خارج احواضها , التكلفة العالية جدا, ايضا ربط النهرين  يحتاج الى رفع المياه لاكثر من 200 متر وذلك لعوامل طوبوغرافية, و هذا سوف يستهلك كميات طاقة كبيرة جدا تقارب الطاقة المنتجة من المشروع, ايضا لن يتسع المجرى الحالى لنهر النيل  بدأ من نقطة الاتصال بين النهرين و حتى المصب لكميات المياه التى ستنقل و تقدر بحوالى 120 مليار متر مكعب سنويا, اى حوالى  130% من تصرف نهر النيل الحالى لذلك مطلوب حفر و تعميق مجرى النيل بنسبة 200%  من عمقه الحالى, مطلوب موافقة دول حوض نهر الكنغو و عددها عشرة  دول و موافقة دول حوض نهر النيل و عددها 11 دولة, غالبية دول الحوضين اقصد حوض نهر النيل و حوض نهر الكنغو تتسم بتقلبات سياسية حادة و تفاقم الاطرابات و تعاظم الحروب الاهلية و تواجد حركات التمرد.

وان جدلا بافتراض نجاح الفكرة و هذا لن يحدث فى المدى المنظور..  نتساءل هل سوف تكون المياه بالمجان ام سندفع ثمنا مقابلها؟ طبعا الثمن لدول المنبع فى نهر الكنغو , ثم الا نتوقع بمطالبات مالية مقابل مرور المياه فى اراضى بعض الدول؟ سواء من دول حوض النيل او حوض الكنغو, لو فرض و دفعنا مقابل مادى الا يغر ذلك دول المنبع فى نهر النيل بالمطالبة بالمعملة بالمثل, خاصة وان الفكرة مختمرة وسبق تناولها فى احد المؤتمرات التى عقدت فى العاصمة البريطانية لندن فى تسعينات القرن الماضى تحت مقترح اطلق عليه صندوق النيل. و الاخطر هنا ابناء العم القابعين على ارض فلسطين الا يعتبرون ذلك وقتا ملائما للمطالبة بشراء جزءا من حصة اثيوبيا فى نهر النيل ؟؟

كل هذه مخاطر قد تحيق بناء جراء البدء فى هذه الفكرة  الهزلية مستحيلة التطبيق واقعا و خيالا.

لكن السؤال هنا لماذا فى هذا التوقيت بالذات؟ فخلال  ايام سيكون الوفد المصرى متواجدا بالعاصمة السودانية فى مفاوضات ثلاثية  مصرية سودانية اثيوبية لمناقشة تقرير لجنة الخبراء الدولية حول سد النهضة, و الاعلان عن هذا الامر معناه ان يجابهنا الجانب الاثيوبى بسؤال طالما للديكم بديل لمياه النيل لماذا تقفون عقبة فى طريق تنمية اثيوبيا؟ سؤال له وجاهتة و يضعف المفاوض المصرى بالتأكيد.

هل الادارة المصرية الحالية لديها قناعة تامة بفشل المفاوضات وانها تسعى لتطمين الشعب المصرى بهذه الفكرة , هنا اود الاشارة الى ثلاثة اراء  اولها الخبير الدولى و عالم الرى الاشهر الدكتور ضياء القوصى حول هذا الامر حيث قال «اللى بيروّجوا لمشروع الربط مع نهر الكونغو مايعرفوش مصلحة مصر فين ياسادة أن الدراسات المقدّمة غير مكتملة والتكاليف باهظة، ولا تتناسب مع الظروف التى تمر بها البلاد فى الوقت الراهن».. اما وزير الرى الاسبق د. نصر الدين علام لا أستبعد ان يكون هناك تواطؤ مع جهة ما فى الحكومة الحالية للتغطية على أزمة سد النهضة التى لم تنتهِ بعد. و اضاف إن النخبة ما زالت تعبث بمصير وحياة المصريين وتسعى طوال الوقت إلى تضليل الرأى العام من خلال الترويج لإمكانية حل مشكلة سد النهضة عن طريق مشروع نهر الكونغو. واخير الدكتور نادر نورالدين عضو اللجنة الثلاثية لدراسة مشروع سد النهضة،  الذى أكد بدوره أن طرح المشروع فى الوقت الحالى خطأ كبير، خصوصاً أن مصر الآن على اعتاب مباحثات شاقة مع إثيوبيا، والمفاوض الإثيوبى أصعب وأسوأ من الإسرائيلى، لأنه ناقم على مصر طول الوقت.

ولكننى أعود فأستدرك وأقول ان هذه الفكرة تم طرحها من قبل القطاع الخاص و هلل لها الاعلام و لم تعلق الحكومة و تركت الخبر ينساب بين المصرين بردا وسلاما على شعب استبد به القلق على حصتنا المائية المنقوصة, و الطرح من قبل القطاع الخاص للتخدير و صمت الحكومة للافلات من اى وعود, لكن وزير الموارد المائية و الرى رفض هذا الطرح على استحياء و من قبيل تسجيل موقف لعله يحتاج اليه فى مستقبل الايام.

و هذا الطرح هل هو موجه للداخل من اجل مكاسب سياسية؟ ام هو موجه للخارج من اجل مكاسب تفاوضية؟ فى الحالتين لن تكون هناك مكاسب بل ستقود الى نتائج سلبية عاجلا ام آجلا.

 بهذا الطرح المتهور نحن نهدر حقوقا تاريخة ثابتة بالقانون الدولى  و الواقع الملموس لنجرى وراء سراب , نحن تربطنا و اثيوبيا اتفاقيات ترتبت عليها حقوق لنسعى الى بلاد لاحقوق لنا لديها و لا اتفاقيات معها. أننى ارى  أن وزارة الرى تدير ملف سد النهضة بطريقة خاطئة، فهى لا تستعين بخبراء فى تقديم مقترحات لإنهاء الأزمة، بل تقدم مقترحات تزيد الأمور تعقيداً. كثيرا ما نادينا و قلنا ان هذا الملف هام وحيوى و لا يجب تركه لوزارة الرى لابد من مشاركة جهات اخرى فيه واعطاءه اولوية قصوى.

اثيوبيا احسنت اختيار الوقت و التوقيت لتضرب ضربتها القاسمة لنا وهى تعلم اننا فى هذا الوقت لن نفعل شيئا، السودان ستخذلنا فى هذه القضية ربما ردا على قرارات مصرية  اصدرتها حكومة الببلاوى لمعالجة قضايا داخلية  و اتوقع ان القرارات ستفسد علاقاتنا بالسودان فيبعونا فى (محطة) اقصد قاعة الصداقة  حيث ستجرى المحادثات خلال أيام معدودة

انتبهوا ايها السادة:

 فى إلى متى يتم إطلاق المشاريع دون دراسات تفصيلية، بل أغلبها يعتمد على العشوائية.

والى متى نستخدم الملفات المصيرية من اجل مكاسب سياسية.

 والى متى نصدر قرارات  من اجل كيد سياسى داخلى, فيكون لها تأثير مدمر خارجيا.

كفاكم عبثا بمستقبل مصر المائى.

فانكم تضيعون مستقبل مصر و تجرونا الى منعطف الجفاف و المجاعة.

اللهم بلغت اللهم فأشهد

 

 

 

ساحة النقاش

ابن الدومرانى

Ahmedazarc
»

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

102,750