وتبقي الملاحظة قائمة:

أن الأغنية الوطنية لم تعد عابرة للحدود،أقصد حدود الوطن الصغير،حيث الوطن الأكبر الذي غنى له أحمد شفيق كامل في وضوح تام.

وعلى الرغم من ذلك فأن الأغنية الوطنية التي التفت داخل شرنقة العزلة،لازالت تجد ـ على ندرتها ـ أذناً صاغية، وقلوباً متفتحة بحب ثرى الوطن.

ولكن ما أزعجنا حقاً،هو أن الغناء للوطن لم يتسرب ـ إلا قليلاً قبل ثورة 25 ينايرـ إلي أذن الشباب، بل إخترقتهم ـ بفعل فاعل خبيث ـ سهام الأغنية العارية، العارية من الأخلاق والملابس،الخالية من القيم والمعنى الأيجابي.

أغنية"دايت"،ولكنها غير صحية على الإطلاق.

إختفت الأغنية الوطنية ـ أو كادت أن تختفي من فوق الحناجر، وتحجرت القلوب، وجفت الألسنة، واختلط معنى الوطن في أذهان الشباب، حتى انقلبت الأغنية التي يقول مطلعها:

ما تقلش إيه إدتنا مصر..قول ها نَّدى إيه لمصر.

إنقلبت إلى سخرية موجعة وشبابنا يشاهدون سرقات الكبار:

ما تقلش ها نَّدى إيه لمصر..قول ادتنا إيه مصر!

وبدلاً من صورة الجندي الذي رفع علم الوطن فوق رمال سيناء،ثم سجد يقبل ثراها، أصبح شعار رموز العصر البائد:

هو متر الوطن بكام النهارده!

سلبية،ولا أقول انتهازية خلقتها الظروف الإقتصادية ومستنقع الفساد السياسي، التي مر بها الوطن الذي كان يئن، فيما كانت الاغنية الوطنية ترقص على الدربكة ! وأشعلتها ما تسمى بالأغنية الحديثة المصورة..العارية والعولمة،وكان من الممكن تحجيم هذا اللون الفاسد من الغناء،ولا أقول ـ أبداًـ  القضاء عليه، لأننا إعتدنا عليه طوال حقب تاريخ الغناء الذي إختلط أحياناً مع شديد الأسف بالبغاء، فقد سمعنا عن مغنيتين يهوديتين ـ اسمهما ليلى وقمر ـ كانتا في مصر في الأربعينات تغنيان:

عصفورى يا أمه عصفورى

أرقص وأوريله أمورى

وأشياء أخرى عفنة من هذا القبيل، ولكن إلى جانب هذه القاذورات كانت تشدو السيدة أم كلثوم وتهز الوجدان،وكان يغرد محمد عبد الوهاب كالبلبل الصَّداح.

ومرة أخرى نحن نعتقد أن الغناء العاري كان يمكن السيطرة عليه،مع توافر الرؤية الإعلامية الواعية،واليقظة،ومع توافر الغيرة وروح الإنتماء لدى من تحملوا مسؤليات هذا البلد..ولكن النهم لجمع المال كان الأهم !

كان يمكن السيطرة، والحد من التأثير المدمر،الفتَّاك لهذه النوعيات السافلة من الغناء،بتدعيم الفن الجيد،وتشجيع الغناء الوطني،وحشد الطاقات دون تدخل في كلمات ولا ألحان،ولا فرض أصوات بعينها لا يريدها الناس،ولا يصدقونها.

ولكن مع الأسف أصبح الغناء الوطني ـ عكس ما هو مطلوب  طريداً، ملفوظاً، لا يتذكره أولوا الأمر والنهى،إلا في المناسبات(الوطنية) المفتعلة،وبشروط صاحب "الفرح"!

وغابت مصر التي تغنى بحبها الطير عن فكر الشعراء وحناجر المطربين، مصر العظيمة التي احتضنت مطرباً رائعاً مثل وديع الصافى لبنانى النشأة والمولد لأن يغني لها بكل صدق:عظيمة يا مصر ..يا أرض النعم..يا أرض الحضارة يا بحر الكرم..نيلك ده سكر،جَوك معطَّر..شطك منّور بين الأمم..عظيمة يا مصر.إن الأغنية الاكتوبرية التي سبق الحديث عنها،والتي واكبت الإحتفال بالنصر العظيم ـ نصر أكتوبر1973ـ قد أفرزت أعمالاً عظيمة كان يمكن أن تتصاعد لتتساوى مع عظمة الحدث،ولكن ما أن تغيرت الظروف السياسية حتى تم إبعاد أغاني أكتوبر,وأصبح أبناءنا نادراً ما يسمعون أغنية من أغاني النصر التي قدمها المبدعون الوطنيون العظام.

 يتبع

                                                            طاهر البهي

المصدر: مقالات طاهر البهي/ مجلة المصور
taheralbahey

طاهر البهي الموقع الرسمي

ساحة النقاش

طاهر البهى

taheralbahey
الكاتب الصحفى مقالات وتحقيقات واخبار وصور حصرية انفرادات في الفن والادب وشئون المرأة تحقيقات اجتماعية مصورة حوارات حصرية تحميل كتب الكاتب طاهر البهي pdf مجانا »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

203,616