توقفنا في التدوينة السابقة عند ضرورة تحلي الشركات بالشجاعة وترك العملاء يعبرون عن آرائهم والتي لن تتفق مع رؤية المدراء، ورأينا كيف أن شيفروليه حين فعلت ذلك لم تنطبق السماء على الأرض ولم تتجمد البراكين، بل على العكس، زادت المبيعات وردد الناس هذه القصة، حتى أن مدونة شبايك تحدثت عنها بدورها! الآن، هل الأمر مطلق؟ هل تترك العملاء يقولون ما يريدون وتتركهم؟ أم تهددهم بالسجن والويل والثبور؟ أم تعيد الرئيس التنفيذي من تقاعده لكي ينقذ الشركة؟ شركة دل الأمريكية للحواسيب (Dell) فعلت ذلك في تجربة تستحق التعرف عليها.
في صيف عام 2005، اشترى الأمريكي جيف جارفيس Jeff Jarvis حاسوبا محمولا من صنع دل، ومثلما يحدث مع البعض منا، واجه بعض المصاعب مع حاسوبه الجديد. مثل أي مشترى عادي، اتصل جيف بالدعم الفني، وبدوره حصل على المعاملة الخبيثة والتي تعتمد من فريق الدعم الفني على اختبار مدى صبره ومتي سيندم على ما اشتراه ويذهب ليشتري حاسوبا آخر. مر الأسبوع تلو الأسبوع ولم يحصل من الدعم الفني سوى على عبارات آلية لا هدف يرجى منها. في مثل هذا الحالات، كان أقصى ما يمكن للمشتري الأمريكي العادي فعله هو أن يحذر معارفه من شراء حواسيب دل، وربما كتب خطابا يشكو فيه إلى مايكل دل شخصيا (في بداية الشركة، كان مايكل يرد على هذه الرسائل، حين نال الغنى منه، توقف عن ذلك).
لسوء حظ شركة دل، كان جيف صاحب مدونة شهيرة اسمها BuzzMachine ولذا قرر الحديث عن معاناته، في سلسلة مواضيع سماها جحيم دل Dell Hell، أو الجحيم اسمه دل، وذكر تفاصيل أكثر، مثل كيف أن موظفي الدعم الفني نادوه بأسماء أخرى غير اسمه المكتوب في مراسلاتهم معه. تفاعل الكثيرون مع جيف وبدؤوا يكتبون عن معاناتهم هم أيضا، إذ أن شركة دل في هذا الوقت كانت تعاني من أزمة فعلية في طريقة إدارة قسم الدعم الفني وكيفية حل مشاكل العملاء، إذ تقاعد مديرها التنفيذي مبكرا، وترك الشركة في إدارة أشخاص غير أكفاء، وكانت الشركة تكبر بسرعة كبيرة، وبدأت المشاكل لا تجد من يحلها، حتى تفاقم كل شيء.
خلال 3 أسابيع، انتشرت آلاف الروابط التي تحدثت عن معاناة جيف، وانتشر العنوان الجحيم اسمه دل مثل النار في الهشيم، حتى تحدثت عنه الجرائد ومحطات التلفزة، وكنت تبحث عن كلمة دل في جوجل لتظهر لك تدوينات جيف قبل عنوان موقع الشركة، وذكرت صفحة دل على موسوعة ويكيبيديا هذه المشكلة تحديد، وكانت الشركة تمر بأزمة علاقات عامة كبيرة وتزداد اشتعالا.
بعد مرور عامين على هذه القصة، تحولت دل لتعالج مشاكلها بنجاح، فلقد عاد المدير المتقاعد من تقاعده ليدير الشركة من جديد، بداية من حل مشاكل العملاء وإلغاء نقل عمليات قسم الدعم الفني إلى الهند، وأسست دل قسما خاصا وظيفته متابعة كل ما يقال عن الشركة في ربوع انترنت، ولو حدث في وقتنا هذا (على الأرجح) وشكوت من مشكلة تواجهك مع حاسوب دل وكتبت ذلك في موقع انترنت، فأغلب الظن أنه لن ينقضي الأسبوع حتى تجد أحدهم من دل يتصل بك ليعرف أصل المشكلة ولما لم تجدي القنوات التقليدية في حلها.
الآن سيقول أحدهم، هذا يحدث في بلاد الغرب ولن يحدث عندنا، الرئيس المخلوع وعصابته سيختلفون معك، فهم قللوا من شأن شبكة انترنت، فحدث لهم ما حدث. سرعة وسهولة نشر المعلومات عبر انترنت، وسهولة قرائتها لمن أراد، كل هذا يجعل من يستهين بها يستحق ما سيحدث له. هل لديك عميل غاضب؟ أهلا بك في زمرتنا، الآن أسرع واسمع له وأنصت وحل له مشكلته قبل أن تخسر وظيفتك وشركتك.
تعلمون كيف أحب بشدة ذكر رأيي في شركة مايكروسوفت، وأنها شركة تجيد التقليد أكثر من الابتكار، وتعرف كيف تشتري المنافسين وتقتلهم في هدوء، لكن هذه المرة أجدني مضطرا للإشادة بشيء صحيح فعلته مايكروسوفت، إذ يبدو أن لديهم مدراء شجعان و جيدين يستحقون الحديث عنهم. البطل هذه المرة اسمه لين برايور Lenn Pryor، والذي شعر أن مايكروسوفت صندوق منغلق على نفسه، وأنها بحاجة لشيء لا يقدر عليه الإعلان أو ملوك العلاقات العامة، وأدرك أن العالم بحاجة لرؤية مايكروسوفت من الداخل، وهو ما قرر فعله.
لأن شركة الطيران يونايتد ايرلاينز اعتادت أن تترك ركاب طائراتها يستمعون للحديث الدائر بين طاقم قيادة الطائرة وأبراج المراقبة، على قناة صوتية تحمل الرقم 9، قرر لين فعل الشيء ذاته مع مايكروسوفت. كانت الفكرة بسيطة: سيحمل فريق في مايكروسوفت كاميرا في أيديهم، هذه الكاميرا ستبث بثا حيا من طرقات وردهات ومكاتب مايكروسوفت، بدون تعديل أو حذف (أو صور تعبيرية على غرار صحيفة الأهرام التعبيرية). كانت الفكرة صادمة، واحتاجت لمدير قوي العزيمة لجعلها تتحقق وكان اسمه فيك جندوترا Vic Gundotra.
اختار لين فريقا من خمسة أفراد، بقيادته شخصيا، يحملون كاميرات تبث بثا حيا مباشرا، يسيرون بها بين أقسام مختلف إدارات مايكروسوفت، ويتحدثون مع من يختارون من الموظفين، ليقدم نفسه ويحكي عن المنتج الذي يعمل عليه ويشرح دوره بالتفصيل، وأن يقول ما يشاء. من كان يدخل على موقع القناة التاسعة على مايكروسوفت، كان يستطيع مشاهدة البث الحي، ومن فاته شيء يستطيع مشاهدته من أرشيف الأفلام.
كانت هذه صدمة نفسية وعصبية للكثيرين الذين يحبون السرية لذاتها لا لفوائد يزعمون أنها موجودة، إذ كيف تخطى هذا المبتدئ خطوط دفاع المحامين ومدراء العلاقات العامة والمبيعات والتسويق والتنفيذيين وغيرهم. كانت الكاميرات تعرض كل شيء بدون حذف، مثل نقاش بالرسومات اليدوية لمنتج جديد لم يعلن عنه أو مخطط آلية معينة لحل مشاكل ما. بدأت القناة عروضها في أبريل 2004 وبدأت الأفلام تعرض كيف يبدو العاملون لدى مايكروسوفت، بدون تجميل أو تعبير.
أثار الأمر غضب الكثيرين داخل مايكروسوفت، وحين لم يرد لين على رسائل الغضب البريدية، بدأ يأتي إليه الغاضبون يسألونه من تظن نفسك حتى تفعل ما تفعله، لكن مديره سانده بقوة وجعله يكمل ما بدأه. بحلول نهاية العام، جذب موقع القناة مائة ألف مشاهد، وفي منتصف العام التالي، ارتفع الرقم إلى 1.2 مليون مشاهد، وبدأت مايكروسوفت تشجع العاملين لديها على التدوين عن عملهم والمشاريع التي يعملون فيها لدى مايكروسوفت.
قبلها، كانت مايكروسوفت تعتمد على جيوش موظفي العلاقات العامة لتخرج المعلومة من داخل مايكروسوفت إلى وسائل الإعلام. اليوم تعتمد مايكروسوفت على موظفيها ومدوناتهم لفعل ذلك، على الأقل خارج مكاتبها في العالم العربي.
انترنت تغير العالم كما نعرفه. واكب هذا التغير وإلا خلعك الناس!
على الجانب:
* انتظرت ذلك الذي سيسأل من أين جئت بهذه المعلومات، وأجيبه رغم تأخره، من صفحة 225 وحتى 245 من كتاب الذيل الأطول The Longer Long Tail والذي رغم قدمه لكنه يحوي معلومات مفيدة.
* هل هي المؤامرة؟ بالبحث وجدت أن لين استقال من مايكروسوفت بعد 8 سنوات من العمل لديها وانتقل إلى شركة سكايب في انجلترا، ثم اشترت مايكروسوفت سكايب، لكن لين انتقل عندها للعمل لدى شركة نوكيا، ثم دخلت مايكروسوفت في شراكة إستراتيجية مع نوكيا!
* هل سنرى شركة عربية تخرج علينا بانفتاح مثل القناة التاسعة؟ بدون تزييف أو تجميل أو تعبير؟ ربما فعلها جيل الشركات الناشئة التي أتوسم فيها تغيير الساحة وتطهيرها من العقول الحجرية!
* شاركوني الترحيب بشركة الهدهد للمحتوى الإبداعي للأطفال في رعاية المدونة.

