المواطنه وشروط تحققها المواطنه وشروط تحققها يقصد بالمواطنة العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات، وهو ما يعني أن كافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن سواسية بدون أدنى تمييز قائم على أي معايير تحكمية مثل الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي والموقف الفكري، ويرتب التمتع بالمواطنة سلسلة من الحقوق والواجبات ترتكز على أربع قيم محورية هي: أولا- قيمة المساواة: التي تنعكس في العديد من الحقوق مثل حق التعليم، والعمل، والجنسية، والمعاملة المتساوية أمام القانون والقضاء، واللجوء إلى الأساليب والأدوات القانونية لمواجهة موظفي الحكومة بما في هذا اللجوء إلى القضاء، والمعرفة والإلمام بتاريخ الوطن ومشاكله، والحصول على المعلومات التي تساعد على هذا. ثانيا- قيمة الحرية: التي تنعكس في العديد من الحقوق مثل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية، وحرية التنقل داخل الوطن، وحق الحديث والمناقشة بحرية مع الآخرين حول مشكلات المجتمع ومستقبله، وحرية تأييد أو الاحتجاج على قضية أو موقف أو سياسة ما، حتى لو كان هذا الاحتجاج موجها ضد الحكومة، وحرية المشاركة في المؤتمرات أو اللقاءات ذات الطابع الاجتماعي أو السياسي. ثالثا- قيمة المشاركة: التي تتضمن العديد من الحقوق مثل الحق في تنظيم حملات الضغط السلمي على الحكومة أو بعض المسئولين لتغير سياستها أو برامجها أو بعض قراراتها، وممارسة كل أشكال الاحتجاج السلمي المنظم مثل التظاهر والإضراب كما ينظمها القانون، والتصويت في الانتخابات العامة بكافة أشكالها، وتأسيس أو الاشتراك في الأحزاب السياسية أو الجمعيات أو أي تنظيمات أخرى تعمل لخدمة المجتمع أو لخدمة بعض أفراده، والترشيح في الانتخابات العامة بكافة أشكالها. ربعا - المسئولية الاجتماعية: التي تتضمن العديد من الواجبات مثل واجب دفع الضرائب، وتأدية الخدمة العسكرية للوطن، واحترام القانون، واحترم حرية وخصوصية الآخرين. المواطنة السيادة، وحقوق المشاركة المتساوية - المصطفى صوليح [email protected] بالإضافة إلى الجنسية والانتماء، تعني المواطنة إمكانية تدخل المواطن في اقتراح وصياغة القرار، وفي تدبير وتسيير كل من الشأنين المحلي والعام، كما في تقاسم السلطة وتداولها والرقابة عليها، وذلك بمساواة في الحقوق و المسؤوليات مع المواطنين الآخرين. وكما هو الحال بخصوص "المواطن"، إن المواطنة بعبارة أخرى ليست مجرد صفة لوضعية تطلق فيها النصوص القانونية لدولة ما تسمية مواطنين على الأفراد الذين يحملون جنسيتها وتوحد بينهم مجموعة من القواسم المشتركة. إنها، فوق ذلك، عملية المشاركة النشيطة والعادلة لهؤلاء المواطنين في الحياة السياسية لجماعتهم ودولتهم. وإنها، أيضا، نوع الفعل الذي يجسد هذه المشاركة. ولأنها كذلك، فهي والديمقراطية تكونان في هذا الصدد بمثابة وجهين لنفس التبلة، كل منهما تقر في نوع من التماهي بعبق الأخرى وتمنحها حقيقتها. في القديم، في ديمقراطية أثينا، كان كل مواطن كما يقول برتراند راسل "يشعر بأن له أهميته التي يحسب لها حساب"، وكان مواطنوه، المصوتون والموظفون التنفيذيون المنتخبون وغيرهم بمن فيهم الذين يتم إسقاطهم، يعترفون له بهذه الأهمية. غير أن الديمقراطية، سواء بمعناها الكلاسيكي "حكم الشعب للشعب بالشعب" أو بتعريفها الحديث "حكم الشعب للشعب بواسطة ممثليه"، يمكن أن تكون اليوم في عديد من دول العالم الثالث التي تدعيها أي شيء آخر شكلي إلا أن تبلغ درجة التطابق الفعلي مع مبادئ الديمقراطية وخاصياتها ومقتضياتها ومنهجيتها. أما السبب فبسيط يتلخص في أن الديمقراطية إما أن تكون نظام أمة تتكون من جماعة المواطنين الذين يحسب لأهميتهم حساب أو لا تكون. كيف ذلك ؟ كما أن المواطنة لا تشكل مبدأ من مبادئ جميع الأنظمة السياسية القائمة في العالم، فإنها لا تحظى بنفس التثمين لدى جميع هذه الأنظمة. ويمثل التفسير الذي يعطى للسيادة واحدا من المعايير التي تعكس مدى القبول أولا ثم مدى الالتزام ثانيا بإعمال هذا المبدأ. فالسيادة، كمقابل لمفهوم souveraineté، هي مصطلح سياسي حديث تفرع في أصله اللاتيني القديم عن كلمة superus، أي الأعلى. واشتق في اللغة العربية من فعل سود (ساد، سودد) ليدل على من له المكانة الأرفع والأشرف. وهو في كلتا الحالتين كان يحمل خلال العصور الوسطى محتوى لاهوتيا يحيل على الله الذي له القوة العليا (السيادة) على كافة الخلق. ولأن الناس هم الذين يتدبرون اجتماعهم الإنساني فوق الأرض، انتقل موطن السيادة مع التحولات الفكرية والسياسية الحداثية التي رافقت النهضة الأوروبية إلى الملك ثم إلى الدولة، كما انتقل مصدرها، بما يعنيه من سلطات، إلى الشعب. وهكذا فالبلدان التي اختارت أن تكون السيادة فيها للأمة، أي اختارت شرعية الشعب وإرادته عن غيرها من الشرعيات، هي التي استوت فيها الديمقراطية وشكلت المواطنة بمبادئها وقيمها الإنسانية الراقية جهازها العصبي الذي يقدر المواطنين على الاعتراف باختلافاتهم واحترامها وعلى إدراك أن الدولة للجميع والحكومة للتناوب. أما البلدان التي لم تتح فيها للمواطنين فرصة الاختيار، أو واصل مواطنوها يتحملون على مضض فقدانهم للحق في السيادة وفي تفويضها بناء على كامل إرادتهم وحريتهم، واستمرت الأجهزة القمعية والإيديولوجية لأنظمتها السياسية تتمسك بالسلطة الشخصية لفرد أو لأقلية من الأفراد وتبررها بكل المسوغات غير العقلية، هي بلدان بعض سلطاتها يغيب مبدأ المواطنة تماما عن مفرداتها، وبعضها تربط بينه وبين المعارضة والمجتمع المدني، وبعضها الأخرى توظفه كحصة مضبوطة من الحقوق غالبا ما تختزله في فعل التصويت في الانتخابات والاستفتاءات. لكن، وبالنظر إلى أن الانتخابات والاستفتاءات هي، مع ذلك، شكل من أشكال المشاركة التي تعكس سيادة الشعب وتعبر في نفس الآن عن المواطنة، فإن البند الثالث من المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يؤكد على أن تكون "نزيهة تجري دوريا بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث ضمان حرية التصويت"، كما يؤكد في البندين الأول والثاني من نفس المادة على حق المواطن في المشاركة المتساوية في تقلد الوظائف العامة لبلده وكذا في إدارة الشؤون العامة للبلد إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون بحرية. وذلك علما بأن هذه المشاركة لا تتوقف عند حدود التسجيل في القوائم الانتخابية والتصويت، بل تتعداها إلى التساؤل حول كفاءة النظام الانتخابي السائد وطرقه وأساليبه وأشكاله مقارنة مع غيره وبناء على الحاجات الفعلية التي راكمها المسار الديمقراطي، وحول كفاءة السياسات الجارية والعلاقة المؤسسية وغيرها التي تربط بين المواطن والسلطة. أما الاكتفاء بالإشارة في كل مرة، كما يحدث في المغرب وغيره من بلدان، إلى أن الانتخابات هي في حد ذاتها تشكل مدرسة للمشاركة المواطنية، وذلك مهما طبعها ويطبعها من تحصيص مسبق ويواكبها من عرقلة للحرية في الحركة والتعبير ويشوبها من شطط وغش وتدليس ورشوة و عنف وتزوير لوثائقها ونتائجها، فتتجلى خطورته في كونه يجرد العمليات الانتخابية من دورها الأساسي في الكشف عن درجة ارتباط شعب بقيم المواطنة الضرورية للديمقراطية، الأمر الذي يسبغ الشرعية، بفعل التكرار المتواتر، على تلك العيوب والانتهاكات ويرتد سلبا على مجريات العمليات الموالية ويولد المزيد من الشكوك حولها وحول جدواها وجدوى المشاركة فيها. إلى جانب السيادة تعتبر كل من الحرية والأمان والتضامن خاصيات أساسية بدونها لا يكون لتلك المشاركة المتساوية، أي المواطنة، أي معنى على أرض الواقع. إن الحرية كحق طبيعي (روسو)، وهي منظور إليها من زاوية امتلاك الإنسان لذاته كما من زاوية ممارسته للنشاط الاجتماعي والسياسي، تحقق أرقى وضع لمساهمة الأفراد في مناقشة قضاياهم وفي معالجة المشكلات التي تهم مجموعاتهم ودولتهم وكذا علاقات البشرية ومصيرها. ولذلك فإن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يخصص معظم مواده للحقوق السلبية التي تتجه نحو حماية المواطن من أي اعتداء تقوم به الدولة أو أية مجموعة منظمة أخرى ضد حرياته الفردية (المواد من 2 إلى 18) أو حرياته العامة (المواد من 19 إلى 21). وهي الحريات التي تنص عليها بشكل تفصيلي، آمر و ملزم، المواد من 2 إلى 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية. ويعتبر الحق في الحياة، وفي الشخصية القانونية، وفي التنقل والتجمع السلمي، وفي المساواة أمام القانون والقضاء، ونبذ كل دعوة للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، أو إنكار حق الأقليات الوطنية في "التمتع بثقافتهم أو الإعلان عن ديانتهم وإتباع تعاليمها أو استعمال لغتهم" شرطا أساسيا للإقرار بالمواطنة ولضمان ممارستها. وكما هو بديهي، إذا كانت حريات الفرد تنتهي هناك عندما تبتدئ حريات الآخرين وما تتطلبه من احترام متبادل، فإن الحدود الفاصلة بين الحريات والحقوق تكاد تنعدم لولا أن هذه الأخيرة "تشمل جملة الواجبات التي يجب أن تضطلع بها المجموعة تجاه الشخص و الشخص تجاه المجموعة سواء صدر من المعني بالأمر فعل أم لم يصدر". وعلى كل حال، فإن وضع المواطنة يبقى ناقصا وذلك في حالة عدم الاعتراف بأن حريات الأفراد هي حقوق لهم في مواجهة الدولة والمجتمع. ومن هذه الحقوق، أيضا، تلك التي تتوجه نحو ضمان الأمان للمواطنين. إن الأمر يتعلق، هنا، بالحقوق الإيجابية. أي بتلك الحقوق التي تكفل للمواطن الأمان الاقتصادي والاجتماعي و الثقافي وتسهم، بالتالي، في إقداره على المشاركة بنشاط وفعالية في الحياة السياسية. وهي حقوق يخصص لها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان باقي مواده، أي المواد من 22 إلى 28، ويفرد لها العهد الدولي المتعلق بها مجمل مواده وخاصة منها المواد من 2 إلى 15. وتتمثل هذه الحقوق في الحق في مستوى معيشي كاف ، و في الضمان الاجتماعي، وفي العمل والحماية من البطالة، وفي العدالة والإنصاف في الأجور، وفي الصحة والراحة والرفاهة، وفي الخدمات الاجتماعية الضرورية كما في الحق في التعليم والمشاركة الحرة في النشاطات النقابية و في الحياة الثقافية للمجتمع. ولأن الكرامة الإنسانية المتأصلة بمساواة في الشخص الإنساني هي القاسم المشترك بين الناس أينما وكيفما كانوا، وهي الأصل الذي تنبع منه كل حقوق الإنسان سواء منها تلك المتجهة نحو كفالة الحرية أو ضمان الأمان للأفراد وعبرهم لمجموعاتهم، فإن الخاصية الرابعة للمواطنة تجد تعبيرها في الحقوق التي تهدف إلى التضامن . لكن ليس المقصود، هنا، كل الحقوق التي تنعت بالحقوق الجماعية، أو حقوق الشعب، أو المجتمع. فهذه الأخيرة تعكس لغة جديدة في حقوق الإنسان ما فتئت تثير إشكالات قانونية وتطبيقية برزت مع أواسط ثمانينيات القرن العشرين، وخاصة بعد أن بدأت الجمعية العامة للأمم المتحدة تتبنى قرارات في هذا الاتجاه، وذلك رغم الاعتراضات التي تقول بأنه، وباستثناء حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن باقي الحقوق الموصوفة بالجماعية، وفي مقدمتها الحق في التنمية، ما هي في الواقع سوى حقوق غير إنسانية تدعيها حكومات دول أغلبها استبدادية من أجل تعزيز تسلطها وتبرير عدم التزامها باحترام وإعمال نصوص الشرعة الدولية لحقوق الإنسان الفرد و عبره لحقوق الجماعة والمجتمع، وذلك على اعتبار أن الإرادة السياسية لتلك الدول لو عملت على تطوير أنظمتها السياسية، خلال العقود التي تلت استقلالها، نحو الديمقراطية الحقيقية، ووضعت ضمن أولوياتها في سياق ذلك إنجاز ما أقرته نصوص فئات حقوق الإنسان الخمسة، لكانت قد حققت فعلا حاجات شعوبها إلى الإنماء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. نعم، تضيف الاعتراضات، من المفروض أن يرفع المجتمع الدولي مختلف العراقيل التي تعوق التنمية في دول الجنوب، إلا أن التجربة أظهرت بأن إعطاء الأسبقية للتنمية على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبالتالي على المواطنة، لا يؤدي إلا إلى الزيادة في الإغناء الفاحش للأقليات الحاكمة والنافذة مقابل المضاعفة من أعداد الفقراء والمهمشين مع الرفع من قيم الإنفاق على الأمن و التسلح. أما المقصود، فهو أنه في مقابل واجبات الدولة في تمتيع المواطنين بحقوق الإنسان المكفولة في المواثيق الدولية وبحمايتها وفق مبادئ المساواة في الانتصاف، تقتضي المواطنة التزام المواطن سواء كان فردا أو عضوا في هيئة من هيئات المجتمع بواجبات ومسؤوليات تجاه المواطنين الآخرين والمجتمع الذي ينتمي إليه و تجاه الجماعة الكونية. وتتلخص هذه الواجبات والمسؤوليات على صعيد الجماعة الوطنية، و ذلك كما يلح عليه البند الثاني من المادة 29 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في " الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الآخرين واحترامها." والمساهمة في أنشطة التثقيف والتدريب والبحث في المجالات المتصلة بجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية و بآليات حمايتها، والقيام بالدفاع عن حقوقه وحرياته وكذا عن حقوق وحريات الآخرين متى تم انتهاكها أو الاعتداء عليها، و ذلك عن طريق توثيقها و فضحها و تقديم الشكاوي الفردية أو الرسائل بخصوصها إلى القضاء الوطني أو إلى اللجان أو الفرق أو الوكالات الدولية ذات الاختصاص. كما تؤكد المادة 18 من إعلان الأمم المتحدة المتعلق بحق ومسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا (1998)، فإن هذه الواجبات والمسؤوليات تشمل " صون الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان و الحريات الأساسية والإسهام في تعزيز المجتمعات والمؤسسات والعمليات الديمقراطية والنهوض بها". كما تشمل الاضطلاع بتعزيز "حق كل فرد في نظام اجتماعي ودولي يمكن فيه إعمال الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وصكوك حقوق الإنسان الأخرى إعمالا كاملا"، ونبذ أي نشاط أو فعل يقوم به غيره من المواطنين الفرادى أو المشتركين مع آخرين أو ضمن مجموعات حكومية أو قريبة منها أو غير حكومية يتعارض مع حقوق الإنسان أو يهدف إلى إهدارها. ومن واجبات المواطن، كذلك، أن يحترم بشكل متبادل اختيار الآخرين لهوياتهم الثقافية واللغوية ولحريتهم في إنمائها أو في تعديل اختيارهم هذا، وأن يشارك في سياسات التعاون والحوار الثقافي بما يكفل له ولغيره التعريف بثقافته بأشكال التعبير السلمية التي يجيدها والإلمام بالتراث الثقافي الوطني وبالتراث الثقافي الكوني المشترك بين الإنسانية، وبما يضمن في نفس الآن إعلاء عمارة الديمقراطية على أعمدة ثقافة التسامح. وبالإضافة إلى أن الإقرار بالتعدد الثقافي أو الفكري أو السياسي والقبول المتبادل بأهمية التنوع في ذلك، والتضامن بين المختلفين من أجل المساواة في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص بخصوص التدخل في القضايا الوطنية والدولية ذات الاهتمام المشترك وفي مناقشتها ومعالجتها هو أنجع سبيل لمكافحة التعصب والتطرف والميز وكراهية الغير، فإن من أبعاد المواطنة التضامنية تجاه الجماعة الوطنية تنازل المواطنين عن أنانيتهم ووضع المصلحة العامة قبل أي اعتبار حفاظا على الوطن في حالة مجابهته لكوارث أو مشاكل أو نزاعات عنيفة داخلية أو خارجية. وإلى ذلك، فإن المواطنة تستلزم، على صعيد المجموعة البشرية، أن يربط المواطنون بين أفكار التضامن وتلك المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية وسلامة البيئة والحل السلمي للنزاعات، وأن يتصرفوا بوصفهم مواطنين كونيين يدركون بان العالم واحد وأن الاكتشافات والتلوث والتصحر والجفاف والأوبئة، كما الحرب والسلم ، تعني جميع الناس لأنهم جميعهم يعيشون فوق نفس الكوكب. أكيد أن بلادنا لن يمكنها، في الأخير، إلا أن تنتقل نحو الديمقراطية. قد يتعثر هذا الانتقال، ولكن إذا كانت رياح التغيرات المتسارعة التي ما فتئت تهب على العالم وخاصة منذ سقوط جدار برلين لن تسمح أبدا بترجيح رغبة فلول الماضي في العودة بنا إلى الاستبداد المباشر، فإن المواطنة، أي المشاركة المتساوية للمواطنين والمواطنات في الشأنين العام والمحلي بوعي وبطريقة مستقلة، فعالة، ومسئولة، إذا ما تمت مراعاتها ستضمن، دون شك، للانتقال سلاسته وستخفف من الآثار النفسية التي تنجم عن مشاكل الطريق، وفوق ذلك ستشيد للديمقراطية حصونها المنيعة في عقول الناس ووجدانهم. فالمواطنة الديمقراطية، كما يعلمنا التاريخ، هي التي تيسر كل مسعى لتحديث النظام السياسي والمجتمع وتكفل استعادة الشعب لسيادته كلما تم اغتصابها من قبل النازية أو الفاشية أو أي من الديكتاتوريات الأخرى. وفي خاصيات المواطنة الديمقراطية وحقوقها توجد أهم الإجابات عن سؤال لماذا ومتى تكون احتمالات اغتصاب الديمقراطية بالديمقراطية وكبح سيرورتها واردة بكل قوة. إن انتخابات، مطعون فيها، و لم يشارك فيها على مدى خمسة عقود سوى 05% إلى 22%، وإن مسارا بيروقراطيا لشكليات الديمقراطية، وإن قرابة ثلثي سكان المغرب يعيشون ليومهم في الأرياف والمدن ولا يربطهم بالسلطة إلا الخوف و"الجراي" أو المقدم والمخبر وحارس السيارات، هي عوائق حقيقية. لكن التغلب على هذه العوائق ممكن إذا ما ارتدت السلطات بدءا بممثلياتها المحلية، والإذاعة الوطنية و الجهوية، و القناتان التلفزيتان، والمدارس، والجامعات، والمستوصفات، والجماعات المحلية، والجمعيات التنموية والثقافية والحقوقية، والمقاولات وغيرها طربوش المواطنة من أجل حملة مستدامة تتخذ شكل أثينيات محلية للتدرب والتدريب على المشاركة المتساوية المباشرة. وهي حملة من المفروض أن يكون فيها للتربية على المواطنة أوسع نطاق. المواطنة انتساب جغرافي، والهوية انتساب ثقافي. المواطنة انتساب إلى أرض معينة، والهوية انتساب إلى معتقدات وقيم ومعايير معينة. فما العلاقة بينهما؟ نذكر فيما يلي أمثلة للعلاقات بينهما، وللمشكلات التي تثيرها هذه العلاقات، فنقول: - الهوية لازمة للمواطنة؛ لأن المواطنين لا بد لهم من نظام سياسي، وعلاقات اقتصادية واجتماعية، وقوانين تضبط هذه العلاقات. وكل هذا إنما يبنى على معتقدات وقيم ومعايير؛ أي على هوية معينة. - ليس الوطن الذي ينتسب إليه المواطنون هو الذي يحدد لهم نوع الهوية التي إليها ينتسبون. فالوطن الواحد قد تتعاقب عليه نظم مختلفة بل ومتناقضة. فالروس كانوا مواطنين روساً، حين كانوا ينتمون إلى الاتحاد السوفييتي، وحين كان نظامهم الاقتصادي اشتراكياً، وكان نظام حكمهم دكتاتورياً، وهم الآن مواطنون روس بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وبعد حلول الرأسمالية محل الاشتراكية، والديمقراطية محل الدكتاتورية. - فالهوية إذن هي النظارة التي يرى من خلالها المواطنون ما هو مناسب أو غير مناسب، صالح أو غير صالح لوطنهم. فإذا اختلفت النظارات اختلف تقويم الناظرين إلى ما ينظرون إليه، وإن اتفقوا على الحقائق الحسية. - وإذا صح هذا فإن المواطنين مهما كان إخلاصهم لوطنهم وحرصهم على مصلحته لا يمكن أن ينظروا إلى تلك المصلحة باعتبارهم مواطنين فقط، بل لا بد أن ينظروا إليها بحسب هوياتهم. لكن بعض الناس يتوهمون أنه بإمكان المواطنين في بلد ما أن يحلوا مشكلاتهم بمجرد انتمائهم الوطني. فيقولون مثلاً: لماذا لا نجلس باعتبارنا سودانيين فقط أو سوريين فقط، أو يمنيين، أو خليجيين، أو مصريين، وننسى انتماءاتنا الدينية والأيديولوجية لنحل مشكلة من مشكلاتنا الاقتصادية؟ نعم هنالك مشكلات يمكن أن يحلها الناس حتى باعتبارهم بشراً، ودعك من أن يكونوا مواطني دولة من الدول، ولكن ما كل المشكلات كذلك، وإلا لما انتمى الناس أصلاً إلى ثقافة من الثقافات، بل نظروا إلى كل مشكلة باعتبارهم بشراً لا غير. خذ مثلاً مشكلة (مرض الإيدز): إن الناس سيتفقون باعتبارهم بشراً وبغض النظر عن انتماءاتهم الوطنية بأنه شيء ضار؛ لأنه خطر على حياتهم وحياة أولادهم، وهم باعتبارهم بشراً حريصون على الحياة. هل يتفقون على طريقة معالجته؟ ليس بالضرورة؛ فقد يقول المتدينون ـ مسلمين كانوا أو يهوداً أو نصارى ـ إن العلاج الحاسم إنما يكون بالكف عن أية ممارسة جنسية قبل الزواج. وقد يذهب المسلم إلى القول: إن هذا يستدعي فصل الرجال عن النساء، وإلزامهن بزي معين لا يكون مثيراً للرجال. ولكن أناساً من غير المتدينين قد يرون في مثل هذه الاقتراحات حداً من الحرية، وهي في نظرهم أمر ضروري ضرورة العفة التي ينشدها المتدينون؛ ولذلك يرون الاكتفاء بالبحث عن علاج طبي لا سلوكي. وخذ قضية أخرى يواجهها كل البشر: (كيف تكون العلاقة الجنسية بينهم؟) هل تكون إباحية يقضي كل فرد منهم حاجته مع من شاء كيف شاء؟ هل يتزوجون؟ وهل يكون الزواج بواحدة أم أكثر؟ وهل هنالك حد لهذا الأكثر؟ هذه قضايا لا يحلها الناس بمجرد انتمائهم الوطني؛ لأنه ليس في هذا الانتماء ما يهديهم إلى خيار من هذه الخيارات، أو يفرضه عليهم. لا بد للمواطنين إذن من هوية، من ثقافة تكون هي المنظار الذي ينظرون به إلى الواقع، والمعيار الذي يقترحون به الحلول لمشكلاته. ولكن ماذا إذا كان المواطنون في البلد الواحد منقسمين إلى ثقافات، وهويات مختلفة؟ هنالك عدة احتمالات: - أحسنها من حيث الاستقرار وعدم التنازع: هو أن تكون إحدى هوياتهم هذه هي الغالبة من حيث عدد المنتسبين إليها. قيّدتُ الحسن بالاستقرار السياسي، وعدم التنازع ولم أقُلِ التطور العلمي، أو الاقتصادي، أو العسكري؛ لأن الهوية التي استقر أمرهم عليها قد لا تكون بطبيعتها مساعدة على ذلك. - وإذا لم تكن هنالك هوية غالبة بهذا المعنى فقد يكون المنتمون إلى إحدى الهويات أقوى من غيرهم؛ فيفرضون على البلد هويتهم، وينظمون أمره على أساسها. هذا سيكون بالطبع على حساب بعض الحريات، لكن هذه الأدلجة المفروضة بالقوة قد تكون مساعدة على تطور البلاد اقتصادياً وعلمياً وعسكرياً، كما كان الحال في الاتحاد السوفييتي، وكما هو الآن في الصين، وكوريا الشمالية. - وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك، وكانت الهويات والثقافات المتعددة متساوية في قوتها فأمام مواطنيها خيارات: - فإما أن يحلُّوا نزاعهم بتقسيم وطنهم، كما حدث للهند حين خرجت منها باكستان، ثم خرجت بنجلادش من باكستان، وكما خرجت أرتريا من أثيوبيا، وكما انقسمت شيكوسلوفاكيا، ويوشك أن تنقسم الآن أكرانيا. - وإما أن يبحثوا عن صيغة يتعايشون بها رغم اختلافاتهم؛ فماذا يا ترى يمكن أن تكون هذه الصيغة؟ يرى بعضهم أن أحسن طريقة لتعايش مثل هذه الهويات المختلفة: هو أن تختار نظاماً علمانياً محايداً بينها، وديمقراطياً يعطى كل واحد منها حق الوصول إلى السلطة، إذا ما اختارته الأغلبية. لكن المشكلة أنه لا يوجد نظام للحكم محايد بين هويات مختلفة اختلافاً أساسياً، ويستحيل عقلاً أن يوجد. لا يمكن أن يكون النظام الاقتصادي في البلد الواحد رأسمالياً واشتراكياً، ولا يمكن أن يكون اقتصاد السوق رأسمالياً يبيح الربا، وإسلامياً يحرمه ويفرض الزكاة، لا يمكن أن يكون النظام السياسي إسلامياً يلتزم بشرع الله باعتبار أن الحكم التشريعي له سبحانه، وديمقراطياً يعطي هذا الحق للبشر يشرعون ما شاؤوا؛ فالعلمانية هي نفسها إذن هوية من الهويات، فأنّى تكون محايدة بينها؟ ومن المتفق عليه بين منظِّري الديمقراطية من الغربيين، ودعك من عوام السياسيين من أمثال بوش: أن الديمقراطية لا تصلح ولا تكون سبباً للاستقرار إلا في إطار متفق عليه بين معظم المواطنين، ثم تكون خلافاتهم الثقافية خلافات فرعية داخل هذا الإطار العام الجامع. وأما إذا كانت الخلافات أساسية، وحول الإطار نفسه فإن الديمقراطية لن تحل إشكالاً، ولن تحقق استقراراً؛ لأنه لا أحد من المتنازعين سيقبل حلاً لمجرد أن الأغلبية التي يختلف معها قالت به. ما الحل إذن؟ الحل في مثل هذه الحال: هو أن يجتمع المختلفون، ويبدؤوا بتقرير المبدأ الذي هم متفقون عليه: أنه من مصلحتهم جميعاً أن يبقوا في وطن واحد، ثم ينظروا إلى الكيفية التي يحققون بها هذا الهدف، من غير تقيد سابق بديمقراطية، ولا علمانية، ولا غير ذلك من النظم والأيديولوجيات الشائعة، بل يقولون: هذه أوضاعنا، وهذه خلافاتنا؛ فلنبحث عن حل أصيل لها ومتناسب معها، وهو حل يستلزم ـ ولا بد ـ قدراً من التنازلات والمساومات، وقد يكون شيئاً جديداً يستفيد من الدين ومن التجربة الديمقراطية، أو العلمانية، أو غيرها، ولا يأخذ أياً منها بكامله. هذا ما حاول فعله واضعو الدستور الأمريكي؛ فبالرغم من أن الولايات المتحدة تعد اليوم مثالاً للديمقراطية؛ إلا أن الذين وضعوا دستورها لم يكونوا ملتزمين بتجربة ديمقراطية معينة، ولا بمبادئ ديمقراطية معينة، بل كان بعضهم يخشى مما أسموه بدكتاتورية الأغلبية التي قد تؤدي إليها الديمقراطية. ولذلك جاء دستورهم شيئاً جديداً لا يمكن أن يوصف بالديمقراطي إذا ما قيس بالمبادئ الديمقراطية الصارمة. من ذلك أنه من الممكن ـ بل حدث ـ أن يكون الرئيس الفائز في الانتخابات أقل أصواتاً من منافسه. ومنها فكرة الكليات الانتخابية التي لا تقيد أعضاءها برأي ولايتهم، بل تجيز لكل واحد منهم أن يصوِّت لمن يراه صالحاً من المرشحين للرئاسة بغض النظر عن الأصوات التي نالها في الولاية. لكن حتى هذا لم يحل الإشكال حلاً كاملاً؛ فما زال الشعب الأمريكي منقسماً في قضية العلاقة بين الدين والدولة، وما زالت الكتب فيها تكتب، والبحوث تُنشر، والقضايا ترفع، وهذا يعني أن التعددية ليست شيئاً حسناً في ذاته وبإطلاق. التعددية تكون حسنة إذا ما كانت إيجابية، وهي لا تكون كذلك إلا إذا كانت ضمن إطار ثقافي جامع؛ أي ضمن هوية جامعة. فتعددية الهويات المختلفة المتناقضة: هي مشكلة يجب أن تعالج وليست واقعاً يحافظ عليه، أو يتباهى به، كما يفعل كثير من الناس الآن في السودان وغيره؛ وذلك لأنه لا يسهل مع مثل هذه التعددية تحقيق استقرار سياسي، ولا يسهل معها من ثَمَّ تطور اقتصادي، أو علمي أو تقني. هذا هو المتوقع عقلاً، وهو الذي تدل عليه تجارب الأمم قديمها وحديثها. قد يقال: لكن هذه هي الولايات المتحدة تتباهى بأنها أمة واحدة رغم أنها تكونت من مواطنين من أجناس متعددة، وديانات متباينة، ولغات مختلفة، وثقافات متناقضة. نعم! لكنها لم تصر أمة واحدة إلا حين صهرت هذه المكونات كلها في بوتقة، وأخرجت منها شيئاً واحداً متجانساً. يمكن لذلك أن نقول: إن التعدديات نوعان: تعددية صحن السَلَطة الذي يحتفظ كل مكون من مكوناته بلونه وطعمه وملمسه: فهذا طماطم، وهذا جرجير، وهذا عجور، وهكذا. وتعددية القِدر الذي توضع فيه كل المكونات، من لحم، وخضار، وملح، وبهارات لتطبخ إداماً واحداً ذا طعم واحد، وربما لون واحد. هذا الأخير هو الذي يقال: إن الولايات االمتحدة فعلته، إنها كما يحلو لهم أن يقولوا بوتقة melting pot جعلت من مكوناتها أمة أمريكية واحدة. يقول كاتب أمريكي: لقد كانت الأمركة عملية انسجام قسري كانت الولايات المتحدة فيها بمثابة البوتقة لا النسيج ذي الألوان والصور المختلفة. لم يكن ينظر إلى المجتمع الأمريكي على أنه قطعة من روسيا؛ قطعة من إيطاليا، وقطعة من بولندا مزج بعضها ببعض، كلا! بل إن القوميات المختلفة جُعلت أمريكية كما ينقى المعدن الخام ليصير ذهباً خالصاً. الأمركة نقتهم وأزالت خبثهم. إن أصحاب موكب حركة البوتقة لم يكونوا يحتفلون بالتسامح، ولكن بالخضوع لمفهوم ضيق للقومية الأمريكية، بتصوير الأجانب بأناس في أزياء غريبة، ينغمسون في قدر كبير، ويخرجون منه نقيين بهندام جميل، ولهجة أمريكية خالصة، ومنظر أمريكي؛ أي أمريكان إنجليز(1). كيف يقال: إن أمريكا تؤمن بالتعددية، وهي زعيمة الغرب الذي ما زال يسعى لقتل الثقافات الأخرى، ولأن تكون ثقافته هي المهيمنة على العالم؟ اقرؤوا في هذا ـ إن شئتم ـ كتاب (إدوارد سعيد) الاستعمار الثقافي(Cultural Imperialism) ، بل إنهم ليعدون ثقافتهم جزءاً من قوتهم التي يسمونها بالقوة الناعمة أو اللينةsoft power في تقرير جديد للجنة استشارية من لجان الكونغرس فيه تقويم لسياسة الحكومة الأمريكية، ونقد لها جاء قولهم: كنا نتحدث حتى الآن على افتراض أن الهوية شأن داخلي في وطن من الأوطان، لكن الواقع ليس كذلك. فالعلاقة بين الوطن والهوية لا تكاد تكون علاقة مطابقة. وهذا يسبب مشكلات كثيرة منها: - أنه كما أن تعدد الهويات في الوطن الواحد قد يؤدي إلى تمزيقه؛ فإن اتحاد الهويات في أوطان متعددة قد يؤدي إلى توسيع للحدود الوطنية، بضمّ بعض الأقطار إلى بعض، أو بالتعاون الوثيق بينها الذي يجعلها كالوطن الواحد، كما هو الحال الآن في الاتحاد الأوروبي. - لكن هذا التوحيد أو التمزيق لا يحدث في الغالب إلا بطريقة عنيفة. وفي هذا يقول المؤرخ الإنجليزي (لويس ناميير): «إن الدول لا تتوحد أو تُحطم، والحدود لا تُمحى أو يعاد رسمها بالحجج وصوت الأغلبية. إن الأمم تحرر وتتوحد أو تمزق بالحديد والدم، لا بالتطبيق الكريم لمبدأ الحرية». - بما أن مصالح المواطنين في أرض معينة لا تكاد تكون محصورة في حدود أرضهم، ولا سيما في عصرنا هذا الذي تشابكت فيه المصالح بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ العالم؛ فإن مفهوم الدولة الوطنية بدأ يتضاءل، وتحل محله تحالفات أو اتحادات بين دول متعددة. ولكن هذه التحالفات لا تنجح إلا إذا كانت مبنية على هويات مشتركة. خير مثال على ذلك (الاتحاد الأوروبي) الذي لم يجد مشكلة في ضم كل قطر ذي هوية أوروبية نوعاً ما، لكنه يتلكأ في قبول (تركيا) ذات الهوية المختلفة، بالرغم من أنها دولة علمانية، وبالرغم من أنها غيرت في كثير من قوانينها لتوافق البلاد الأوروبية. - بما أن التطور الهائل في وسائل الاتصال جعل من كرتنا الأرضية ما يشبه الوطن الواحد فقد ازداد حجم المشكلات التي تهم الناس باعتبارهم بشراً، وبغض النظر عن أوطانهم وهوياتهم. من أوضح الأمثلة على ذلك مشكلة (الخروق) التي بدأت تحدث في طبقة الأوزون، والتي تسببت في ارتفاع درجة الحرارة في الكرة الأرضية. وقد كان من نتائج كثرة ازدياد المشكلات المشتركة بين الناس أن كثرت المنظمات العالمية كثرة ليس لها مثيل في تاريخ البشرية. - لكن بعض الدول القوية صارت تحاول إخضاع البشرية كلها إلى قيم نابعة من هويتها، أو خادمة لمصالحها؛ بحجة أنها قضايا إنسانية عامة لا ثقافية خاصة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما سمي بـ (الإعلان العام لحقوق الإنسان) الذي يقول كثير من نقاده حتى من الغربيين: إن كثيراً من بنوده لا ينطبق عليه وصف الحق الإنساني، والذي يرى بعضهم أن كثيراً منه تعبير عن ثقافة معينة هي الثقافة الغربية. بل إن بعض الجهات المؤثرة صارت تستغل الأمم المتحدة نفسها لإلزام الأمم كلها بقرارات نابعة من قيمها، ومنها قضية المرأة. نخلص من هذا كله إلى أنه على المسلمين في بلد: كالسودان أن لا يُخدَعوا بما يقول لهم مثلاً الزعيم (قرنق) من أن علينا جميعاً أن نجتمع باعتبارنا سودانيين فحسب، وأن نجعل الدين أمراً شخصياً؛ لأن الأديان تفرقنا والوطن يجمعنا. إن قرنق لا يتحدث هنا باعتباره سودانياً فحسب، بل ولا باعتباره جنوبياً فحسب، وإنما يتحدث باسم الحضارة الغربية وقيمها. إن تخلّي المسلمين عن دينهم في حياتهم العامة ليس استمساكاً بوطنية لا هوية فيها كما يدعي (قرنق)، وإنما هو إحلال للهوية الغربية محل الهوية الإسلامية. --------------------------------------------------------------------------------
  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 123 مشاهدة
نشرت فى 21 فبراير 2012 بواسطة shmssamir

ساحة النقاش

سمير ابراهيم العجواني

shmssamir
اللهم اجعلني صغيرا في عيني كبيرا في أعين الناس »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

70,152