محمد الأشهب
كاتب و صحفي
الجنرال بوشعيب عروب
لم يرد اسم الجنرال دوكور دارمي بوشعيب عروب، إلا مقترنا بالتواضع والجدية ونكران الذات. وفي كل مرة كانت تـــــثار قضايا عسكرية وإستراتيجية، يصار إلى طلب مشورته، باعتباره رجل ميدان وفكر. وكانت تقاريره تتسم بالمصارحة والمعاينة وبعد النظر، لا يهتم بأن تكون صادمة، بل واقعية وطموحة.
في ذروة اندلاع حرب الصحراء خاض القائد العسكري بوشعيب عروب معارك على واجهات عدة. فقد كان مهندس إعادة بناء وتأهيل القوات المغربية، إضافة إلى إلمامه بالتخطيط العسكري. ويعرف الذين تابعوا تفاصيل تلك الفترة، أن خلافاته والجنرال أحمد الدليمي قائد المنطقة الجنوبية وقتذاك، كانت تعكس تباين المنطلقات، وبالقدر الذي كان الدليمي مندفعا يروق له اعتلاء الواجهة وتسليط الأضواء على مخططاته وشخصيته، بخاصة تلك التي شملت تأسيس قوات تمشيط حملت أسماء «الزلاقة» و »بدر» و»أحد» لتطهير الجبال والمسالك الوعرة حول الأقاليم الجنوبية، في اتجاه الحدود المشتركة مع الجزائر في الجنوب الشرقي، بالقدر الذي كان بوشعيب عروب رجل انضباط ورؤية، يشتغل في الظل ولا يعنيه أن يتصدر اسمه الواجهة. ولم يهتم أبدا بالركون إلى الصراعات الشخصية، لأن ولاءه لقسم الشرف ارتبط بقول الحقيقة، كونها مركز الثقل وعمق السر في نجاح التخطيط العسكري.
عندما اختاره الملك محمد السادس، القائد الأعلى رئيس أركان الحرب العامة، ضمن لجنة التاريخ العسكري في حوض البحر المتوسط، كان ذلك إيذانا بالمزج بين التاريخ والمستقبل، وأي جيش لا يملك هذه الخصائص تنقصه روافد هامة في الارتقاء بأدائه، لأن العقيدة العسكرية لا تشمل الانضباط والإقدام والشجاعة فقط، بل المرجعية الفكرية التي تجعل من المؤسسة العسكرية رمزا للوجود المستمر. فالقائد العسكري مثل رجل العلم الذي يحول معرفته إلى تجارب إنسانية. إذ يدافع عن قيم السلم والعدل والوحدة والسيادة والانفتاح والتعايش.
يوم انـفـتـحـت الثكنات العسكرية أمام عموم المواطنين والباحثين، سقط ذلك الحاجز الوهمي الذي كان يغرق بطريقة تعسفية بين المدنيين والعسكريين. وفي تجارب دالة أن القوات المسلحة الملكية في سنوات تأسيسها الأولى اضطلعت بدور إنساني واجتماعي بارز، يوم هبت لإنقاذ ساكنة مدينة أكادير بعد الزلزال الذي تعرضت له على امتداد رقعة الوطن بسهوله وجباله وصحاريه. فانطلقت القوات المسلحة في معارك شق الطرقات وإقامة المنشآت وتأهيل الخبرات التقنية والعلمية والطبية التي شملت كافة الخدمات.
إن الدور المشهود للقوات المغربية، بكل مكوناتها، في إعداد وتأطير وحماية «المسيرة الخضراء» يظل من العلامات المشرقة، اقتصر دورها على الجوانب اللوجستية التي أعدتها في سرية مطلقة، كي يفسح المجال للشعب المغربي بكل فئاته ومشاربه وتياراته الفكرية والسياسية لتحقيق ملحمة الوحدة التي حملت القرآن والأعلام فقط. وقليلون يعرفون أن الجنرال بوشعيب عروب، كان من بين كبار الضباط الذين ائتمنوا على ذلك الحدث التاريخي الذي أبهر العالم، وتلك مفخرة الأجيال السابقة واللاحقة، إذ لم تطلق رصاصة واحدة ولم تحدث أي مناوشة بين القوات المغربية والإسبانية.
بيد أنه لم تكد تمضي بضعة أشهر حتى وجدت القوات المسلحة الملكية نفسها في مواجهة تغلغل الجيش الجزائري، كما حدث في معركتي أمغالا الأولى والثانية. هنا فقط تراجعت لغة السلم وارتفعت أصوات المدافع، أسرت القوات المغربية عشرات الضباط والجنود الجزائريين،ما حذا بالرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك للتوسط بين المغرب والجزائر.غير أن الحضور اللافت للقوات المغربية سيبرز على الصعيد الدولي، من خلال قيامها بأدوار وازنة ضمن جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام في مناطق الأزمات الإقليمية والدولية.
سيتوازى هذا الحضور على أصعدة مجالات التعاون والتأهيل والمشاركة في مناورات وتداريب واستعراضات عسكرية. وعلى غرار شراكات المغرب الاستراتيجية متعددة الأطراف والمحاور، في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وإفريقيا والعالم العربي، سيكون للحضور العسكري المغربي الوازن أهمية كبرى في الدفاع عن قيم العدل والحضارة ومساعدة الشعوب في مواجهة الكوارث الطبيعية وغيرها، ولم تتأثر علاقات التعاون العسكري بين المغرب والدول الصديقة بأنواع الاهتزازات العابرة، لأنها تجسد استمرارية دور ومكانة الدولة.
في مناسبة تعيينه مفتشا عاما للقوات المسلحة، قائدا للمنطقة الجنوبية خلفا للجنرال دوكور دارمي عبد العزيز بناني، كانت الإشادة بالمسار المتميز لهذا الأخير، وبلور التأكيد على الخصال الإنسانية والمهنية لخلفه الجنرال دوكور دارمي بوشعيب عروب، منظورا متقدما نحو أنسنة المؤسسة العسكرية التي يحضر إشعاعها في فترات السلم عبر البناء والتضامن، لكن المسؤولية الرفيعة التي اضطلع بها في صمت ونكران الذات، أبانت عن درجة عالية من الإحساس بالمسؤولية المرادفة لنظافة اليد وتقدير الثقة.



ساحة النقاش