العنف ضد المرأة.. ما معناه ؟ العنف ضد المرأة.. ما معناه ؟ أزمة هويّة فى عصر الإنسان الأدنى مروة كريدية * لطالما تحاشيت الخوض فى الحديث عن المرأة، وكل ما يتعلق بها من موضوعات، خصوصًا فى سياق ما يُطرَح حولها من أمور كأنها لا تخص كائنًا غيرها مثل:"الحرية" و"المساواة" "والحقوق" ... وغيرها من المواضيع التى تعج بها الكتب والشاشات والبرامج والمؤتمرات والندوات، التى غالبًا ما تُرفَع فيها الشعارات المؤدلجة وتوضع أخرى، فى أتونٍ محمومٍ، إن دلّ على شيء فإنه يدل بالدرجة الأولى عن مدى الفوضى الفكرية التى نعيشها وغياب الوضوح المنهجي، وانعدام الأسس البنيوية لعلاج الظواهر الحياتية ، كما تدل على أن مفهوم الكائن الانسانى الحرّ المبدع مازال بعيدًا عنا كلّ البعد. لأجل ذلك كنت أتعمد الابتعاد عن الجمعيات "النسائية"، لأن معظم ما وقعت عينى عليه حتى الآن، يتخذ من شعاراته أداةً لتمرير مشاريع لا تخدم المرأة أصلا، ولا حتى الإنسان، وهذا ليس من باب النقد، أو التقليل من شأن ما تحاول المرأة جاهدة أن تقدمّه وتحققه لنفسها، بل لأن هناك خطأ بنيويًّا فادحًا فى الفلسفة التى تقوم عليها الممارسات المدافعة عن المرأة، فالمفاهيم المطروحة تنقل المرأة من واقع يختزلها، لواقع آخر ربما يكون أشد اختزالا لإنسانيتها، فتصبح عملية التحرر المزعومة عملية انتقال من عبودية لأخرى، و يصبح العنف مقنعًّا أو من لون آخر. إنّ فكرة وجود "جمعية نسائية" بحتة، هى فكرة عنصريّة بحدّ ذاتها تحاول استبعاد الآخر، أى "كل من ليس بإمرأة "، واقصاؤه ونفيه ، تمامًا كالمجتمعات "الذكوريّة" التى تحاول نفى المرأة وإخضاعها، ففكرة "مجتمع نسائي" صرف يُكرس مبدأ الفصل بين البشر، ويؤدى الى انشطار وانفصام الكائن المسمى انسانًا. وإذا ما أردنا أن نحلِّلَ ظاهرة العنف ضدَّ المرأة، لا بد وأن ندرس ذلك من خلال سياقه الفكرى العام، لأنّ أشكال العنف المُمَارس ضدَّها، ليس إلا صورةً منعكسة للعنف الممارس ضد الإنسان ، فالرجل يتعرَّض للعنف أيضًا من قبل "السلطة"، وشتى الشرائح المجتمعية ترزح تحت وطأة العنف والقمع المنظَّم منه وغير المنظم، فحتى الأنظمة الحاكمة فى الدول التى تُوصف بالضعيفة ترزح لسيطرة وهيمنة وعنف إدارات الدول التى تُوصف بالقويَّة، و التى تمنح لنفسها الحق الحصرى فى تقرير مصائر الشعوب وخياراتها، بدءًا من التأديب والحصار الإقتصادى وصولا إلى الاحتلال العسكري..... دون شك فإن أشد أنواع العنف الموّلد هذا وأقساه يقع على الحلقة الأضعف فى المجتمع "الذكوري"، على الطفلة الأنثى ، فالعنف الممارس ضد النساء والأطفال، هو حلقة من سلسلة طويلة من العنف الموجَّه ضد الانسانية ، بل وضد الطبيعة الكونية، وهى أمور تنذر بكوارث حقيقية ما لم نسرع الى تحرير عقولنا من شتى أنواع القيود ونبذ العنف بكلّ أطيافه ومستواياته. مشاهد العنف ضد الكائنات إذا حاولنا أن نتجرّد، ونخرج من الأطرالفكرية المعلَّبة، والأحكام المسبقة، والمرتكزات الإجتماعية والسياسية والدينية وحتى اللغوية ....كيف تبدو مشاهد العنف على وجه البسيطة؟ إنّ المرأة تعانى من عنف الرجل، والطفل يعانى من عنف البالغين، والموظف يعانى من عنف مدراءه، والمواطن يعانى من عنف السلطات، واجهزة السلطة تعانى من عنف سياسة الأنظمة، والأنظمة السياسية –خصوصًا فى بلادنا العربية– تعانى من عنف الدول الكبيرة، وهكذا فى دوامة لا متناهية من العنف الصريح والمقنّع والمتحول والموّلد فى آن معًا. كما يجب علينا أن لا ننسى أننا ككائنات بشرية، منحنا أنفسنا حقّ ممارسة العنف ضدّ الكائنات الأخرى، فالإنسان يمارس العنف ضد الشجر فيقطع الشجر لغير حاجة ولا يزرع مكانها، فنسبة المجازر المرتكبة بحق الغابات تنذر بكارثة بيئية وفق آراء العلماء؛ كما أنّ الكائن الانسانى يُمارس العنف ضد الكائنات البيئية يوميًّا فيعمل على حرق البيئة دون رحمة ،"فالولايات المتحدة وحدهاعلى سبيل المثال تقدّم للبيئة 39.4 بالمئة من نسبة انبعاث ثانى أكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحرارى وهى أعلى نسبة بين دول العالم الذى يصف نفسه بأنه متطور"؛ إضافة إلى أنّ الانسان يمارس العنف ضدّ الحيوان، سواء عنف مباشرًا أو عنف مقنّع يتمثل فى تعديل جيناته وراثيًّا وتعديل منظومته الغذائية، الأمر الذى أدّى الى انتشارالأمراض والأوبئة.......هذا عدا انتشار الأسلحة الفتّاكة المدمرّة التى مازلنا نعانى منها ككائنات على كافة الصعد، علاوة على الاستخدامات النووية بكل صورها وأشكالها "السلمية منها والغير سلمية " ، فحتى ما يصرّح به أنه" سلمي" بحق الكائن الانساني، فهو "غير سلمي" بحق الكائنات الأخرى والطبيعة والبيئة والكون... إذن نحن ككائنات إنسانية ماذا قدّمنا للكون وللكائنات الأخرى سوى الخراب والدمار ؟؟ فالكائنات البشرية تعتقد بأنها أرقى من شتى المخلوقات، متذرعةً بشتى الحجج اللاهوتية وعاملةً على تطويع المعنى المقدّس لصالحها ، علمًا ان الكائنات الأخرى لا تعمل الا فى اطارها الكونى العام وفى تناغم وظيفى عجيب مع بيئتها، وهى لا تضّر نفسها ولا غيرها ، فى حين أنّ الانسان يضرّ نفسه ويؤذى غيره، ويمارس العنف على شتى الكائنات بفوقية ونرجسيّة بالغة، وبقدر ادعائه للذكاء فإنه يمارس شتى أنواع العنف والتدمير. كلّ ما أوردناه هو عنف نشاهده، نسمعه، و نمارسه، فالكائن يحاول فرض سلطته وقوّته، وكل سلطة تحاول امتلاك "الحقيقة" مستخدمة مفردات القدسى متستِّرةً بالكامل والنموذجي، وتدعى أنّ عليها تأديب من يقع تحت وصايتها، فتمنح نفسها حقّ ممارسة العنف على الآخرين واخضاعهم لها باللين أو بالعصا وكلّ ما لا يصنع إلا الدمار..... طبعًا يقابل هذا العنف عنفًا مضادًّا، فالمرأة تحاول مقاومة عنف الرجل أحيانا بعنف من لون آخر، وأحيانًا باسقاط العنف على أطفالها، والرجل يسقط عقدّه النفسية على زوجته؛ و حركات "المقاومة " تحاول أن تقاوم العنف بعنفٍ مضادٍّ بكل ما تملك، حتى لو أدّى الأمر إلى حرق الأخضر واليابس؛ وهكذا نجد أننا كشعوب سقطنا فى أتونٍ محمومٍ من الحروب والويلات ودوَّامة من العنف والعنف المُضاد المتوّلد التى لا ينقذنا من شروره إلا قدرة قادر... إذن لابدّ من معالجة العنف ضد المرأة ضمن إطاره وسياقه الانسانيّ العام، ولا ينبغى ان لا يكون مجتزءًا ومختزل لا يزيد الواقع إلا سوءًا. العنف سؤال الهويَّة لقد ذهب العديد من الباحثين إلى البحث عن تفسيرات علميّة لهذه الظاهرة. وإذا كان يبدو جليًّا أن بعضًا من هذه الدراسات، بيَّنت أن النظام الاجتماعى والسياسى والأخلاقى والقيمى والثقافى والوضع الاقتصادى والمستوى المعيشي، كلها عوامل تفسر هذه الظاهرة، غير أنّه من الملاحظ هو أن معظم هذه الدراسات والأبحاث لم تضع موضع السؤال علاقة العنف بتشكيل الهوية عند الكائن الإنساني. الأمر الذى يجعل العنف ضد النساء، يبدو كظاهرة عرضيّة، وكمسألة طارئة فى الزمان والمكان، كما يتجلَّى بكل وضوح فى خطاب وسائل الإعلام المختزل الرديء، وهذا خطأ فادح لأن العنف ضد المرأة كما أشرنا ليس إلا جزء يسير من منظومة عنف كبرى وواقع شديد القساوة والمرارة. إنّ العلاقة وثيقة بين العنف وتشكّل الهوية عند الانسان، حيث أن هذه الأخيرة تتأسس على مبدأ الهيمنة والسيطرة، على من يُصنَّف أنه أضعف،النساء والأطفال بوجه خاص، ومبدأ الهيمنة هذا قائم على تحكّم من يمسك بزمام السلطة، الذين هم الرجال فى واقعنا لأننا ننتمى لمجتمعات أبويّةٍ ذكورية، و هم من يتحكمون فى وسائل الإنتاج المادى والمعنوي، و هم من يحتكرعادة وسائل العنف الفيزيقى المباشر والرمزى والمعنوى و الدينى ... كلّ ذلك يدعونا إلى طرح تساؤلات منها: هل يُعدُّ العنف مكوّنًا أساسيًّا من مكونات تشكيل الهوية عند الكائن الإنسانى ؟؟؟ وإذا كان الأمر على هذا النحو، فبماذا يمكن تفسير هذه العلاقة؟؟ وهل تسعفنا المقاربات المعتمدة فى تفسير الهيمنة على إيجاد تفسير علمى للظاهرة؟؟ إن ّالعنف ضدَّ المرأة ليس حالةً طارئةً، هبطت من مكان مجهول، أو ظاهرة عرضيّة هامشية آنية تزول مع الوقت، ولكنه يُعدُّ بعدًا مؤسِّسًا للهويّة الإنسانية فى المجتمعات. فالبنى المنتجة للعنف متجذرّة فى الأسس البنيوية للأيديولوجيّات المتداولة فى عالمنا بما فيها الأديان، ومتأصلّة فى البنيات الذهنيّة، والخلفيّات الفكريَّة للأفراد، وتُعدّ المركَّب الأساس فى بنية المؤسسات الاجتماعية بما فيها الأسرة، التى ترعاه وتحتضنه. فالأنماط التربوية المُتَّبعة تُكرِّس العنف، وتعمل على إنتاج شروط انتاج مجتمعات عنفية طائفية عنصرية من جديد، فالعنف يتحكَّم فى اللاشعور الجمعى للمجتمعات البشرية ويُحرِّك دواليب الفعل السياسى والاجتماعى والاقتصادى .... على حدٍّ سواء، إنه جزء لا يتجزأ من المخزون الثقافى والإيديولوجى وعصارة إرث تاريخى ضخم حافل بشتى أنواع الاضطهاد. غير أنَّ كلّ ذلك لا يعنى بحال من الأحوال، أنه حالة ثابتة وظاهرة مطلقة وقدرٌ مبرم، غير خاضع لتغيّر الظروف التاريخية والاجتماعية التى تشهدها المجتمعات البشرية، وإنما المؤكد هو أن حدَّته تتفاوت حسب المرحلة التى قطعها كل مجتمع بشرى فى طريقه نحو إحداث القطيعة مع الممارسات القمعية، فى تطوّره نحو تحقيق التقدم والمساواة والرفاهية لكل نسائه ورجاله وأطفاله، وكذا لكل فئاته العمرية وطبقاته وشرائحه الاجتماعية. نحو رؤية إنسانية كونية إن التعقيدات الإجتماعية والانتربولوجيّة تضعنا أمام تحدّى يُملى علينا أن نفكرّ بشكل مغاير للمعهود، إن فكرة وجود "مجتمعٍ عادل " قائم على أيديولوجيا "العولمة " قد انهار تحت وطأة التعقيدات ولم يقدِّم لنا أكثر من نظرية "نهاية التاريخ"، والأحداث تجرى اليوم بتسارع دموي، وكأن المستقبل معدوم، كما أنه لم يَعد ثمة حاضر، والصراعات بين الفرد والفرد، والفرد والمجتمع، تتعمق بإيقاع مخيف. فلنهدأ ونخرج من حلبة العنف ودوامته، لنغادر الواقع الى واقع آخر نبنيه وعيًّا وحسًّا، ونطوى الزمان والمكان، فلنتجاوز الأفكار والمعتقدات ، ولنعمل على تأسيس واقع ينبنى على معرفة الكون الخارجى الذى يتناغم مع المعرفة الداخلية للكائن الإنسانى فكيف لنا كبشر أن نحلم بمجتمع راقى متناغم ونحن نعمل على إفناء الكائن الداخلى الروحى الكامن فينا؟؟؟ إنّ اختلال التوازن المتعاظم، بين الروح و المادة بوصفها "مردودًا" تُعرِّض البشرية للتهلكة، فالتعامل مع الانسان المختزل بالواقع المادى المنبنى على المصلحة المادية وربط قيمة الانسان بمردوده وبالانتاج المادّى فقط سيؤدِّى لا محالة إلا انهيار المجتمعات ، لأن الرُّوح بُعد أساسيّ من أبعاد تركيبة الإنسان. فلنحترم الكون، ونحترم الطبيعة، ونحترم الكائنات، ونحترم ذواتنا بكلّ أبعادها، ولنحترم حريَّة أرواحنا، ولنغادر مستوى الواقع الدموى المحموم ، إلى أفق مُشرقٍ، يرتكزُ على الوعى المنبنى على التَّطوّر المتكامل للفرد روحًا ونفسًا وجسدًا وقلبًا، والرقى بالفردى والمجتمعي، وفتح أفق غير محدود للمحبة والتسامح. إننا ككائنات إنسانيّة مخيرون اليوم وأكثر من أيّ يومٍ مضى، بين أن نتطوَّر على المستويات كافّة، أو أن نتلاشى ونختفى فى أتون الصرعات والحروب، وهذا التطوّر الذى تقف الانسانية اليوم على حافته أشبه ما يكون بمخاض الولادة، ويرتبط بالدرجة الأولى بالعلم والوعى والثقافة وعلاقة الانسان بالانسان وعلاقة هذا الأخير بالكائنات. وأن تكون كائنًا كونيًّا، فهذا يعنى أنك منبثق عن حضرة التكوين، فى هذه الحالة أنت تتساوى مع كل كائنات الكون أمام المكوُّن، وعندما نحترم كينونة الكائنات الأخرى، سنتناغم تلقائيًّا مع ما يدور حولنا، فنحب الكائنات ونتوحد معها ونتجاوزها، لأن عملية التجاوز هى أساس الحرية والانعتاق. عندها سنجدُ أنَّ ما من شيئٍ وُجِدَ فى الوجود والكون إلا تجلٍّ وجوديٍّ ومظهرٍ من مظاهرالتكوين، وأنَّ مامن شيئٍ إلا ويتغيَّر ويتطوّر فى سيرورة مستمرة ونظام بديع، وتغدو كلَّ المتناقضات والمتضادَّاتِ مكمّلات لبعضها البعض بحسب مستويات الواقع التى تنتمى إليها، عندها سنعى أنّه لا يوجد تطابق تامّ بين الأشياء بل كلّ كائن حالة قائمة والحقائق متعددة بعدد الكائنات وهى تجليَّات لمظاهر قدرة الخالق، لعلَّ هذه الرؤيا تفضى إلى عصرٍ جديد للانسانية، قوامها روح التواضع، ومشاعر الامتنان للمكوّن، والودّ والاحترام لكائناته ومخلوقاته، فتصبح عملية اعتداء الكائن الانسانى على الكائنات الأخرى أمرًا متعذّرًا فى إطار منظومة كونية لا متناهية.
نشرت فى 28 مايو 2007
بواسطة shahd2006
عدد زيارات الموقع
245,714


ساحة النقاش