مؤتمر مركز زايد للتراث والتاريخ

( الإمارات والخليج العربي في النصف الأول من القرن العشرين )

بحــث

صورة جزيرة العرب في الدوريات العربية

في النصف الأول من القرن العشرين

( مجلة الهلال نموذجاً )

د.سيد علي إسماعيل

مقدمة

 

من المُسلم به أن معظم الكتابات التي كُتبت عن منطقة جزيرة العرب ودول الخليج العربي، اعتمدت في مصادرها ومراجعها على الوثائق الأجنبية، من خلال تقاريرها ومراسلاتها، بالإضافة إلى أقوال الرحالة الأجانب. ورغم أهمية هذه المصادر الوثائقية، إلا أن هناك مصادر عربية لم يلتفت إلى أهميتها بعض الباحثين. فعلى سبيل المثال هناك مجموعة لا بأس بها من الدوريات العربية، التي كانت تتحدث عن شتى الأمور في منطقة الخليج العربي. وسنأخذ مجلة الهلال المصرية نموذجاً لهذه الدوريات، باعتبارها من أقدم المجلات العربية، حيث صدر العدد الأول منها عام 1892، ومازالت تصدر حتى الآن. وقد أصدرها في باديء الأمر جرجي زيدان (1861-1914)، كمجلة تاريخية علمية أدبية.

 

الحياة الأدبية

أولاً : الشعر النبطي

يُعتبر الشعر النبطي عماد الحياة الأدبية لدول الخليج العربي، حيث إن الشعر النبطي هو الشعر العامي أو الشعر الشعبي لشعراء دول الخليج بصفة عامة. ويقال إن الشعر النبطي أقدم من الفصيح وهو الذي توارثته العرب من عصر الأنباط. وذكر الباحثون أنماطاً لغوية متعددة أطلقوا عليها لهجات أحياناً، ولغات أحياناً أخرى، تمثلت في نطق بعض الحروف والكلمات. والسبب الرئيسي في احتفاظها بحيويتها وثباتها رغم مرور قرون عديدة، يكمن في أصالة اللغة أو اللهجة أولاً، ومن ثم في ارتباطها بحياة الشعب الذي وجد فيها المعبر عن مناحي حياته المختلفة. وهذه الأصالة تؤكد كما تؤكد الأحداث التاريخية المكتوبة والمروية، أن القبائل العربية قد حافظت على وجودها واستقرارها. وظلت القبائل العربية محافظة على تراثها بل ومتشبثة بعاداتها وتقاليدها الإيجابية منها كالكرم والفخر وإجارة المستجير والفروسية، وسجلت كل ذلك في أشعارها النبطية ([i]).

ورأي آخر يقول إن الشعر النبطي هو شعر عمودي يشبه الشعر العربي التقليدي، من حيث أوزانه وقوافيه وشكله ولا يختلف عنه إلا في كون الشعر النبطي يُقال باللهجة العامية البدوية. أي إنه متفرع من الشعر العربي التقليدي الفصيح، ولم يفصله عنه في الأساس سوى انحراف اللغة وفساد الألسنة. وسُمي هذا الشعر بالنبطي لأن كلمة (نبطي) في العهد الذي نشأ فيه هذا الشعر، كانت تعني عجمة اللسان وعدم الفصاحة، سواء أكان الموصوف بها عربياً أم غير عربي. ولذا فقد سُمي الشعر الذي خرج عن أصول الفصحى باسم الشعر النبطي. وهي تسمية منسوبة إلى قوم اسمهم النبط من غير العرب كانوا يسكنون سواد العراق، وامتد وجودهم جنوباً حتى وصل البحرين، أي أنهم كانوا مصاقبين للبادية العربية، وكانوا رمزاً لفساد اللسان والعجمة ([ii]).

وقد اهتمت مجلة الهلال بهذا اللون الشعبي من الشعر، فنشرت عام 1915 أول قصيدة - من وجهة نظر البحث - من الشعر النبطي أو الشعر الشعبي. وتُعتبر هذه القصيدة - من وجهة نظر البحث - أول قصيدة نبطية خليجية تنشر في مجلة عربية حتى هذا التاريخ. والقصيدة المنشورة عبارة عن رثاء للشيخ عايض زعيم آل طالب، الذي قتله بنو كندة، وتقول أبياتها([iii]):

بديت بك يالذي بالسرّ علاَّمــــــــــــــــــــــــــــــة               يالمنفرد بالبقا يالواحد المعبــــــــــــــــــــــــــــــــود

لولاك ما بات برقه في تبسامـــــــــــــــــــــــــــــــه                وبات رعده يرعّد والخليق رقــــــــــــــــــــــــود

قال العُطيوي حرام الليل مَا نَامـــــــــــــــــــــــــه               من يوم جاني خبر بن طالب المعـــــــــــــــدود

عمره قصر ذي حضر في كل مرجامــــــــــــه               عَهْوين يا مرويَ النمشة ودلق العـــــــــــــــــــود

جبل رفد له جبل من فوق هدّامـــــــــــــــــــه               وتعاطبوا بالجنابي والرصاص الســـــــــــــــــود

ما ذُمّ أحد مِنّهم بالفعل قسّامــــــــــــــــــــــــــــه               قوم آل طالب وبن كندة رجال فهــــــــــــــــــود

قد ظل بارودهم بالجو قتَّامـــــــــــــــــــــــــــــــــه                ظل المصيّح يصيح والجبال تنـــــــــــــــــــــــــــود

قلت إيش دا غير ما هي قامت قيامـــــــــــه               الأرض ترقل من القبلة يلمّا هــــــــــــــــــــــــــود

قالوا زميم القبيلة خلصت أيامـــــــــــــــــــــــــه               جزعت سنينه تقاضي عمره المحـــــــــــــدود

من يعرف الجيد عايض يا تندّامـــــــــــــــــــــــه               يحن قلبه حنين الحاشي المغـــــــــــــــــــــــــــرود

مير السخا مثل حاتم طي بإكرامـــــــــــــــــــــه               للضيف ذي يظهر الظاهر وذي مفقـــــــــــــود

يالمعتني شيل خطي وعطّ خرَّمــــــــــــــــــــــــه               لمنزل أهل الرياسة والكرم والجـــــــــــــــــــــــود

عاظهر مهري مندَّب ما أطول سنامـــــــــــــه               في الشعب يأخذ مدى قهوة وهو مشــــدود

وأنشد سلامي على ذي صبحته شامـــــــه              في وجنة العرب ملجا الخايف المجهـــــــــــــود

المنع يعكف على الناموس عالهامــــــــــــــــــه               عبيد صالح يطرّق غيله المربــــــــــــــــــــــــــــود

شيخ آل طالب زميم قوام عزَّامـــــــــــــــــــــــه               ذي نَفّق أرواحهم في كيره الموقــــــــــــــــــــــــود

ونسل عايض نمر يُفزِع تِهرّامــــــــــــــــــــــــــــــــه                ذي هو يقود القُبُل ما هو بحد مقيـــــــــــــــود

عظم لهم الأجر في ذي قد عبر زامـــــــــــــه               والمصفة لا يخلو بابها مقلـــــــــــــــــــــــــــــــــود

منصور يحزن ويحزِّن كل جهدامــــــــــــــــــــه                ويحزِّن الغلب ذي دون السما محــــــــــــدود

وألف صلاتي على أحمد وألف سلامـــــه               على شفيع الورى في يومه الموعـــــــــود ([iv])

كما اهتمت المجلة بعد ذلك بالشعر النبطي الخليجي اهتماماً ملحوظاً، فأوردت قصائد عديدة منه، مثل قصيدة الأمير ضاري بن فهيد بن عبيد الرشيد، أحد شعراء الخليج عام 1916، ومطلعها ([v]):

دنياك هذي تقلْ لولاب دالـــــــــــــــــــــوبْ         تفني عمار الناس بالإقتـــــــــــــــــــــــــــلابِ

نوبٍ تزين وجادث الدهر مرهــــــــــــوبْ         وطبْعت على التفريق بين الحبــــــــــــــابِ

قد فرَّقت ما بين يوسف ويعقــــــــــــوبْ          وإلاّ فإنا وجدي على قد ما بــــــــــــــي

لي صاحبٍ شخصهْ عن العين محجوبْ        ولا ساعةٍ عن عين قلبي يغــــــــــــــــــــابِ

كذلك أوردت المجلة عدة أبيات للشاعر الخليجي بديوي الوقداني البكري العتيبي، منها:

أيامنا والليالي كم نعاتبهــــــــــــــــــــــــــا             شابت وشبنا وعفنا بعض الأحوال

توعد مواعيد والعاقل يكذبهــــــــــــا             واللي عرف حدّها عن همها سالي

لو أقبلت يوم ما تصفي مشاربهـــــــا             واليوم الأول تراه أحسن من التــــالي

جربت الأيام ومثلي من يجربهــــــــــا             تجريب عاقل وذقت المرّ والحـــــالي

أيام في غلبها وأيام نغلبهــــــــــــــــــــــــا              وأيام فيها سوا والدهر ميّــــــــــــــال

والأرض لله نسعى في مناكبهـــــــــــا              والله قّدر لنا رزق وآجــــــــــــــــــال

دارٍ بدارٍ وجيران نقاربهــــــــــــــــــــا              وأرضٍ بأرضٍ وأطلالٍ بأطــــــــــلال

بعد ذلك ذكرت المجلة قصيدة طويلة للإمام تركي بن السعود يتفجع فيها لبعد ابنه مشاري ووقوعه في الأسر، يقول في مطلعها:

طار الكرى عن مقلتي النوم فــــــــــــرّا           وفزيت من نومي طرا لي طـــــــــواري

خطٍ لفاني زاد قلبي بحـــــــــــــــــــــــــرّا            من مس ضيم للبني والــــــــــــــذراري

سر يا قلم وأكتب على ما تــــــــورِّي            بأزكى سلامي لابن عمي مشـــــاري

شيخٍ على طرق المراجل مطـــــــــــرّا            من لابةٍ يوم الملاقي ضــــــــــــــــــواري

ياما سهر من حولكم ما تــــــــــذرّى             واليوم دنيا ضاع فيها افتكـــــــــاري

أشكي لمن يبكي له الحور طــــــــراً             طلاب هامات العدى وما يداري

وكان لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين رأي في هذا الشعر - أو كما أسماه الأدب العربي الشعبي – ذكره في مجلة الهلال قائلاً: "وهذا الأدب العربي الشعبي يرويه في البادية جماعة من الرواة يتوارثونه عن آبائهم ويورثونه لأبنائهم ويكسبون بروايته حياتهم المادية ومكانتهم الممتازة أحياناً. ولسوء الحظ لا يُعنى العلماء في الشرق العربي بهذا الأدب الشعبي عناية ما، لأن لغته بعيدة عن لغة القرآن. وأدباء المسلمين لم يستطيعوا بعد أن ينظروا إلى الأدب على أنه غاية تُطلب لنفسها، وإنما الأدب عندهم وسيلة إلى الدين" ([vi]).

ولم تكتفِ المجلة بنشر الشعر النبطي الخليجي، بل جاءت بقصائد خليجية فصيحة أيضاً، من أهمها، قصيدتان للشاعر العماني سعيد بن مسلم، قالهما في مناسبة سفر وعودة السلطان تيمور بن فيصل سلطان مسقط وعمان عام 1921، أثناء سياحته في الهند ([vii]). ومن أبيات القصيدة الأولى، وهي بعنوان (ألم الفراق):

سيجمعنا بعد التفريق مجمـــــــــــــــع              تظل به ورق البشائر تسجـــــــــــــــعُ

عشية يوم الوصل ظلت قلوبنـــــــــــا             من البشر والآماق بالدمع تهمـــــــــع

فيا ليلة النعماء بالله أسرعــــــــــــي             فإن يد النعماء للبؤس تقمــــــــــــــــع

ويا ليلة الوجه البشوش ألا أسفري            فإنا بك الدهر العبوس سندفـــــــع

ورحماك من دهرٍ فهل أنت سامع               تلم لنا شملاً شتيتاً وتجمــــــــــــــــع

فإنك لم تبرح ملماً مشتـتــــــــــــــــــاً                وتعطي على طول الليالي وتمنـــــع

فبادر بجمع لا رعى الله يومنــــــــا               غداة افترقنا والبوابير تســــــــــرع

تجد بنا شرقاً وغرباً كأنهـــــــــــــا                سحائب من كل الجوانب تهطــــع

ومن أبيات القصيدة الثانية، وهي بعنوان (فرح اللقاء):

تِه دلالاً أيّهذا المربــــــــــــــــــــــع إنك اليوم المقام الأرفـــــــــــــــــعُ

رجع المجد فطوبى لك مـــــــــن         تختِ مُلكٍ طاب فيك المرجعُ

سجع الدهر وغنى بالهنـــــــــا         فترى الأكوان طُراً تسجـــــــــعُ

أسمعتنا فطفقنا طربـــــــــــــــــاً نحسن الرقص وطوراً نسمــعُ

جمع الشمل فطبنا فرحــــــــــاً ويطيب الشمل مهما يجمـــــع

طلع السعد علينا فكبـــــــــــا كل نحسٍ كان قبلاً يطلــــــــــع

يا ليوم سطع البدر بـــــــــــــــه كان قِدماً في دجاها يسطع

هطع البشر علينا سرمـــداً           فغدونا للتهاني نهطـــــــــــــــع

ثانياً : الكتب المنشورة

بدأت مجلة الهلال اهتمامها بالكتب المنشورة – أو التي ستنشر – عن دول الخليج والجزيرة العربية منذ عام 1924. وهذه الكتب انقسمت إلى قسمين، الأول الكتب العربية، والآخر الكتب الأجنبية المترجمة أو غير المترجمة. ومن أهم كُتب القسم الأول كتابات أمين الريحاني، وبالأخص كتابه (ملوك العرب). فهذا الكتاب قبل صدوره اهتمت به المجلة اهتماماً كبيراً، ونشرت أجزاءً منه عام 1924. وفي الأجزاء المنشورة تعرف قاريء المجلة على الأوصاف والخصال العربية الحميدة لسلطان نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود، الذي جسَّد عملياً مقولة (العدل أساس الملك)، حيث إن حُكم ابن سعود لا يعرف في سبيل العدل كبيراً أو غنياً. وخير دليل على ذلك أن جاءه شاكي يشكو ولداً ضربه وشتمه. فأحضر الأمير جميع أولاد الحي، فتعرف الشاكي على أحدهم، وكان ابن الأمير. فتردد الشاكي وحاول الاعتذار عن شكايته، فقام الأمير بعقاب ابنه بالضرب أمام الجميع قائلاً: "إذا كنا لا نبدأ بأنفسنا فكيف نعدل بغيرنا". وهذه الخصال تعددت بعد ذلك في شخصيات كثيرة ذكرها أمين الريحاني في كتابه، ومن أهمها: الملك حسين بن علي، والإمام يحيى بن حميد الدين، والسيد الإدريسي وغيرهم ([viii]).

ومن كتب أمين الريحاني أيضاً، كتاب (نجد الحديث وملحقاته)، وقد وصفته المجلة ونشرت أجزاءً منه قبل أن يُطبع. ومن هذه الأجزاء نعلم أن الكتاب يتحدث عن ثلاثة موضوعات: نواحي نجد، ومحمد عبد الوهاب والوهابية، وآل سعود منذ نشأتهم إلى حين استيلاء محمد بن الرشيد على نجد. كما نتعرف أيضاً على نبذ مهمة عن بعض الأمراء، ومنهم: الشيخ مبارك الصباح أمير الكويت الذي تولى إمارتها من عام 1895 إلى عام 1915. والأمير محمد بن الرشيد أمير نجد، وتولى إمارتها من عام 1871 إلى عام 1897. والأمير عبد العزيز بن متعب بن الرشيد الذي تولى الإمارة من عام 1897 إلى عام 1906. والشيخ قاسم بن ثاني أمير قطر ([ix]).

وآخر كتاب لأمين الريحاني تحدثت عنه المجلة، كان كتاب (حول ساحل العربية)، وقد صدر باللغة الإنجليزية في لندن. والكتاب ينقسم إلى خمسة أقسام، الأول مع الملك حسين في الحجاز، والثاني مع الإدريسي في عسير، والثالث آل صباح شيوخ الكويت، والرابع آل خليفة شيوخ البحرين، والأخير عدن والحمايات ([x]). وأخيراً أشارت المجلة إلى مجموعة من كتب أمين الريحاني العربية، منها: ملوك العرب، ونجد الحديث وملحقاته، وابن سعود: شعبه وبلاده ([xi]).

ومن الكتب الأخرى - خلافاً لكتب أمين الريحاني - التي تحدثت عنها مجلة الهلال، كتاب (ميثاق الوحدة لجزيرة العرب) لجمال الغزي، وهو كتاب يبحث في الوسائل التي تؤدي إلى اتحاد عرب الجزيرة، بعد شرح العلل التي انتهت بتقاطعهم، وتسلط الأجنبي عليهم وعرض تاريخهم الماضي للاستدلال به على الحاضر. وكتاب (أدب الحجاز) لمحمد سرور الصبان، الذي جمع أدب النشء في الحجاز ورتبه، مع كتابته لتراجم عديدة لأدباء الحجاز مع مختارات من إنشائهم في النثر والنظم. وكتاب (صور المفاوضات بين سلطان نجد وجمعية خدام الحرمين)، وهو كتاب توثيقي يحتوي على وثائق مفاوضات، وفد جمعية خدام الحرمين الشريفين الهندية مع سلطان نجد، بشأن الحرمين والمحافظة عليهما، والتحقيق في شأن ما ارتكبه النجديون من القسوة في معاملة الحجازيين. وكتاب (في قلب نجد والحجاز) وهو وصف لرحلة الأديب محمد شفيق مصطفى، الذي قام بها من مصر إلى نجد والحجاز، ووصف أحوال النجديين وعاداتهم الغريبة، وذلك في جملة رسائل كان يبعث بها إلى إحدى الصحف ([xii]).

ومن الكتب العربية التي اهتمت بدول الخليج والجزيرة العربية، وتحدثت عنها مجلة الهلال: كتاب (رحلة الحجاز) لإبراهيم عبد القادر المازني. وهو وصف طريف لرحلة المازني إلى الحجاز حين دُعي مع وفد من المصريين، لحضور حفل عيد جلوس الملك ابن سعود. وكتاب (ماضي الحجاز وحاضره) لحسين بن محمد نصيف، وهو كتاب يتحدث عن الحسين بن علي ملك الحجاز منذ توليه الحكم حتى سقوطه. وكتاب (قلب جزيرة العرب) لفؤاد بك حمزة، وهو كتاب يتحدث عن الأحوال الطبيعية والعمرانية لهذه البلاد، مع معلومات كثيرة عن قبائلها ولغاتها وعاداتها وأنسابها وأشعارها. وكتاب (على طريق الهند) لجميل عبد الوهاب المحامي، وهو كتاب سياسي جغرافي يتحدث في قسم منه عن أهمية إمارات الخليج المتصالح وتاريخها وعلاقتها ببريطانيا. وكتاب (جزيرة العرب في القرن العشرين) للشيخ حافظ وهبة، وهو كتاب يهتم في أحد أقسامه بالحديث عن الكويت والبحرين من حيث موقعهما ومناخهما وسكانهما وطبيعة أرضهما وأشهر مدنهما وحاصلاتهما. وكتاب (وحي الصحراء) لمحمد سعيد عبد المقصود وعبد الله عمر بالخير، وهو كتاب به قصائد وفصول من الأدب الحديث في بلاد الحجاز. وكتاب (ثلاثون يوماً في بلاد ابن سعود) لمحمد حمدي، وهو كتاب عن رحلة حج لأحد الصحافيين، بما فيها من وصف ومشاهد متنوعة ([xiii]).

أما الكتب المؤلفة باللغات الأجنبية حول دول الخليج والجزيرة العربية، فقد تحدثت مجلة الهلال عن بعضها، ومنها: كتاب (لورانس والثورة العربية)، وهو كتاب يتحدث عن أسطورة الضابط الإنجليزي لورانس، الذي لُقب بـ (لورانس العرب) ودوره في الثورة العربية. وقد أشارت المجلة إلى بعض محتويات هذا الكتاب، رغم أن لورانس ألفه وطبعه في مطبعة اليد في ست نسخ فقط، وأهدى نسخة واحدة فقط إلى مكتبة المتحف البريطاني، بشرط ألا يطلع عليها أحد إلا بعد أربعين سنة من تاريخ إهدائها. كذلك تحدثت المجلة عن كتاب (العرب) لبرترام توماس، وهو كتاب كان في الأصل مجموعة محاضرات ألقاها المؤلف في معهد لويل بمدينة بوستون عن العرب. وأخيراً نجد كتاب (نهضة العرب The Arab Awakening) لجورج أنطونيوس، وهو كتاب تاريخي يتحدث عن المسألة العربية في شبه الجزيرة العربية([xiv]).

 

الحياة الثقافية

أولاً : ثقافة أهل الخليج

    اتخذت مجلة الهلال تبويباً معيناً في تقسيم موضوعاتها، والتزمت به عقوداً طويلة. ومن أبوابها الثابتة - منذ نشأتها حتى ما بعد منتصف القرن العشرين – باب السؤال والاقتراح. وهو باب مُخصص للقراء، بحيث يرسل القاريء سؤالاً أو اقتراحاً محدداً، ويقوم جرجي زيدان – أو القائم بأمر المجلة وقت نشر السؤال أو الاقتراح – بالإجابة على السؤال أو بتفنيد الاقتراح ومن ثم تنفيذه في حدود الإمكان. وكانت الأسئلة تتوالى على المجلة من القراء في الأقطار العربية، وأيضاً من القراء العرب المقيمين في الدول الغربية والأمريكية. وإذا نظرنا إلى الأسئلة الوافدة على المجلة من قراء دول الخليج والجزيرة العربية، سنجدها أسئلة متنوعة تعكس ثقافة خليجية متقدمة في هذا الوقت، علماً بأن الأسئلة الخليجية بدأت تتوافد على المجلة منذ عام 1913، وكانت تتوافد من الكويت والبحرين وعمان وإمارات الخليج المتصالح ، والجزيرة العربية.

ومثال على ذلك نجد سليمان العدساني من الكويت يسأل سؤالاً عام 1913، يقول فيه: هل كلمة جريدة عربية الأصل أم هي معربة، فإن كانت عربية ما هو معناها اللغوي وكيف استعملت لما استعملت له اليوم، ومن هو أول من استعملها لذلك، وإن كانت أجنبية فمتى عربت؟ وتجيب المجلة فتبين معنى الكلمة وأصلها العربي الذي جاء من سعف النخيل، وأن أول من استعملها بمعنى الصحيفة كان أحمد فارس الشدياق، وأول من استعملها بمعنى المجلة كان الشيخ إبراهيم اليازجي. وفي عام 1931 سأل عبد الوهاب بن عيسى القطامي، من الكويت أيضاً، فقال: هل توجد كُتب عربية لتعليم فن الملاحة؟ وهل توجد خرائط مضبوطة باللغة العربية؟ وفي العام التالي سأل سؤالاً ثانياً، قال فيه: هل كان العرب الأقدمون يسترشدون في ملاحتهم بالأبراج والكواكب المعروفة الآن عند أهل الملاحة أم على الثمانية والعشرين نجماً من منازل القمر التي كانت معروفة عندهم؟ ([xv]) ورغم الإجابات المنشورة، إلا أن الأسئلة تعكس مدى اهتمام السائل بأمر الملاحة، وتشير إلى عمله واهتمامه، حيث إن أهل الكويت - وأهل الخليج بصفة عامة - في هذه الفترة كانوا يشتغلون بالصيد والغوص كما هو معروف. أي أن أهل الكويت - في ذلك الوقت - عندهم الرغبة في التعلم، لتطوير عملهم بجانب خبراتهم وتجاربهم.

أما إمارات الخليج المتصالح، فبدأ أهلها في طرح الأسئلة منذ عام 1927، ومثال على ذلك سؤال يعقوب الحاج عراك، قال فيه: لماذا يسمون أكبر مجلس نيابي في البلاد مجلس الشيوخ مع أن الشيخ هو الرجل المسن؟ وفي العام التالي سأل حميد العماري قائلاً: من الواضح أن الزمن الذي تشع فيه الشمس على جزء من الأرض يسمى نهاراً، والزمن الذي يستغرقه هذا الجزء في الظلام يسمى ليلاً، فكيف تقولون الشمس في منتصف الليل؟ وفي عام 1930 طرح عبد العزيز صالح القناعي سؤالاً قال فيه: من اخترع اللغة العربية وإلى كم من الزمن يرجع تاريخ اختراعها؟ ([xvi]) والملاحظ أن نوعية هذه الأسئلة تعكس مدى الثقافات المختلفة لأهل هذه المنطقة، كما تعكس مدى اهتماماتهم المختلفة.

    وبدأ أهل قطر والبحرين في طرح الأسئلة منذ عام 1928، ومنهم كان صالح بن سليمان المانع، عندما سأل: أيهما أنفع الماء البارد أم الساخن في غسل الجسم؟ وفي الشهر التالي سأل أيضاً قائلاً: نرى الصحف حافلة بأخبار الشيوعيين وخطرهم على العالم فما هي الشيوعية وماذا ينوي الشيوعيون أن يعملوه عند الأمم الأخرى؟ وفي الشهر التالي سأل رائد من البحرين قائلاً: انتشر عندنا الجدري انتشاراً لم يسبق له مثيل وسبق أن انتشر الطاعون في عدن وكذلك الكوليرا في العراق والبعض يظن أن هناك يداً تعمل لنشر هذه الأوبئة فما رأيكم؟ أما عائلة المانع، فكان أفرادها الأكثر أسئلة، دلالة على ثقافتهم وتوسعهم في المعارف المختلفة. فمنهم كان عبد العزيز المانع الذي سأل قائلاً: ما الفائدة من مطالعة الكتب الأدبية، وهل لها شروط يراعيها المطالع؟ ولم تقتصر الأسئلة من آل المانع على الرجال فقط، بل كانت تأتي أسئلة أيضاً من السيدات ومنهن (م) صالح عبد العزيز المانع - ورمز (م) هو أول حرف من اسمها - التي سألت قائلة: ما هو العلم وما الفرق بينه وبين الأدب. وما قيمة كل منهما. وهل يستطيع الأديب أن يأتي بشيء لا يستطيعه العالم؟ وبعد فترة سألت أيضاً قائلة: أشعر أحياناً بسرور لا أعرف مصدره وأشعر أحياناً أخرى بغم لا أعرف مصدره أيضاً، مع إني أجهد فكري في البحث عنه. فهل لهذا علاقة بالعقل الباطن؟ أما عبد العزيز بن محمد المانع فقد سأل قائلاً: ما هي أفضل الكتب في الإنشاء العربي؟ وآخر الأسئلة التي وردت سؤال طرحة أحد سكان المحرق قال فيه: ماذا تشيرون عليّ بقراءته من الكتب العربية لتتكون لديّ ملكة نقد الآثار الأدبية والآثار التصويرية؟ ([xvii]) وهذه الأسئلة تبين عن مدى التطور الفكري الذي كان ينمو في عقول أهل الخليج في ذلك الوقت، ومدى شغفهم بالثقافة والأدب، ومدى اهتمام العائلات بأبنائها ثقافياً وأدبياً، ولا سيما آل المانع كما لاحظنا.

أما الأسئلة التي جاءت من أهل مسقط فكانت متنوعة أيضاً، ومنها سؤال عام 1928 طرحته السيدة (م . ص) قالت فيه: ما هو الزار الذي يمارس في مصر وجزيرة العرب وغيرهما؟ أما أسئلة أهل مكة فكانت متقدمة بشكل علمي لافت للنظر في هذا الوقت. هذا إذا علمنا أن هذه الأسئلة طُرحت من عام 1928 إلى عام 1939، ومنها: ما هي أحسن الكتب في علم النفس وعلم العمران؟ وسؤال آخر يقول: هل تُرجم إلى العربية كتاب التربية لهربرت سبنسر؟ وسؤال ثالث يقول: كثيراً ما نقرأ عن الأوكسجين والهيدروجين والبروتايين والفيتامين والآشعة التي فوق البنفسجية أو وراء البنفسجية. ما هي هذه الأشياء وما قيمتها العلمية؟ وآخر سؤال طُرح كان: هل أستطيع أن أكون أديباً، مع إني لم أتخرج في جامعة ولا في مدرسة؟([xviii]).

 

ثانياً : دوريات الخليج

تُعتبر الدوريات - الصحف والمجلات - ذاكرة الأمم المتحضرة، ومن هذا المنطلق اهتمت مجلة الهلال بالحديث عن الدوريات التي صدرت في منطقة الخليج والجزيرة العربية منذ عام 1920، ومنها جريدة (الفلاح) ([xix]). وهي جريدة عربية جامعة تخدم العرب والعربية، كانت تصدر في مكة المكرمة مرتين في الأسبوع، وصاحبها ورئيس تحريرها عمر شاكر. وقيمة اشتراكها نصف جنيه إنجليزي سنوياً. وفي عام 1928 وجدنا مجلة الكويت يصدرها عبد العزيز الرشيد، لتغطي أخبار الخليج ولا سيما الكويت، وظلت هذه المجلة تصدر حتى عام 1930. وفي عام 1940 وجدنا ثلاث جرائد تصدر في الحجاز، وهي: أم القرى، والمدينة المنورة، وصوت الحجاز ([xx]). ولم تنس مجلة الهلال - باعتبارها أوسع المجلات انتشاراً في المنطقة العربية في ذلك الوقت - أن تشير دائماً إلى وكلائها في منطقة الخليج، منذ عام 1931، حيث أشارت أن وكيلها في إمارات الخليج المتصالح وفي مكة وجدة والحجاز هو هاشم علي النحاس، أما وكيلها في البحرين فكان السيد هاشم علي، وهو أيضاً صاحب المكتبة الكمالية بالبحرين. وفي عام 1947 أصبح وكيلها في البحرين وإمارات الخليج المتصالح مؤيد أحمد المؤيد، صاحب مكتبة المؤيد بالبحرين ([xxi]).

وفي عام 1950 افتخرت مجلة الهلال بكلمة كتبها في حقها الأمير فيصل، قال فيها: "إن إعجابي بمجلة الهلال إعجاب لا ينقضي، فهي لا تكاد تنتهي من إهداء كل طريف جديد لقرائها حتى تقدم طريفاً جديداً .. نلمسه في كل باب من أبوابها الشائقة، وفي كل موضوع من هذه الموضوعات التي أجادت دار الهلال عرضها بأجمل الأساليب. وإنني لأتمنى أن لا يقف التطور التقدمي للهلال الأغر عند حد، وأن يكون النصيب الأوفر من المواضيع لخدمة المجتمع العربي. وإذا كان الهدف هو الكمال، والكمال لله .. فإن السعي في سبيل الكمال هو غاية الجهد البشري العظيم" ([xxii]).

 

الحياة الاجتماعية

أما الحياة الاجتماعية لدول الخليج والجزيرة العربية، فكان لها نصيب من اهتمام المجلة، حيث تعرضت في فبراير 1922 إلى الحديث عن المقاهي العربية من خلال مقالة بعنوان (مشارب القهوة هنا وهناك)، وقال كاتبها توفيق حبيب إن المقاهي نشأت في أول الأمر في مكة المكرمة، بعد انتشار الإسلام، حيث إن المساجد لا تصلح للمساجلة والسمر. ومن ثم انتشرت المقاهي في بقية البلاد العربية. وبعد أربعة أشهر ردّ على هذه المقالة صالح سليمان المانع من قطر والبحرين شرح فيها - وبإسهاب - اهتمام أهل قطر والبحرين بالقهوة العربية، مُفرقاً بين القوة في الغرب وبينها عند أهل الخليج. فوصف القهوة العربية بأنها قهوة بدون سكر يُضاف إليها البهار مثل الزعفران والقرنفل لتكسبها رائحة طيبة. كما أوضح أن دول الخليج ليس بها قهوات عامة يجتمع فيها الناس، لأن هذا مظهر غير مستحب وغير ملائم للعادات الخليجية. ولكنهم في المقابل يشربون القهوة في منازلهم ويجتمعون مع أصدقائهم في غرف خاصة بالقرب من الباب الخارجي، يُطلق عليها المجلس أو الديوانية. ثم راح يسهب في وصف هذه المجالس والديوانيات وأدوات القهوة، ومنها الدلة والمحماس والنجر والمبخر([xxiii]).

كما تعرضت المجلة في يناير 1932 إلى موضوع (والد يقتص من ولده)، وهي قصة واقعية اجتماعية عن عدل البادية في دول الخليج والجزيرة العربية، أبطالها حمود بن سويط شيخ عشيرة الظفير، ورزق البحلاوي شيخ عشيرة بحلا الشمرية ([xxiv]). وفي نوفمبر 1934 نشرت المجلة مقالة بعنوان (نساء الشرق العربي بين النهضة والخمول)، وفيها حديث عن المرأة في الحجاز ونجد وتهامة والبحرين واليمن، وما جاء فيه: أن المرأة في هذه البلاد تتلقى الدين وبعض المعلومات الأولية حتى إذا بلغت سن التاسعة حجبت في المنزل. وقد ألفت النساء في هذه البلاد المنزل على نحو ما كانت عليه جداتهن. ومن الأشياء التي تلفت النظر في هذه البلاد أن كثيراً من نسائها يحفظن القرآن الكريم. وقد اكتسبن منه عادات فاضلة وآداباً عالية، وتخلقن بأخلاقه الكريمة ([xxv]).

 

الحياة السياسية

نشرت مجلة الهلال مجموعة من المقالات في عامي 1916 و1917 عن تفاصيل الحياة السياسية في دول الخليج العربي والجزيرة العربية. ومن موضوعات هذه المقالات على سبيل المثال، موضوع استقلال مكة عن الحكم التركي وإعلان الشريف حسين ملكاً على الحجاز، حيث نقلت المجلة أن شريف مكة - تؤيده القبائل العربية - أعلن استقلاله عن الحكم التركي الذي تأخرت البلاد بسوء إدارته ووقوفه عن الإصلاح، حيث احتلت قواته مكة وجدة والطائف([xxvi]).

ولأهمية هذا الموضوع، نشرت المجلة مقالة مطولة - بعد عدة أشهر - عن إقليم الحجاز، من خلال أهمية جغرافيته، وحضر الحجاز ومدنه خصوصاً مكة وجدة والطائف والمدينة وينبع البحر. كما أفردت المجلة عدة صفحات بينت فيها أخلاق العرب وصفاتهم، ثم تطرقت إلى تاريخ الحجاز وحوادث استقلاله من الجاهلية حتى الآن، مروراً باستقلال الحجاز عن اليمن، وتاريخ الحجاز قبل الإسلام، وتاريخه في عهد دولة الأشراف الحالية. واختتمت المجلة مقالتها بالحديث عن الشريف حسين وعراقة أسرته واستقلاله ([xxvii]). وقد ثار جدل حول إحدى نقاط هذه المقالة التاريخية، حيث أرسل أحد القراء تصحيحاً تاريخياً، أوردته المجلة بعد أن أرجعت الخطأ إلى إسقاط جملة أثناء الجميع ([xxviii]).

وواصلت المجلة اهتمامها بهذا الموضوع لأكثر من عام، حيث نشرت اعتراف كل من إنجلترا وفرنسا بشريف مكاً ملكاً على الحجاز. كما سجلت أن يوم التاسع من شعبان هو عيد وطني عام لاستقلال الحجاز. كما تقرر أن تكون راية الدولة الهاشمية مؤلفة من الألوان الثلاثة المتوازية الأسود فالأخضر فالأبيض مجتمعين في اللون الأحمر. والأسود لأنه رمز راية (العقاب) وهي راية النبي صلى الله عليه وسلم، والأخضر لأنه الشعار الذي اشتهر عن أهل البيت، والأبيض لأنه شعار العرب في دور من أدوارهم. وأما اللون الأحمر الذي شمل هذه الرموز التاريخية الثلاثة بشكل مثلث، فهو لون راية الأسرة المالكة الكريمة من عهد جدها الشريف أبي تميم ([xxix]).

المصدر: بحث قُدم في مؤتمر (الإمارات والخليج العربي في النصف الأول من القرن العشرين)، الذي أقامه مركز زايد للتراث والتاريخ بدولة الإمارات في الفترة 3-4/5/2006.
sayed-esmail

مع تحياتي ... أ.د/ سيد علي إسماعيل

  • Currently 149/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
45 تصويتات / 2949 مشاهدة
نشرت فى 7 إبريل 2010 بواسطة sayed-esmail

ساحة النقاش

أ.د سيد علي إسماعيل

sayed-esmail
أستاذ المسرح العربي بقسم اللغة العربية - كلية الآداب جامعة حلوان »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

557,741