<!-- / icon and title --><!-- message -->
إليزابث وحاشيتها
وجدت الملكة في تودد هذه الزمرة من رجال عصرها النشيطين المكتملين رجولة وقوة إليها وملاطفتهم إياها- نقول وجدت ارتياحاً ورضا أكثر مما هو في مضاجعة شاب مريض بالزهري مثلاً. وان المغازلة لتبقى ما لم يقض عليها الزواج، ومن ثم تلذذت إليزابث بالزلفى والملق والتودد طوال الوقت واستطابت ذلك كله في نهم لا يشبع. وجر اللوردات الخراب على أنفسهم في سبيل الاحتفاء بها وتسليتها، وعبروا بالمواكب والمهرجانات ومظاهر الأبهة والمسرحيات التنكرية عن عظمة الملكة ومجدها، وأغرقها الشعراء بقصائدهم وإهداءاتهم، وداعب الموسيقيون أوتار آلاتهم شدوا بمديحها. ولقد تغنت قصيدة غزلية بعينيها على أنهما كرتان ملكيتان تأسران الناظر إليهما وتقهرانه، وصدرها على أنه "أكمة جميلة تكمن فيها الفضيلة والبراعة القدسية(وقال لها رالي إنها تحكي في مشيتها فينوس، وفي صيدها ديانا، وفي ركوبها الخيل الإسكندر، وفي غنائها ملاكاً، وفي لعبها أورفيوس وكادت إليزابث تصدق هذا. وكانت مزهوة، وكأن كل مزايا إنجلترا وفضائلها لم تكن إلا الثمار المباركة لأمومتها، وهذا حق إلى درجة ما. ولما كانت ترتاب في مفاتن جسمها، فقد لجأت إلى ارتداء أثمن الثياب التي تغيرها كل يوم تقريباً، حتى لقد تركت عند موتها ألفي ثوب. وقد تحلت بالمجوهرات في شعرها وذراعيها ومعصميها وأذنيها وأثوابها، وإذا ما استنكر أحد الأساقفة حبها للمجوهرات، بعثت إليه بمن ينذره بالا يطرق هذا الموضوع ثانية، وإلا لقي ربه قبل الأوان
وقد يكون سلوكها وعاداتها مفزعة. فقد صفعت رجال حاشيتها أو لاطفتهم وداعبتهم، بل حتى المبعوثين الأجانب. ولقد وخزت رقبة ددلي من الخلف حين انحنى ليتسلم براءة لقب ارل ، وبصقت أنى شاءت-وذات مرة على معطف ثمين. وكانت عادة أليفة يسهل الوصول إليها. ولكنها تحدثت بلسان ذرب، وربما غدت سليطة لا يمكن الرد عليها، وأقسمت كما يقسم القرصان (وكانت كذلك بالوكالة) وكان من أخف الأيمان التي تقسم بها "بحق وفاة الرب". وكان في مقدورها أن تكون قاسية، كما هو الحال في لعبة القط والفأر، التي لعبتها مع ماري ستيوارت، أو في ترك ليدي كاترين جراي تذبل وتهن حتى الموت في "برج لندن". ولكنها كانت أساساً عطوفة رحيمة، وخلطت بين رقتها وضربتها. وكثيراً ما ثارت وفقدت صوابها، ولكن سرعان ما استعادت ضبط النفس والسيطرة على الأعصاب. وكانت تنفجر ضاحكة إذا تسلت، وكثيراً ما حدث ذلك. واولعت بالرقص فرقصت على قدم واحدة حتى بلغت التاسعة والستين وكانت تثب وتغامر وتصطاد. كما أحبت المسرحيات والحفلات التنكرية، واحتفظت بروح معنوية عالية حتى حين هبطت مواردها.
وكانت غاية في الشجاعة والذكاء عند مواجهة الخطر. وكانت معتدلة في طعامها وشربها، شرهة في المال والمجوهرات، وكانت تجد لذة كبيرة في مصادرة ممتلكات العصاة الأثرياء، ودبرت أن تحصل على مجوهرات التاج في إسكتلندة وبرجندي والبرتغال وتقتنيها، بالإضافة إلى ذخيرة من الجواهر والأحجار الكريمة أهداها إليها اللوردات المرتقبون نفعاً أو المرشحون للمناصب، لوم تشتهر بعرفان الجميل ولا بسخاء، وحاولت بعض الأحيان أن تدفع أجور العاملين لديها كلمات حلوة بدلاً من النقود، وقد كان ثمة شيء من حب الوطن في تقتيرها وكبريائها على السواء. وعندما تولت العرش، لم تكد توجد أمة بلغت من الفقر حداً تنظر معه إلى إنجلترا بعين الإجلال والتقدير، أما عند مماتها كانت لإنجلترا السيادة على البحار. كما كانت تتحدى سيطرة إيطاليا وفرنسا في مجال الفكر والعقل. وأي نوع من العقل كان لهذه المرأة؟ لقد حصلت من التعليم على القدر الذي يمكن أن تحصل عليه ملكة دون عناء، وقد استمرت أثناء حكمها في دراسة اللغات. وتبادلت الرسائل بالفرنسية مع ماري ستيوارت، وتحدثت بالإيطالية مع أحد سفراء البندقية، ووبخت مبعوثاً بولنديا بلغة لاتينية قوية. وترجمت سالوست Sallust وبوثيوس Boethius، وألمت بقدر من اليونانية يكفي لقراءة سوفوكليس ولترجمة إحدى مسرحيات يوريبيدس. وزعمت أنها قرأت من الكتب عدد ما قرأ أي أمير في العالم المسيحي، والأرجح أن يكون الأمر كذلك. ودرست التاريخ كل يوم تقريباً، ونظمت الشعر وألفت الموسيقى، وعزفت، مع شيء من التسامح، على العود والعذراوية (آلة موسيقية تشبه البيان الصغير بدون قوائم)، ولكن كان عندها من الإدراك ما تسخر به من منجزاتها، وتميز به بين التعليم والذكاء. وإذا ما أطرى سفير معرفتها باللغات ردت عليه قائلة: "ليس غريباً أن تعلم امرأة أن تتكلم، بل الأصعب منه كثيراً أن تعلمها كيف تكف عن الكلام." وكان ذهنها حاداً قدر حدة كلامها وكان ذكاؤها يجاري الزمن ولا يتخلف عنه. وقال فرنسيس بيكون: "إنه كان من عادتها أن تقول عن توجيهاتها لكبار موظفيها إنها مثل الثياب، تكون محكمة محبوكة لأول مرة يلبسها الإنسان، ولكنها تصبح يوماً بعد يوم فضفاضة()" وكانت رسائلها وخطبها بلغة إنجليزية من إنشائها وحدها: معقدة ملتوية متكلفة، ولكنها زاخرة بالصيغ الغريبة، ساحرة في فصاحتها وأسلوبها.
وتحلت إليزابث بالذكاء أكثر منها بسداد الرأي. قال عنها ولسنهام: "أنها غير صالحة لمعالجة أي موضوع له وزنه. ولكنه ربما تحدث في مرارة التفاني الذي لم يلق جزاءه. لقد كمنت براعتها في الرقة الأنثوية ودقة الإدراك الحسي، لا في المنطق المرهف. وفي بعض الأحيان كشفت نتيجة هذا كله عن حكمة أكبر في تصرفاتها الماكرة منها في تعليلها لها، أنها روحها التي يتعذر تحديدها أو تعريفها هي التي يعتد بها، وهي التي حيرت أوربا وسحرت إنجلترا، وأمدت بلادها بالقوة والقدرة على الازدهار والنمو. وأعادت إليزابث بناء الإصلاح الديني من جديد، ولكنها مثلت عصر النهضة-التلهف على أن يحيا الإنسان هذه الحياة الدنيا إلى أبعد مدى، ينعم بها ويزينها كل يوم. ولم تكن نموذجاً للفضيلة، ولكن كانت مثالاً للحيوية والنشاط. إن سير جون هايوارد الذي كانت زجت به في السجن لتزويده اسكس الأصغر ببعض الأفكار الثورية، غفر لها ذلك فكتب عناه، بعد تسع سنوات من مكافأتها إياه (بالإفراج عنه)-كتب يقول:-
إذا كان ثمة إنسان أوتي من الموهبة أو الأسلوب ما يستطيع أن يكسب به قلوب الناس، فهو هذه الملكة. وإذا أظهرت شيئاً مثل هذا يوماً، فقد ظهر في أنها تجمع بين اللطف والجلال كما كانت تفعل، وفي تواضعها الموسوم بالفخامة حتى مع أقل الناس شأناً. وكانت كل قدراتها في حركة دائبة، وبدت وكأن كل حركة بمثابة عمل موجه أحس توجيه. فقد تكون عيناها عالقتين بشخص ما، على حين أرهفت أذنيها لآخر وأصدرت أمراً لشخص ثالث، ووجهت حديثها لرابع، وكأنما روحها تحوم في كل مكان، ومع ذلك تبدو منطوية على نفسها وكأنها غير موجودة في أي مكان آخر. وكانت ترثى لبعض الناس، وتطوي آخرين، وتقدم الشكر لغيرهم، وتداعب فريقاً آخر في سرور وسخرية، دون أن تزدري أحداً، أو تغفل واجباً، وكانت توزع ابتساماتها ونظراتها ولفتاتها بقدر من الدهاء والفطنة يضاعف معه الناس من مظاهر اغتباطها(. وتطبعت حاشيتها بطباعها-يحبون ما تحب، ويقوون من ميلها إلى الموسيقى والروايات والعبارات المشرقة، ويرقون به إلى نشوة القصيد والغزليات والتمثيليات وحفلات الرقص. والنثر الذي لم تشهد إنجلترا مثيلاً له فيما بعد. وفي قصورها-هويتهول، وندسور، جرينتش، رتشموند، هامبتون كورت، تنقل اللوردات والسيدات والفرسان والسفراء والمغنون والخدم والحشم بين ألوان عدة من المراسم الملكية والمرح الأنيق. وكان ثمة دائرة خاصة تعد ألوان التسلية ابتداء بالأحاجي والنرد إلى حلبات الرقص الصاخبة وروايات شكسبير، وأقيمت الاحتفالات بانتظام في عيد الصعود وعيد الميلاد وعيد رأس السنة والليلة الثانية عشرة، وكاندلماس (عيد العذراء)، وشروفتيد (عيد قبل الصوم الكبير)، وزخرت بألوان الملاهي والتسلية، والمباريات الرياضية، والمقارعة بالسيوف، والتمثيل التنكري والمسرحيات وحفلات الرقص. وكانت الحفلات التنكرية شيئاً من الأشياء التي استوردت من إيطاليا إلى إنجلترا في عهد إليزابث، وكانت خليطاً براقاً من المهرجانات والشعر، والموسيقى والقصص الرمزي والتهريج والباليه، ضمها بعضها إلى بعض الروائيون والفنانون، وكانت تقدم في البلاط أو في ضياع الأثرياء، بأجهزة ووسائل وحركات معقدة، تؤديها سيدات ورجال متنكرون يرتدون أغلى الثياب في تصميم بسيط، وكانت إليزابث مولعة بالتمثيليات، وبخاصة الهزلية منها. ومن يدري كم من روايات شكسبير كان يصل إلى المسرح أو إلى الأعقاب والأجيال القادمة، لو لم تقف الملكة وليستر إلى جانب المسرح وتدعمانه ضد كل الهجمات التي شنها عليه البيوريتانز. ولم تقنع إليزابث بقصورها الخمسة، فانطلقت كل صيف تقريباً في جولات تجوب البلاد، لترى الناس ويروها وتراقب اللوردات التابعين وتستمتع بما يبذلون لها من إجلال وتكريم كارهين. وكان يتبعها بعض رجال البلاط، فرحين بالتغيير، متذمرين لعدم توفر وسائل الراحة والبيرة. وارتدى أهالي المدن ثياباً من القطيفة والحرير ليرحبوا بها بالخطب والهدايا، وكم أفلس النبلاء في سبيل الاحتفاء بها، وابتهل اللوردات المعسرون إلى الله ألا تعرج عليهم. وامتطت الملكة في جولاتها صهوة جواد أو تنقلت في محفة مكشوفة، تحي في روح وسرور الجموع التي احتشدت على الطريق. وابتهج الناس لرؤية مليكتهم التي لا تقهر، وافتتنوا بتحياتها الكريمة وسعادتها التي إليهم فغمرتهم ودفعتهم إلى تجديد الولاء لها.
وانتهج الحاشية نهجها في مرحها وحريتها في السلوك، وترفعها في الثياب وولعها بالمراسيم، ومثلها الأعلى في الكياسة، فقد أحبت أن تسمع خشخشة المجوهرات ونافس الرجال المحيطون بها النساء في تشكيل ما يحصلون عليه من منتجات الشرق على طرز إيطالية. وكان السرور واللهو يشكلان البرنامج المعتاد ولكن على المرء أن يكون على أهبة الاستعداد في أية لحظة لأية مغامرات عسكرية فيما وراء البحار. وينبغي على من يقدم على إغواء الفتيات أن يكون على أشد الحذر، لأن إليزابث كانت تحس بأنها مسئولة أمام آباء وصيفات الشرف اللائى يعملن لديها عن شرفهن. ومن ثم أبعدت ارل بمبروك عن البلاط لأن ماري فتون حملت منه سفاحاً. وف بلاطها-مثل أي بلاط آخر، حيكت الدسائس مثل نسيج العنكبوت، وتنافس النساء على الرجال، وتنافس الرجال على النساء، دون وازع من ضمير أو خلق، وكل ذلك إرضاء للملكة وكسباً لعطفها، وللمنح التي تغدقها نتيجة لذلك. إن هؤلاء السادة الذين رفعوا، شعراً، من شأن نقاوة الحب والأخلاق، تلهفوا نثراً على المناصب التي تدر ريحاً بلا عمل، وقدموا الرشاوى أو أخذوها، وعضوا بالنواجذ على الاحتكارات، وشاركوا في أسلاب القرصنة، ونظرت الملكة الشرهة بعين التسامح إلى الرشوة التي تزيد من الأجر الضئيل الذي يحصل عليه خدمها. وبفضل هباتها أو بإذن منها أصبح ليستر أغنى لوردات إنجلترا، واستولى سير فيليب سدني على أراض شاسعة في أمريكا، وأخذ رالي أربعين ألف فدان في إيرلندة، ونعم ارل اسكس الثاني باحتكار استيراد النبيذ الحلو، وارتفع سير كرستوفر هاتون من مجرد "كلب مدلل" لدى الملكة إلى أكبر منصب في الدولة وحامل خاتم الملكة. ولم تعد إليزابث تحس بالعقول الجبارة قدر إحساسها بالسيقان الرشيقة-لأن عمد المجتمع هؤلاء لم يكونوا قد غطوا سيقانهم بالبنطلونات بعد، وعلى الرغم من كل أخطاء الملكة، فإنها اتخذت خطوة وشقت الطريق بغية إبراز الطاقات المختزنة في رجال إنجلترا الأفذاذ، واستثارت هممهم وشجاعتهم للقيام بالمشروعات الضخمة، وعقولهم إلى التفكير الجريء، وسلوكهم نحو الكياسة والفطنة، وإلى نظم الشعر والدراما والفن. وحول هذه الحاشية، وهذه المرأة تكاد تكون قد تجمعت كل عبقرية إنجلترا في أزهى عصورها.
إليزابث والدين
احتدمت معركة الإصلاح الديني المريرة داخل البلاط الملكي والأمة، وأثارت مشكلة أتجه تفكير كثير من الناس إلى أنها ستربك المملكة وتدمرها، فقد كان ثلثا إنجلترا، وربما ثلاثة أرباعها من الكاثوليك(39). وكان معظم القضاة والحكام وكل رجال الدين من الكاثوليك. وكان البروتستانت محصورين في الثغور الجنوبية والمدن الصناعية، وكانت لهم الغلبة في لندن حيث تضخم عددهم بسبب اللاجئين إليها من وجه الظلم في القارة. أما في المقاطعات الشمالية والغربية- وكلها زراعية تقريباً- فكان عددهم لا يكاد يذكر(40). وكانت روح البروتستانت على أية حال، أشد حماساً وغيرة من الكاثوليك بشكل لا يقاس. وفي 1559 نشر جون فوكس كتاباً يصف فيه، في غضب شديد، معاناة البروتستانت في العهد السابق، وترجمت مجلدات الكتاب في 1563 تحت اسم Actesand Monuments (الأعمال والآثار)، وكانت معروفة بين الناس باسم "كتاب الشهداء" وكان لها أثر مثير في نفوس البروتستانت لأكثر من قرن من الزمان. وكان للبروتستانتية في القرن السادس عشر الطاقة المحمومة لفكرة جديدة تناضل من أجل المستقبل، على حين كان للكاثوليكية قوة المعتقدات والأساليب التقليدية المتأصلة في أعماق الماضي.
وفي الأقلية الآخذة في الانتشار زاد الاضطراب الديني من نزعة الشك، بل حتى الإلحاد، هنا وهناك. وباتت العقول العملية الواقعية شكاكة في كل النظريات اللاهوتية، بسبب الصراع بين المذاهب، والنقد المتبادل بينها، وتعصبها الدامي والتناقض بين الإيمان الذي يجهر به المسيحيون وبين سلوكهم. وإليك ما قال روجر أسكام في "المعلم" 1563:
إن الإيطالي الذي ابتدع لأول مرة المثل الإيطالي ضد رجالنا الإنجليز الذين تشبهوا بالإيطاليين، لم يعد يقصد زهوهم وخيلاءهم في حياتهم أكثر مما يقصد رأيهم القبيح في الدين. وإنهم لأشد اعتداداً بعظات شيشرون منهم برسائل القديس بولص، وبقصة من بوكاشيو منهم بقصص الكتاب المقدس، وانهم ليعتبرون أسرار المسيحية من قبيل الأساطير الخرافية، ويجعلون المسيح وإنجيله في خدمة السياسة المدنية، ثم إن المذهبين كليهما (البروتستانتية والكاثوليكية) لا يأتيان خطأ إليهم. وفي الوقت المناسب يرفعون من شأنهما علانية، وبين الجدران يسخرون منهما سراً.... وأنى استطاعوا سبيلاً، ومع رفاقهم، يضحكون أو يزدرون البروتستانتية والبابوية. ولا يلقون بالاً إلى الكتب المقدسة، وانهم ليهزأون بالبابا، ويشكون مر الشكوى، وبألفاظ جارحة، لوثر.... إن المعبود الذي يرتضون ليس إلا مسرتهم الشخصية ونفعهم الخاص. ومن ثم فانهم يعلنون في وضوح أنهم يتبعون في حياتهم مدرسة الأبيقوريين، وأنهم من الناحية النظرية ملحدون(41).
وشكا سيسل (1569) من "أن الساخرين من الدين والأبيقوريين والملحدين موجودون في كل مكان(42)". وفي 1571 صرح جون ستريب Strype "هناك كثيرون تخلوا عن الكنيسة تماماً، ولم يعودوا يحضرون لأداء واجباتهم الدينية(43)" وذهب جون ليلي Lyly، (1579) إلى أنه "لم يكن بين الوثنيين الهمجيين مثل هذه الفرق الدينية، ولا مثل هذه المعتقدات الخاطئة بين الكفار، مثل ما هو حادث الآن بين العلماء(44)". وألف علماء اللاهوت وغيرهم كتباً كثيرة ضد "الإلحاد" وهو يعني على أية حال الإيمان بالله، وعدم الإيمان بألوهية المسيح. وفي 1579، 1583، 1589 أحرق بعض الأفراد لإنكارهم ألوهية المسيح(45). واشتهر عدد من الروائيين- جرين، كد Kyd ومارو- بأنهم ملحدون. إن الدراما في عصر إليزابث- وهي فيما عدا ذلك تصور الحياة تصويراً شاملاً- تتضمن أقل القليل عن صراع المعتقدات، ولكنها تعرض الأساطير الوثنية أكبر عوض.
وفي رواية شكسبير Love's Labiur's Lost هناك بيتان غامضان:
أي تناقض هذا؟ السواد شارة الجحيم،
ولون السجن ومدرسة الليل.
وفسر كثيرون(46) العبارة الأخيرة على أنها تشير إلى الاجتماعات التي كان يعقدها والتر رالي، والعالم الفلكي توماس هالايوت، والعالم لورنس كيمس، وربما الشاعران مارلو وتشابمان، وغيرهم، وفي دار رالي الريفية في شربورن، لدراسة الفلك والجغرافيا والكيمياء والفلسفة واللاهوت. وقال أنتوني رود عالم الآثار عن هاريوت- ومن الواضح أنه الزعيم الفخري لهذه الجماعة- "إنه كانت لديه أفكار غريبة عن الكتب المقدسة، وكان دائماً يحط من قدر القصة القديمة عن الخلق (التكوين)..... وألف لاهوتاً نبذ فيه التوراة". لقد آمن بالله، ولكنه أنكر الوحي وألوهية المسيح(47)" وكتب روبرت بارسونز- وهو من الجزويت- في 1562 عن "مدرسة والتر رالي للإلحاد..... حيث كانت السخرية من موسى وعيسى المخلص، والتوراة والإنجيل على حد سواء، ولقن التلاميذ أن يطرحوا الرب وراء ظهورهم(48)" واتهم رالي بأنه استمع إلى بحث قرأه مارلو عن "الإلحاد". وفي مارس 1594 اجتمعت لجنة حكومية في Cerne Abbes في دورست، للتحقيق في الشائعات راجت عن مجموعة من الملحدين في الأماكن المجاورة، ومن بينها موطن رالي. ولم يؤد التحقيق إلى إجراء معروف لدينا اليوم. ولكن تهمة الإلحاد وجهت إلى رالي أثناء محاكمته (1603)(49). وفي مقدمة كتابه "تاريخ العالم" أشار إلى إيمانه بالرب، على أنه نقطة يتناولها بالتفصيل فيما بعد.
وحامت الشبهات في حرية الفكر حول إليزابث نفسها. ويقول جون ريتشارد جرين "لم توجد قط امرأة مثلها مجردة تجرداً تاماً من أية عاطفة نحو الدين(50)". ويقرر المؤرخ الإنجليزي فرود "أن إليزابث لم يكن لديها اقتناع عاطفي واضح.. وأنها، وهي كان إيمانها بصدق المذهب البروتستانتي والمذهب الكاثوليكي ضعيفاً على حد سواء، كانت تنظر باحتقار موسوم بالتسامح إلى كل الأفكار والنظريات اللاهوتية(51)". لقد دعت الله بأغلظ الأيمان التي أزعجت وزراءها. أن يدمرها إذا هي نقضت عهدها بالزواج من ألنسون، على حين أنها فيما بينها وبين نفسها سخرت من مزاعمه بطلب يدها(52). وصرحت الملكة لمبعوث أسباني بأن الفرق بين المذاهب المسيحية المتناحرة لم يكن سوى "شيء تافه"، ومن ثم استخلص أنها ملحدة(53).
وعلى الرغم من كل شيء، فإنها، مثل كل الحكومات تقريباً قبل 1789، اعتبرت كقضية مسلم بها، أن شيئاً من الدين وشيئاً من مصدر القوة الخارقة وشيئاً من الوازع الأخلاقي، كل أولئك أمور لا يمكن الاستغناء عنها من أجل النظام الاجتماعي والاستقرار في الدولة. ولفترة من الوقت، حتى دمت مركزها، بدا أنها تتردد، وتلاعبت على آمال زعماء الكاثوليك في احتمال أن يكسبوها في مذهبهم العام، لقد أحبت الطقوس الكاثوليكية وعزوبة رجال الدين الكاثوليك، ودراما القداس، ولربما كان من المحتمل أن تعقد أواصر السلام مع الكنيسة، لولا أن هذا كان يحمل في طياته الخضوع للبابا. وارتابت في الكاثوليكية على أنها قوة أجنبية يمكن أن تؤدي بالإنجليز إلى وضع إخلاصهم للكنيسة فوق ولائهم للملكة. ولقد ترعرعت في أحضان بروتستانتية والداها، وهي تعني الكاثوليكية بغير البابوية، وهذا، أساساً، هو ما عقدت العزم على إقراره من جديد في إنجلترا. وراودها الأمل في أن تهدئ الطقوس شبه الكاثوليكية في كنيستها الإنجليزية من روع الكاثوليك في الريف، على حين نبذ البابوية البروتستانت في المدن، وتشكل الرقابة الحكومية على التعليم الجيل وفق هذه التسوية التي دبرتها إليزابث، فيهدأ هذا الصراع الديني الذي يمزق البلاد، ويستتب السلام. إنها اتخذت من ترددها في موضوع الدين، مثل ترددها في أمر الزواج، وسيلة لخدمة أغراضها السياسية، وأبقت على أعدائها الأقوياء مذهولين ممزقين حتى أصبح في مقدورها أن تواجههم بحقيقة بارعة كاملة.
وحرضتها قوى كثيرة على استكمال الإصلاح الديني. وكتب إليها المصلحون الدينيون في أنحاء القارة شاكرين لها سلفاً إعادة العبادة الجديدة. وأثرت فيها رسائلهم. وكان الذين استولوا على الأراضي التي كانت ملكاً للكنيسة من قبل، ويرجون تسوية بروتستانتية. وأغرى سيسل إليزابث بان تجعل من نفسها زعيمة لأوربا البروتستانتية في لندن مشاعرهم بتحطيم تمثال للقديس توماس وإلقائه في عرض الطريق. وكان أول برلمان في عهدها- 23 يناير- 8 مايو (1559) بروتستانتياً بأغلبية ساحقة، وتمت الموافقة على الاعتمادات التي طلبتها دون تحفظ أو إبطاء. ومن أجل توفيرها فرضت ضريبة على كل الأفراد، دينيين أو علمانيين. وصدر قانون التنسيق الجديد Act Of Uniformity (18 أبريل 1559) وبمقتضاه أصبح "كتاب كرامر للصلوات العامة"، بعد مراجعته، هو قانون الطقوس الإنجليزية، وحرم كل ما عداه من الطقوس الدينية، وألغي القداس، وطلب إلى كل الإنجليز حضور صلوات يوم الأحد في الكنيسة الأنجليكانية، أو دفع غرامة قدرها شلن لمعونة الفقراء. وفي 29 أبريل صدر "قانون السيادة" الجديد الذي نص على أن تكون إليزابث الحاكم الأعلى لإنجلترا في المسائل الروحية والزمنية على السواء. ووضع "قسم السيادة" يعترف بالسيادة الدينية للملكة، وكان من المحتم أن يؤدي هذا القسم كل رجال الدين والمحامين والمعلمين، والمتخرجين في الجامعات والحكام والقضاة وكل موظفي الكنيسة والتاج، وعهد إلى محكمة كنسية ذات سلطة عليا، تختار الحكومة أعضاءها، بإجراء التعيينات الكبرى في الكنيسة واتخاذ القرارات الكنسية. وأي دفاع عن سلطة البابا على إنجلترا كان عقابه السجن مدى الحياة لأول مخالفة والموت للثانية (1563). ولم تأت سنة 1590 حتى كانت كل الكنائس الإنجليزية بروتستانتية.
وزعمت إليزابث أنها لم تضطهد حرية الرأي، فقالت أن لكل إنسان أن يتمتع بحرية الفكر وحرية العقيدة كما يشاء، شريطة أن يطيع القانون؛ وان كل ما تتطلبه هو الانسجام الخارجي، حرصاً على وحدة الأمة. وأكد لها سيسل: "أن هذه الدولة لن تستشعر الأمان والاطمئنان، ما دام فيها تسامح نحو عقيدتين(54)"- ولو أن هذا لم يمنعها من طلب التسامح مع البروتستانت الفرنسيين في فرنسا الكاثوليكية(55). ولم يكن لديها اعتراض على الرياء المسالم، على ألا تكون حرية الرأي هي حرية الكلام.ومن ثم فأن الوعاظ الذين لم يشاركوها وجهات نظرها في أي موضوع هام كان مصيرهم أن تخرس ألسنتهم أو يطردوا(56). وحددت من جديد قوانين الهرطقة وطبقت. وحرم من حماية القانون طائفة الموحدين (الذين يقولون بالتوحيد لا التثليث) والقائلين بإعادة تعميد البالغين(57). وأعدم أثناء حكم الملكة خمسة من المهرطقين، وهذا رقم متواضع في ذاك الزمان.
وحدد مجمع من رجال اللاهوت في 1563 المذهب الجديد. واتفق رأي الجميع على "القضاء والقدر"، فان الله بمحض مشيئته، قبل خلق الدنيا، ودون اعتبار لمزايا الإنسان أو مثالبه، كان قد اصطفى أفراد ليكونوا من الصفوة التي كتب لها الخلاص، على حين ترك بقية البشر من الهالكين الملعونين. وتقبلوا فكرة لوثر عن الخلاص بالإيمان بنعمة الله، ودم المسيح المخلص، على أنهم فسروا "القربان المقدس" بالمعنى الذي ذهب إليه كلفن، أي أنه اتصال روحي أكثر منه مادي بالمسيح. وبمقتضى قرار من البرلمان (1566) انتظمت المواد التسع، والثلاثون العقيدة الجديدة، وأصبحت إجبارية على كل رجال الدين في إنجلترا، ولا تزال تعبر عن المذهب الأنجليكاني الرسمي. وكذلك كانت الطقوس الجديدة حلاً وسطاً. فألغي القداس، ولكن مما أزعج البيوريتانز أن صدرت التعليمات إلى رجال الدين بارتداء الملابس الكهنوتية البيضاء عند تلاوة الصلوات وعند تقديم القربان المقدس. وكان يجب تناول القربان ركوعاً- في شكلي الخبز والنبيذ. واستبدل بالتوسل بالقديسين الاحتفال سنوياً بذكرى أبطال البروتستانتية، واستبقى تثبيت العماد ورسامة الكهنة على أنهما طقوس مقدسة، ولكن لا يعتبران من الأسرار المقدسة التي عينها السيد المسيح، وشجع الاعتراف للكاهن في حالة دنو الأجل فقط. واحتفظ كثير من الصلوات بصيغته الكاثوليكية الرومانية، ولكنها اكتست بالرداء الإنجليزي، وأصبحت جزءاً بارزاً عظيماً من آداب الأمة. ولمدة أربعمائة سنة، نفخت هذه الصلوات والتراتيل التي تتلوها الفرق أو الكاهن في الكاتدرائيات الفسيحة الفخمة، أو في كنيسة الأبرشية البسيطة- نقول نفخت في روح الأسرات الإنجليزية وحياتها، وزودتها بالسلوى والتهذيب الخلقي والهدوء العقلي



ساحة النقاش