مـقدمـة المؤلف
الحمد لله الذي خلق الناس وفطرهم على فطرة الإسلام وأنزل القرآن حجة وبيانا، لكل عصر وزمان، لمعرفته جلّ وعلا، حق المعرفة، بأسمائه الجليلة وصفاته الفضيلة وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى ونبيه المرتضى، معلم الحكمة وهادي الأمة، أرسله بالنور الساطع والضياء اللامع، فأضاء سبيل الحياة وأوضح الطريق القويم وأرشد إلى الصراط المستقيم، صلى الله عليه وعلى أله الأبرار وصحبه الأخيار.
وبعد:
فهذا الكتاب، عنونته بـ «الرَّقم المٌوَحَّد لِكَلِمَةِ التَّوحِيد»، يشمل مقدمة حول نظرية التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في أسماء التوحيد، يتضمن موضوعه الإعجاز البياني الحسابي، كما انه يحوي على نظرية علمية ودراسة دقيقة، نكشف من خلالها، عن اسرار اللغة العربية القرآنية ، بأبعادها الرقمية الفطرية وهذا كله بقواعد بيانية حسابية واضحة. قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(1).
إن الاشارة الرقمية 1441 المخزنة على صفيحة اليدين تقتضي نتائج إيجابية في تأكيد وتحقيق لفظ كلمة التوحيد يقول الجاحظ: «…الإشارة واللفظ ،شريكان ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ، وما تُغني عن الخط…» (2) .
وكما نستطلع من خلال الإشارة المكتشفة في هذا الكتاب عن صدق فطرة الإسلام وهدي الإيمان وهذا بناء على جدول نظام التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في أسماء التوحيد وهو لون من ألوان الإعجاز البياني الحسابي وأسلوب عظيم من أساليب أسماء الله الحسنى في استخدامها بقدر معلوم
قال تعالى : ( وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ )(3)
وقال تعالى : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)(4)
يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله مبينا أسرار وآثار أسماء الله الحسنى في كتابه بدائع الفوائد :«فإحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقا له تعالى أو أمرا إما علم بما كونه أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى»(5).
شرط المعجز :
يقول الباقلاني رحمه الله في كتابه إعجاز القرآن : « إن قيل : هل من شرط المعجز ان يعلم أنه أتى به من ظهر عليه ؟ قيل : لابد من ذلك ، لأنا إن لم نعلم أن النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام هو الذي أتى بالقرآن ، وظهر ذلك من جهته – لم يمكن أن نستدل به على نبوته . وعلى هذا لو تلقى رجل منه سورة ، فأتى بها بلدا ، وادعى ظهورها عليه ، وأنها معجزة له لم تقم الحجة حتى يبحثوا ويتبينوا أنها ظهرت عليه. وقد تحققنا أن القرآن أتى به النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام ، وظهر من جهته ، وجعله علما على نبوته ، وعلمنا ذلك ضرورة فصار حجة علينا »(6).
يكشف ابن القيم الجوزية رحمه الله، أسرار الحروف العربية التي فتحت بها السور، و يتطرّق إلى أن فتح آفاق البحث ضمنها و حركة تركيبها و خواصها و ذهب إلى أقصى حد في بيان إعجازها و خاصة كما بيّن الحروف و عظم قدرها و جلالتها، و أيضا الحروف علم القرآن و بها علم البيان، و بها فضّل الله الإنسان على سائر الحيوان، و كما بيّن أيضا في تعليم البيان كآية في خلق الإنسان. و في كل الجوانب التي ذكرها رحمه الله ما هي إلا مفاتيح معرفية للمكانة العظيمة للحروف العربية المعجزة . و جاء هذا البحث في هذا الكتاب يتوافق مع منظور الدراسات السابقة التي فسحت الطريق و أنارت السبيل للفحص و التحليل و التنقيب عن ظواهر الإعجاز في القرآن الكريم. و ها هو النص للفائدة و الاعتبار: «...الصحيح أن ن وق وص من حروف الهجاء التي يفتتح بها الرب سبحانه بعض السور وهي أحادية وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ولم تجاوز الخمسة ولم تذكر قط في أول سورة إلا وعقبها بذكر القرآن إما مقسما به وإما مخبرا عنه ...ففي هذا تنبيه على شرف هذه الحروف وعظم قدرها وجلالتها إذ هي مباني كلامه وكتبه التي تكلم سبحانه بها وأنزلها على رسله وهدى بها عباده وعرفهم بواسطتها نفسه واسماءه وصفاته وأفعاله وأمره ونهيه ووعيده ووعده وعرفهم بها الخير والشر والحسن والقبيح وأقدرهم على التكلم بها بحيث يبلغون بها أقصى ما في أنفسهم بأسهل طريق وقلة كلفة ومشقة وأوصله إلى المقصود وأدله عليه وهذا من أعظم نعمه عليهم كما هو من أعظم آياته ولهذا عاب سبحانه على من عبد إلها لا يتكلم وامتن على عباده بأن أقدرهم على البيان بها بالتكلم فكان في ذكر هذه الحروف التنبيه على كمال ربوبيته وكمال إحسانه وإنعامه فهي أولى أن يقسم بها من الليل والنهار والشمس والقمر والسماء والنجوم وغيرها من المخلوقات فهي دالة أظهر دلالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وكماله وكلامه وصدق رسله . وقد جمع سبحانه بين الأمرين أعني القرآن ونطق اللسان وجعل تعليمها من تمام نعمته وامتنانه كما قال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ *) (7)
فبهذه الحروف علم القرآن وبها علم البيان وبها فضل الإنسان على سائر أنواع الحيوان وبها أنزل كتبه وبها أرسل رسله وبها جمعت العلوم وحفظت وبها انتظمت مصالح العباد في المعاش والمعاد وبها يتميز الحق من الباطل والصحيح من الفاسد وبها جمعت أشتات العلوم وبها أمكن تنقلها في الأذهان وكم جلب بها من نعمة ودفع بها من نقمة وأقيلت بها من عثرة وأقيمت بها من حرمة وهدى بها من ضلالة وأقيم بها من حق وهدم بها من باطل فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان ولولا عجائب صنع الله ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة فينضم في الحلقوم وينفرش في أقصى الحلق ووسطه وآخره وأعلاه وأسفله وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا وفي الشفتين والخيشوم فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له فإذا هو حرف. فألهم سبحانه الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض وإذا هي كلام دال على أنواع المعاني أمرا ونهيا وخبرا واستخبارا ونفيا وإثباتا وإقرارا وإنكارا وتصديقا وتكذيبا وإيجابا واستحبابا وسؤالا وجوابا إلى غير ذلك من أنواع الخطاب نظمه ونثره ووجيزه ومطوله على اختلاف لغات الخلائق كل ذلك صنعه تبارك وتعالى في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره في مجار قد هيئت وأعدت لتقطيعه وتفصيله ثم تأليفه وتوصيله فتبارك الله رب العالمين وأحسن الخالقين فهذا شأن الحرف المخلوق . وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى وأجل وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور كما افتتحت بالاقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية فهي دالة على كمال قدرته سبحانه وكمال علمه وكمال حكمته وعنايته بخلقه ولطفه وإحسانه وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد والخلق والأمر والتوحيد والرسالة فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن القرآن كلام الله تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا وبلغه كما أوحى إليه صدقا ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها ... » (8).
وفي ضوء ما ذكرنا جاءت خطة البحث على مقدمة ومبحثين وخاتمة. عرضت في المقدمة جوانب نظرية التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في أسماء التوحيد كما ذكرت فيها خطتي ومنهجي في هذه الدراسة.
- المبحث الأول: مفهوم التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في أسماء التوحيد وفيه مطلبين:
- المطلب الأول: تعريف التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي:
- المطلب الثاني: التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في أسماء التوحيد المركبة في القرآن الكريم:
- المبحث الثاني :التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في بيان الرقم الموحد لكلمة التوحيد 1441 وفيه مطالب ثلاث:
- المطلب الأول: بيان الرقم الموحد لكلمة التوحيد 1441:
- المطلب الثاني: جدول بياني لنظام التوكيد الحرفي الأحادي الرباعي في أسماء التوحيد:
- المطلب الثالث: البيان الحسابي للرقم الموحد لكلمة التوحيد1441 :
- الخاتمة وفيها عرض لنتائج هذه الدراسة.
- الفهارس الملحقة بالبحث.
منـهجـي في البـحـث
حاولت في هذه الدراسة جاهدا أن أطبق قواعد البحث العلمي فتحريت فيه الاتي:
- كتابة الآيات القرآنية بخط مخالف لخط البحث مع تخريج الآيات بذكر السورة ورقم الآية
- تخريج ما ورد في هذه الدراسة من الأحاديث النبوية من مصادرها الأصلية
- نسبة الأقوال إلى أصحابها - عرض نتائج البحث في نقاط محددة. وأرجو أن يكون هذا البحث قد عالج شيئاً بسيطاً في بابه، والله اسأل أن يوفقنا جميعاً لمرضاته وخدمة كتابه الكريم.
_____________
(1)سورة فصّلت الآية:53
(2)أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ،البيان والتبيين ،ت: موفق شهاب الدين، دار الكتب العلمية، بيروت. ط1 ،1430ه ، 1/ 39.
(3) سورة الرعد الآية: 8.
(4) سورة القمر الآية: 49.
(5) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، ت: هشام عبد العزيز عطا وأخرون، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417ه ، 1/170.
(6)أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني ، إعجاز القرآن، ت:السيد أحمد صقر، دار المعارف ،القاهرة ،ط7 ، 1431 ه ، ص451.
(7) سورة الرحمن الآيات: 1-4.
(8) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن قيم الجوزية ، التبيان في أقسام القرآن ، ت: محمد حامد الفقى ، دار المعرفة ، بيروت ، ط1 ،1402 ه، ص 201-206.

