أتحدى من يقرأ هذه القصة ولا تزرف عينيه الدموع
بدأت مأساة هذه الأم الفقيرة عندما كبر إبنها الوحيد ودخل المدرسة ، فبعد عدة أيام من بدء الدراسة ، لاحظت الأم أن إبنها لا يريد الذهاب الى المدرسة وفي كل يوم يبكي ويقول حجج واهية حتى لا يذهب للمدرسة ، وعندما أصرت الام لمعرفة السبب الحقيقي ، قال لها أن الاولاد في المدرسة يسخرون منها لأنها بعين واحدة ، تبسمت الأم في وجه إبنها واحتضنته وقالت له لا تحزن فسوف أوصلك فقط لأول الشارع بحيث لا يراني أحد ، وسوف أخذك من نفس المكان عند إنتهاء الدراسة ، فرح الطفل بهذا الحل وبدأ في الذهاب الى المدرسة مرة أخرى
كبر الطفل وتخرج من كلية الهندسة وقرر السفر الى إحد البلدان وترك أمه لوحدها ، لم يراسلها ولم يسأل عنها ، وكانت تعرف أخباره من أصدقائه ، لم يرسل لها نقود رغم حصوله على وظيفة جيدة وكانت أمه فقيرة ، تعبت وجاهدت لكي تعطيه كل ما يريد ويصبح ما يريد ، ولكن ماذا تقول عن جحود الأبناء ، مرت السنين وتزوج هذا الشاب وبالطبع لم يبلغ أمه انه قد تزوج ، وبعد عدة سنين قرر العودة الى بلده ، ورجع مع زوجته ولكنه لم يبلغ أمه أنه رجع ، كان يسكن على بعد كيلوا مترات من أمه ولم يفكر ولو مرة واحدة أن يزورها أو حتى يمر من أمام منزلها المتواضع المبني من الخشب ، فحين سكن هذا الشاب في فيلا من دورين
وفي يوم من الايام كانت الأم تسير في الشارع وتقابلت مع أحد أصدقاء إبنها ، فسألته عن حاله ، فتعجب هذا الشخص من سؤالها ، وقال لها أن إبنها قد رجع منذ أكثر من عشر سنوات وأنه يعيش في فيلا ، وأعطى لها العنوان ، فرحت الأم فرحة كبيرة ، لم تفكر ولو لحظة في جحود إبنها وكيف إستطاع كل هذه السنين أن يبتعد عنها ولا يسأل عنها حتى عندما رجع لم يسأل عنها ولم يخبرها بعودته
لبست الأم فستانها الوحيد ذات قيمة ، وخرجت من بيتها وكلها شوق لرؤية إبنها الوحيد ، وتصورت كيف سيكون القاء ، وكيف سيأخذها في حضنه ، وسيطلب منها الغفران لما فعله معها ، وكانت تقول وهي تمشي في الشارع والابتسامة على وجهها الذي ظهر عليه تعب السنين "مسمحاك" حتى وصلت الى المنزل ودقت الجرس ، ووقفت تهندم من نفسها والابتسامة على وجهها ، فتح باب المنزل وإذ هي أمام طفين ، ولد وبنت ، أحست بغريزتها أنهما احفادها ، إقتربت منهما وفتحت زراعيها لتحتضنهما ، فإذ بالطفلين يصرخان ويدخلان مزعورين داخل المنزل ، برهة وخرج إبنها ، وما أن رأها أمامه ، صرخ في وجهها وقال لها ما جاء بك ، ألا يكفي ما فعلتيه معي في طفولتي ، ألا يكفي أنني لم أستطيع ضيافة أصدقائي لمنزلنا المتهالك ، وحتى لا يروا أمي العوراء ، كم كانوا يخافون من النظر اليك ، والان أدخلت الرعب والخوف على أبنائي ، ثم قال ، لقد أخبرت زوجتى وعائلتها أنك توفيت منذ زمن ، وافضل أن يبقى الحال على ما هو عليه ، وسوف أرسل اليك بعض المال كل شهر ، ولكن لا أريد أن أرى وجهك هنا مرة أخرى
نظرت الأم اليه وكانت تتمعن في كل جزء من وجهه من شوقها اليه ، وابتسمت اليه رغم اَهات قلبها وقالت له أنها في غاية الاسف لما تسببت له من مشاكل ورعب أطفاله منها ، ووعدته بأنه لن يرى وجهها مرة أخرى وتمنت له حياة سعيدة ، وأن يبارك الله له في أولاده ، لم يكترث كثيراً بما قالته وكان همه الوحيد إنهاء هذه المقابلة قبل خروج زوجته ورأيتها لأمه
رجعت الأم الى منزلها وهي تدعوا لإبنها بالهداية وتطلب من الله عز وجل أن يغفر له زيرحمه ، تمر الشهور وتمرض الأم ، وتطلب من صديق إبنها أن يبلغه بمرضها وأنها تريد أن تراه مرة أخيرة قبل أن تلاقي ربها ، ولكن رفض هذا الجاحد العاق رؤية أمه ن بل أرد أن تموت كي يرتاح من هذا الكابوس على حد قوله
قبل أن تموت هذه المسكينة بأيام كتبت جواب لإبنها ووضعته في ظرف وقالت لصديقه أن يعطي هذا الجواب لإبنها بعد وفاتها ، وماتت الأم وحيدة في بيتها وقد أمسكت بصورة إبنها ووضعتها على صدرها ووضعت كلتا يديها على الصورة وكأنها تحتضن إبنها ليكون أخر شخص تحتضنه قبل موتها ، علم إبنها بموتها ولم يحضر جنازتها أو حتى يتقبل عزائها
بعد عدة أيام تذكر هذا الصديق الجواب الذي أعطته الأم له وطلبت منه إعطائها لإبنها بعد وفاتها ، ذهب له وأعطاه الجواب وقال له أن وصية أمه أن يقرأ هذا الجواب بعد موتها ، أخذ إبنها الجواب من صديقه على مضض ووضعه في جيب الجاكيت وقال له أته سوف يقرأها لاحقاً ، لم يفتح الابن الجواب وتركه في جيب الجاكيت ونسيه لعدة أيام ، وفي يوم من الايام كان يجلس في مكتبه يعمل وأراد تدخين سيجارة فوضع يده داخل جيب الجاكيت لإخراج علبة السجائر فأخرج الجواب ، نظر الى الجواب ثم قرر أن يقرأه ، فتح الظرف واخرج الجواب وبدأ في القرأة
والدي الحبيب ، يا أغلى من نور عيني ، أتمنى من الله عز وجل أن تكون في أحسن حال أنت وزوجتك الكريمة وأولادك الاحباب ، كم أنا أسفة لما سببته لك من إحراج أمام أصدقائك بسبب عيني ، ويعلم الله كم من ليالي كنت أقف أمام سريرك وأنت نائم وأبكي لحالك ، وأقبلك وأنت نائم وأطلب منك أن تسامحني لما سببته لك من ضيق وعدم إستطاعتي لجعل حياتك أكثر مرحاً ، والان وبعد أن أصبحت في عداد الموتى أستطيع أن أقول لك السر الذي خبئته عنك طوال هذه السنين
والدي الحبيب ، وأنت طفل صغير حدثت لك حادثة ، فقدت على أثارها إحد عينيك وحتى لا تكبر وانت بعين واحدة طلبت من الدكتور أن يعطيك أحدى عيني ، وقلت له ، لا توجد مشكلة ، لأنني سوف أرى من خلالك ، ولم أندم في حياتي على هذا القرار ، فالحمد لله لقد كبرت ونجحت وتزوجت وأنجبت لي أحفاد في غاية الجمال ، بارك الله لك فيهم
ما أن إنتهى الابن من قرأة الجواب إلا وإنهمر في بكاء وعويل على مافرط في حق أمه ، التي ضحت بنور عينيها لكي يرى هو بنورها



ساحة النقاش