«كيف نروي قصة حرب حقيقية» هو عنوان عمل روائي كبير للكاتب «تيم أوبراين». ظلت رواية قصص حرب حقيقية واحدة من التحديات الكبيرة للخيال البشري، منذ «هوميروس» حتى «هيمنغواي».

قصص الحرب المزيفة لا تجرد الضحايا والمجرمين من الإنسانية على حد سواء فحسب، بل يمكن أن تمهد الطريق لاندلاع حروب مستقبلية. في الفترة الأخيرة، برزت إلى السطح طريقة جديدة لرواية القصة المضللة للحرب، وكان الضباط أنفسهم هم من استنكرها بشدة. الاستخدام الدائم لشرائح برنامج الـ«بوربوينت» في التعليمات والبيانات العسكرية المتعلقة بأفغانستان والعراق اعتبرت بحد ذاتها مشكلة. تحليل تقارير المعركة باعتبارها شجاعة فائقة، كما قال العميد «أتش. آر. ماك ماستر» لصحيفة نيويورك تايمز، «يمكن أن يخلق وهم الفهم ووهم التحكم».

الأمر أسوأ من ذلك. كل من حضر عرضاً بواسطة برنامج الـ«بوربوينت» رأى كيف أن المتحدث يسلم زمام المبادرة للآلة، وكيف أن التحليل المحضر للمعلومات يكبت التفكير الفعلي. فكون المتحدث لا يفكر، فإن الجمهور يصبح كذلك أيضاً؛ ذلك أن عرض الأفكار يتم بطريقة مجردة مختصرة لا تتطلب تدخلاً، لذا فالمتحدث يتحدث بنبرة منخفضة مملة والجمهور ينام. لكن الانحطاط لا يقف عند هذا الحد، بل هو أسوأ من ذلك أيضاً: تراجع فن الخطابة عبر الثقافة المعاصرة، التي يختزلها برنامج الـ«بوربوينت»، يعني أن القدرات الأساسية للتفكير والتواصل قد فقدت. والتعليق القصير يقلص التجربة إلى قطع مجزأة خالية من المضمون عندما يتطلب فهم ما يجري شعوراً قوياً بالربط بين الأجزاء.
هنا مثال من الكاتب «أي. أم. فورستر»، الذي كان اهتمامه ينصرف إلى شكل الرواية: ماتت الملكة، وثم مات الملك. تلك مجموعة من الأحداث، المرتبطة بتسلسل زمني، تخبرنا فقط بالكثير من التفاصيل. لكن إذا كانت الرواية على هذا النحو: ماتت الملكة، ثم مات الملك حزناً عليها، انتقلنا إلى حقل مختلف تماماً من الفهم، حيث انتقل الاهتمام من أحداث منفصلة إلى الربط بينها.
إن السببية هي بيت القصيد. فالخيال الأخلاقي يتم تعريفه من خلال إدراك كيف أن الاختيار هو ما يقود إلى النتيجة التي تقود بدورها إلى اختيار أجدد وأخطر يقود بدوره إلى نتيجة أضخم وأخطر. إن ثقافة الجمل والتعليقات المختصرة والرتيبة لا علاقة لها بالصيغ الروائية الواسعة والوافية. فقط تلك المقدرة على إيجاد الربط العرضي بين الأحداث هو ما يفرق بين الوحوش والبشر. وحين يتعلق الأمر بالحرب، فإن الخطورة تكمن في فقدان تلك المقدرة.
لم تبدأ مشكلة جيش الولايات المتحدة مع تكنولوجيات الشاشات، والحواسيب المحمولة، والنقرات على لوحات المفاتيح، إنما بدأت مع التمهيد البيروقراطي لصنع القرار الذي ظهر خلال الحرب العالمية الثانية. وكانت قد أشارت إليه وحرضت عليه مجموعة ضخمة ومجهولة الأسماء تعمل في وزارة الدفاع الأميركية؛ البنتاغون.
قصص الحرب التي رويت هناك منذ عام 1945 كانت دائماً مزيفة ومضللة. لماذا؟ لأنه في (بنتاغونٍ) يعمل على خلق العدمية وحالة أخلاق صفرية، كانت قوة أخلاق الفرد أقل أهمية من الزخم المؤسساتي الأعمى.
السعي الدؤوب من أجل النظام حلت محله تركيبة اجتماعية عسكرية محددة بمخطط تنظيمي، واستبدلت روح الجماعة المقاتلة بالموظف والمقاول. والمغلفات التي تنتقل بين المكاتب، بصورة مستمرة تبدو لا نهاية لها، حلت محل التقرير الذي يقدمه المسؤول شخصياً عن عمل المجندين، وفي النهاية استبدلت الكثير من تلك المغلفات برسائل عن طريق البريد الإلكتروني. والتواصل الإنساني وجهاً لوجه ومناقشة الأمور المستعجلة وانتقاد الأخبار الأمنية كلها استبدلت بفقرة مختصرة جداً في الاتصالات الإلكترونية التي تلغي بشكل حتمي التعقيد.
التقليل من أهمية المبادرة الفردية لمصلحة التفكير الجماعي قاد إلى انتشار المسؤولية الأخلاقية وبروز آلية تفتقد للاهتمام والدفء الإنساني، من ذلك النوع الذي لا يمكن لأي سلطة إنسانية أن تؤثر فيه بصورة فاعلة. وإلا فكيف يمكن تفسير هذا التراكم الجنوني للأسلحة النووية، أو هذا الهدوء الذي لا يخضع لأي انتقاد والذي قادت معه هذه المؤسسة العسكرية غير المبالية الأمة إلى سلسلة من الحروب غير الضرورية (كوريا، فيتنام، أميركا الوسطى، غرينادا، الصومال، بنما، كوسوفو، العراق الأولى والثانية وأفغانستان)؟
خيال الـ«بوربوينت»، والمتحدث الذي يسبب الموت بنبرته الرتيبة، مناسبان تماماً للتكنولوجيا الجديدة من الطائرات دون طيار كسلاح فعلي. إلحاق الضرر بواسطة آلة اغتيال مجهولة، يتم التحكم بها عن بعد دون أي خطر على من يديرها، والذي لا يرى العلاقة بين «الضربة العالمية العاجلة» وعواقبها على مستوى القرية البعيدة جداً عن مناطق الحرب- هو الذروة في قصة الحرب المزيفة التي نعتبر نحن الأميركيين رواتها الأسياد!.

عن صحيفة (بوسطن غلوب)

 

المصدر: لا اله الا الله
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 60 مشاهدة
نشرت فى 14 سبتمبر 2011 بواسطة wasimahadad

ساحة النقاش

wasimahadad

المرجو ان يعجبكم هذا الموضوع اتمنى الرد عليه و مناقشته معي

عدد زيارات الموقع

403