المسرحية الفائزة بالجوائز ( أفضل مؤلف و أفضل ممثل الممثل العراقي زياد الهلالي ) لمهرجان المونودراما عام 2000 الذي أقامته دائرة السينما و المسرح ) و جائزة الإبداع للتمثيل عام 2000 ( يوم المسرح العالمي ) في العراق .. وقام بإخراجها حينها نفسه المؤلف ظفار احمد

مقدمة المؤلف

الغاية من هذا النص هو الحديث عن مشاعر فرد .. انسان عادي هو جزء من جيل الحرب .. جيل لم يعش بشكل جيد تلك الفترة التي سبقت الحرب و يقول عنها الأباء انها رائعة و لم يعش بعدها لسبب بسيط هو ان الحرب بطريقتها المعلنة لم تنتهي اصلا على الرغم من انني اتحدث حتما عن مشاعر انسان عراقي و لكن يمكن لمن اراد اسقاط الأمر ان يفعل.. ان الأشارة الى مرجعية الأسقاط هنا يمكن الولوج اليها من باب قدرة القوة الغريبة او الموقف على التحكم بمصير الأنسان فبطلنا هنا لم يتجرأ على اتخاذ قرار معلن و بحزم يتحمل مسؤوليته على الدوام هناك اب و ام و عندما فقدهما سحبته الحرب الى مجاهيلها و انتهى قبل هربه الى التعرف على فرد اخر مثال افرزته الظروف المتحكمة نصاب تحكم في مصيره و سحبه الى خطأ معلن لم يحسن بطلنا التعامل معه كموقف لأن مبادئه تنتفي و هنا ما ان شعر انه حقا يمتلك شيئا من المبادئ .. جزء من العقيدة انزوى مفضلا الأبتعاد عن الناس عن تفاهات جيل جديد و جيله الذي احترق و جيل اخر يتحسر على ايامه الضائعة .. ولذا فأننا نرى هذا النص نقطة انطلاق للبطل .. نقطة قرر فيها الثورة بطريقة ما .. الخروج من الخط الفاوستي المرسوم او ثائرا دون ارتضاء مصير سيزيف .. ولذا فهو يقرر الرحيل او البقاء و لكن بطريقة تختلف .. أي شيء ما دام هو من قرر


المكان غرفة واسعة مليئة بقطع الأثاث و الإكسسوارات المتنوعة تبدو كما العلية أو غرف الخزن في بعض المنازل و هي تحتوي كل الأثاث أو الإكسسوار الذي لم يعد مستخدما في البيت .. الجدران بيضاء مسودة بفعل عدم تنظيفها و المكان لسنين مضت .. على الجدار المقابل كتب على قطع متفرقة
- دار .. داران .. دور
- أكون أو لا أكون
على الجدار أيضا تقويم كبير الحجم بأرقام واضحة و تبدو السبورة كبيرة الحجم أيضا سوداء اللون بإطار ابيض ..
في الوسط تماما قرب الجدار يوجد مسرح صغير للعرائس .. و في وسط المسرح هناك كرسي تجلس عليه دمية من القماش .. و في أرجاء الغرفة تتوزع الإكسسوارات ( الأدوات التي يشاء المخرج وجودها ) و على الأرض في مكان ما على المسرح .. هناك علب أصباغ و أدوات صبغ ستستخدم لاحقا بشكل فاعل ) و على الجدار أخيرا توجد لوحة تكعيبية مرسومة كما لوحات بيكاسو
الزمان : هو فجر احد الأيام عام 2000 ( * 1 سنة المغادرة إلى فضاء أخر ) ستقوم به الشخصية و من الممكن إسقاط سنة الأحداث على مساحة زمن أخر كما يراه المخرج )
الشخصية : خالد مصباح رجل من مواليد 1965 يعلو الشيب رأسه بطريقة واضحة يرتدي بذلة عمل سوداء اللون بقصد تنظيف المكان ..
( خالد مصباح ينظر من نافذة الغرفة مدخنا و محولا نظره إلى القطعة المعلقة على الحائط ) ** دار .. داران .. ( مختبرا قدرته على النطق ) دا .. دادا .. داد .. دار .. داران .. دود .. دود ( ينظف ) كم هو متسخ هذا المكان من الغريب حقا أن تكتشف فجأة انك تعيش وسط مكان متسخ .. كما لو كانت ثلاجة أموات أو مستشفى ليلي
( ينظف ) انه الهدوء .. الهدوء من جديد .. ( إلى الدمية ثم مع اللوحة ) الهدوء أيها الأخر .. حتى بيكاسو سينبت له شعر لو رأى لوحتي هذه ( ممثلا ) هيه ... أيها النقاد اجتمعوا للرؤية .. لا شيء يمكن تحقيقه على هذا المنوال .. لا بد من مذهب جديد .. نهج فليخترع أي ناقد أسلوبه .. لا بد من طريقة أخرى يمكنني البحث فيها .. أي المصادر و البحوث تشملني .. ( صمت ) صرت كمجنون كرائد سينما الدرجة الثالثة .. أيها الأحمق مزيج من الأفكار لا معنى له ... لكنه كل ما أتمنى .. أحمق .. ساذج .. غبي .. هذا ما أريده .. هل هذا صعب لا يمكن أن تتداعى الأماني بهذا الشكل لكنه كل ما أتمنى أن أكون أحمقا .. ساذج .. غبي .. هل هذا صعب لا يمكن أن تتداعى الأماني بهذا الشكل لكنه كل ما أتمنى أن أكون أحمقا و ساذجا و غبيا .. لكن .. لكنني لا امتلك إلا أن ابدأ من جديد ..

اللوحة الثانية

( يواصل التنظيف ثم يستمر على نحو مفاجئ بالتمثيل مستخدما مسرح الدمى و الدميتين في حواره مغيرا صوته حسب الدمية المستخدمة .. الدمية الأولى نسائية الصوت و الدمية الثانية رجالية الصوت ) **
( الأولى ) أوه لا .. اودري هيبورن ممثلة رائعة ..
( الثانية ) إنني معجب جدا باستدارة مارلين مونرو قيل لي إن روجيه فاديم لم يمعن النظر عندما اختار بريجيت باردو .. بومبو
( الأولى ) بومبو
( الثانية ) بومبو
( الممثل يخرج رأسه من واجهة مسرح الدمى ناظرا إلى الدمية )
بومبو .. هل هذا حقا ما فعلت ثلاث سنوات متتالية تنام في هذا القمقم .. أيها المارد العقيم لو عرفت حينها فكرة السند باد لعثت فسادا في الأرض .. لكنك صرت غبيا و تمكن السند باد منك .. ( قرب الدمية ) أنت لا يمكنك فعل شيء .. وبعد ..
( قرب السبورة كاتبا عليها ) ** كم هو الزمن الرياضي الذي ينبغي أن أقرره لنفسي .. لنر ثلاث سنوات 365 تضرب في ثلاثة الناتج هو 1095 يوما إنها المحصلة النهائية الثابتة لأيام سجني الاختياري هذا .. هل توافق يا بومبو .. كم هو الزمن الرياضي الذي ينبغي أن أقرره لنفسي كي أحطم رقم السندباد .. استغرق هذا ألف رحلة و رحلة أفلا استحق الدخول في كتاب غينيس للأرقام القياسية ( يتوجه إلى التقويم ) 1095 يوما هذا هو الزمن بالتمام و الكمال .. بالأمس وقفت أمام التقويم كطلاسم سوداء لا يمكنني حلها .. و للحظة أيقنت إن نصف ساعة قد مرت دون أن أتمكن من معرفة اليوم بالتحديد .. ثم سئلت نفسي أن كان الأمر مهما و إن كان يهمني حقا تحديد التاريخ .. إلى ما سأصل إلى نقطة أو حل .. ( ينظف * 2 ) إذن هي صورة مبهمة التكوين و لأنها كذلك (إلى الدمية ) و إن لم تسمح فليكن ..
( دافعا الدمية إلى مكان أخر ) * 3 الأمر عندي سيان فأنت وجه قبيح و اعلم فقط إن هذا ما اشعر به على الدوام .. ( يتوقف ) و لكنها الحقيقة على كل حال .. الآن

اللوحة الثالثة
( يقف أمام رداء لساحر ) الآن أنا اشعر بالعار لأني أمارس سحر الأقنعة
( يستبدل الأقنعة واحدا تلو الأخر ) الأقنعة .. مللت الأقنعة 6 سنوات ثلاثة اقتلعتها من عمري اقتلاعا صرت كساحر جوال يكتسب رزقه بالكاد ... بعد أن كان بهلوانا ..
( يتوقف ) يا للنكتة السمجة .. ( يمارس لعبة الأقنعة من جديد ) خالد مصباح معكم يمارس سحر الأقنعة ** على الرغم من إنني اشعر على الدوام إنها ادوار ابتدعها مؤلف بائس .. كان عليك ملاحظة الفرق ( يعود للدمية ) بومبو .. لم يكن الأمر بهذه الصعوبة و لم تكن بحاجة لأن تختفي سنوات ثلاثة كما الهارب من ثأر .. لكن أن تعي فداحة ما فعلت .. هذه هي القضية .. لا ادري ما الذي أمر به الليلة يا بومبو ..
( يهدأ ) لقد خطرت لي فكرة ما قبل قليل و لا ادري إن كانت ستعجبك حقا .. على الرغم من إنها ستبدو سخيفة .. مع أني اشعر بالخجل .. لكن .. ( بصوت خافت خائف ) أريد أن اخرج من سجني الاختياري هذا هل .. إن استسلامي و أعلاني الهدنة كان أمرا يمكن تحقيقه .. (يهزأ) لثواني فقط إن شئت .. في الحقيقة لم يكن هناك عدو .. فقد كان الأمر محصورا بيني و أبي .. أبي كان يعمل صباغا ..

اللوحة الرابعة

( بطريقة إعلانية )** مصباح الغانم الصباغ الأكثر شهرة و مهارة في الناحية .. لا زال صوت الطرق على باب دارنا في أذني .. الجميع يريد مصباح الغانم .. أفضل صباغ في الناحية .. ( صمت ) .. و الآن صرت تعرف تاريخي يا بومبو .. هل تعرفه حقا .. لقد كتبت كل شيء انظر .. ( يخرج أوراقا كثيرة من صندوق ما ) *4 .. ** في شتاء عام 1965 ولدت .. كنت أمل أبي و حلمه الأكبر في أن يصبح له ولد .. و يبدو إن رغبته في تحقق الحلم جعلت أمي تشعر بآلام المخاض عند شهرها السابع .. و هكذا أعلن عن حلولي ضيفا دائما على سكان الناحية .. ** ثم يعم الناحية فرح كبير
( يرقص ) لأن مصباح الغانم الرجل المحبوب قد رزق بولد .. كنت الرابع بعد ثلاث بنات .. و عليه فقد نعمت بدلال كبير و على أفضل الأشياء في خزانة المنزل ..
( يتوقف فجأة ) كم أتمنى لتلك الأيام أن تعود لكنها .. ( بحزن ) لن تعود ابد ا .. لن تنمحي من مخيلتي هذه الصورة .. كانت أمي ترش الأرض ساعة الغروب و كنت أنا العب .. صرخت بي أن انهض عن الأرض و أن اغسل وجهي و يدي قبل حلول الظلام .. لكني لم افعل بل صرت العب بالتراب معاند إياها .. ورافضا كل نداءاتها حتى استغرب كل من في الدار و أخيرا صرخ طائر التطوة * 5 .. كان موقفا صعبا .. إذ صرخت أمي بدورها موجهة الحديث إلى أبي لا تضربه .. لم يضربني أبي .. لكن أمي احتضنتني بقوة ناظرة بخوف إلى ذلك الطائر .. اشعر بالملل .. و الآن .. ما الذي علي فعله يا بومبو ( يفكر ثم يجد فكرة ) هل تود سماع الموسيقى يا بومبو .. تعال كن أنت قائد الأوركسترا و لنتابع لعبة لا تسمية لها .. ** ( يمسك جهاز كمان بيده ممثلا العزف عليه ) اسمع ( الموسيقى تستمر و هو ينزل الكمان من وضعية العزف متحدثا ) هل نظرت يوما الى القمر .. إنني أحرك أصابعي الآن حاصرا تفكيري بين قوسين هل هذا هو الحل .. القمر .. انه يندفع في دورته أيضا دون شعور بالملل .. أن تندفع في عالم الخيال ..

اللوحة الخامسة

( يرقص ) بعيدا عما يفكر فيه الناس باتجاه النار المنبعثة من الشمعة .. الضوء يتردد خجلا في أن يطلق العنان لمواهبه .. انظر إلى الحائط **
( يجعل ضوء الشمعة خلفه مستغلا انعكاس ضوءها على الحائط واضعا جسده بين الضوء و الحائط ) .
انه يسرد الحكايا الخرافية .. هاهي الشمعة تسرد قصة السندباد بحزن .. هذه المرة يواجه فأر .. بل يواجه سحلية .. لالا .. حوت .. انظر هذه هي قصة السندباد دون حوارات او كلمات .. ** ( يؤدي حركات تنعكس على الحائط مع استمرار الموسيقى ) ( يقف دون ان ينطق لفترة )
عندما ماتت امي .. صار لون الأشياء اسود فاقع .. عم الحزن ارجاء البيت .. صارت الأشياء تشدو بلحن حزين فالباب عندما نفتحه يصر و الشباك صار مغلقا على الدوام .. اما الأرض فقد تفطرت .. كل الأشياء صارت تبكي ** .. ياه كم هي الأشياء التي كانت تفعلها امي دون ان تطلب المساعدة منا .. تصور كانت تعمل معي بصمت و على الرغم من انها كانت تفعل كل شيء دون طلب مساعدة من احد الا انها لم تفكر قط في طلب المساعدة من اخواني .. امي ..** كانت النساء يدرن في نوبة صراخ و بكاء و لأنني لم اتصور حقا ان امي هي التي ماتت فقد انتبهت الى ان النساء يأخذن فترات استراحة كاملة بين دورات النحيب و البكاء للحديث عن احزانهن و المسرات كان البعض منهن يضحكن حتى متناسيات انهن في ماتم .. ** عندما انتهت ايام العزاء فتحت ابواب البيت المقفلة كلها بحثا عن امي و ربما شيئا منها .. فجأة تصور لي شيئا ما .. اسود اللون رفع وجهه عاليا مشمرا عن ساعديه و فاتحا فمه الغريب حيث كل الأسنان قد اصابها التسوس ثم يضحك بصوت غريب نافخا في وجهي انفاسه الحارة ** .. ما هي الا سنة واحدة حتى افل نجم ابي في الناحية .. لم يعد صباغا ماهرا و لم يعد بابنا يطرق على الدوام .. لقد رحلت البركة عن هذه الدار .. هكذا صرخ ابي ليلة ..وفاة امي .. ( يتساءل ) ما الذي ينبغي عمله كي يصير لون الكون ابيضا يملئه الشعر و الموسيقى .. ددم ( ممثلا بحركة موسيقية استعراضية ) لقد دق الناقوس و حانت نهاية الربع الأول من الحكاية

اللوحة السادسة

** ( موسيقى خلفية يقرأ في اوراق .. ) عام 1971 دخلت المدرسة و ابتدأت معي حكايا من نوع جديد .. ( موسيقى اخرى و هو يمارس الحركات الرياضية المنسقة قريبة من الرقص ) في تلك الفترة كان العمر اصغر و الرغبات اكثر .. سنوات الطفولة .. ليس اجمل من سنوات الطفولة شيء .. ولو رغب احدهم في تعريف السعادة لفسرت سنوات الطفولة الأمر .. هي ان تقف دون التفكير في ان شيء ما سيحدث .. ( يتوقف عن الحركة ) ان كان شيئا مخيفا او هزة ارضية حتى انت كنت تعلم ان خلفك تماما يقف جدارا كونكريتيا لايمكن هزة انت تتحرك على الدوام و تشعر ان خلفك حارسك الأمين لن يتركك كان هذا في سنوات الطفولة ... و الأن .. لقد منحني ابي كل شيء .. كل ما اريده حقا الا ان نكون متكافئين .. اذ ليس من العدل ان لا يسمعني و الامي دون ان اعرف الامه .. عندما كبرت .. ( يرمي بالكرة الى الحائط ) ** صرت لاعب كرة قدم مميز .. افضل لاعب كرة قدم في الناحية لكنني على العكس كنت فاشلا في الدراسة ( مبررا و متوقفا عن لعب الكرة ) في الدراسة لم استطع الجلوس على الرحلة في الصف دائما اشعر ان الأبواب و الشبابيك ما هي الا مخارج اضطرارية .. فقط لا اكثر .. دام معي هذا الأحساس وصرت اشعر على الدوام بأن كارثة ما ستحل و أضطر ربما للهرب يوما ما .. من الشباك او الباب .. يا له من زمن طويل .. ** عندما انظر الى الوراء اشعر ان الماضي صار كهوة عميقة يحمل في طياته اكياسا كثيرة يملأ بعضها الهموم و البعض الأخر اكياسا من المسرات لا يحتملها القلب لجمالها .. فقدان الطفولة كان هما يا بومبو .. الهم ؟ ...
( كمن وجد شيئا ) ** ايها الهم الساكن كالأفعى الغاضبة في سجنها الزجاجي سأهزمك اخبرني اريد ان انازلك .. ( يتحدى عدوا غير مرئي ) ان كنت سترسل لي من ينازلك فأفعل .. من ثملك يا هذا .. هذه المكنسة ؟ .. هذا الدولاب ؟ ام هذا الباب ؟ هذا الجدار ؟ هذا الجدار .. لطالما فكرت فيك ايها الجدار

اللوحة السابعة

** ( يقابل الجدار ) لطالما ارعبتني بسوادك الحالك * 6 على الرغم من انني اؤجل التفكير فيك الى وقت اخر .. انت عدوي ايها الجدار ( يمسك عصا كسيف ) انني اعلن الحرب عليك ايها الجدار الأسود ( قتال اشبه بالرقص ثم يكتشف انه يقاتل الهواء) *7 عام 1982 تركت المدرسة.. و فجأة قرر ابي تزويج اخواتي الثلاثة و فعل .. في تلك السنة تزوجن دفعة واحدة كما الراغب في تخليص ذمته .. * 8 ..
و الأن صرت جدارا اخر .. ( يستمر في صبغ الحائط ) لكنني سأغيرك تماما .. اغيرك كما ينبغي ان تكون عليه .. انت تحاول سد الطريق امام أي رجل .. هكذا كما الوقت عدو لدود لا يستحق سوى الذبح .. الوقت كالعجوز المراهق عند رؤيته فتاة مراهقة الجمال لا يستحي دون القدرة على فعل شيء .. ( يكتب على الحائط رقم 1983 ) ** عام 1983 طلبت مواليدي للتجنيد و شاركت في الحرب .. في الحرب .. انقطع التدوين فهناك في الجبهة لم امتلك المتسع الكافي من الوقت لكتابة سطر واحد حتى .. دائما مشغول .. ( هناك مجموعة من الكراسي المقلوبة و بضع طبلات يستخدمها الممثل في لعبة الأيحاء للوصول الى جو الشق في الجبهة او الساتر )
** و لكن هل تعرف معنى كلمة يفقد ؟ هل تعرف معنى كلمة يخسر ؟ ما هو اعرابهما ؟ بعد استدعائي للجيش بفترة قصيرة .. فقدت ابي .. مات هو الأخر ..
و عندما عدت حينها .. رافقني اللون الأسود .. ( يجلس على كرسي للأيحاء بأنه في سيارة الأضواء تساعده لعكس اضواء الطريق ليلا ) في طريق العودة غطى مسامات جسدي .. و عندما وصلت الى البيت .. ( يقف وحيدا صغيرا على المسرح ) ** كان اللون الأسود يضحك بقوة كما الذي اراد اخباري بأنتصاره و خسارتي .. و انني قد بقيت وحيدا بعد زواج اخواتي .. و اخيرا اشار الي بحافة السبابة الى اتجاه الجبهة مذكرا اياي بأنني ربمالن اعود في المرة القادمة .. كان اللون الأسود يغطي الصورة في الجبهة *9 و خوذ العدو تميل الى اللون الأسود .. الوجوه .. البساطيل .. كلها سوداء .. البارود جعل الأشياء رمادية .. و سوداء .. صارت الجثث سوداء تماما .. صدقني يا بومبو .. في الحرب لا توجد الوان .. كل شيء اسود ..** (يتذكر )

اللوحة الثامنة

اسمع هذه القصة .. التحقت الينا عام 1987 مواليد عام 1969 كنا نضحك عليهم و نسميهم السنافر .. لكن حدث ان التحق من ضمن الوجبة شخص ما صار صديقي فيما بعد .. كان يعزف الغيتار .. كان في روحه عازف اسباني و في عشقه و شعره شاعر عربي .. و في كرامته كما الساموراي .. بعد سنة واحدة انتهت الحرب .. ذهب هذا لجلب الماء .. كان الجميع ساعتها يغني .. انتهت الحرب .. في طريقه الى عين الماء حمل الغيتار و كان يغني انتهت الحرب .. لكن زلة قدميه جعلتها تسقط على موت محقق .. داس على لغم .. *10 ثم راح كما الطيور ** .. دائما اتخيل الذاهبين الى الجبهة كما الطيور عندما تهاجر الى مكان اخر .. لا ادري .. ترى الهذا تلفني كأبة حزينة عندما انظر الى السماء .. انتهت الحرب و لم يبق غير القطع السوداء و نساء ظلت ترتديه .. امهات و زوجات.. و .. يا للبشاعة .. يا لبشاعة اللون الأسود .. كيف لي ان لا اكرهك .. اسمح لي ايها الجدار الأسود .. انها الجولة الثانية ** ( صوت جرس كما مباريات الملاكمة )
** (الجدار صار كما رقعة الشطرنج بقع بيضاء غير محددة و اخرى سوداء كما الحرب بين اللونين الأسود و الأبيض ) ( ينزوي في بقعة صغيرة متحدثا ) تسرحت من الجيش و كان سؤالي هو ما الذي سأفعله الأن .. ما الذي تريده ايها المجنون .. و ماذا يمكن ان افعله .. اصعب اللحظات هي تلك التي تسبق النوم مئات بل الاف بل ملايين العمليات الحسابية و الأفكار دون ان تصل الى نتيجة .. الى هدف .. الى اين اتجه .. ؟؟ ** ها انذا من مرفأ الى اخر دون هدف .. صرت كالمسافر الحزين * 11 ( لقد تاه المسافر .. هناك لحظات يبدو فيها ان الحياة تخفي الحاجز بين الزائد و الناقص .. يتوقف الرجل عند تقاطع الطرق دون مرشد .. تكون الشمس في طريقها للغروب وهو لا يستطيع ان يحدد الأتجاهات في الليل تحت سماء خالية من النجوم او ضوء القمر ) و الأن ما الذي كان علي فعله .. و لكن هل تعرف ما فعلت يا بومبو .. اسمع

اللوحة التاسعة

** كان امامي في نفس الفصل في المدرسة التي كرهتها .. دائما يردد .. اسمع ان كنت لا تزال على قيد الحياة .. فلا تقبل ابدأ .. ان ما هو اكيد ليس اكيدا فلن تبقى الأشياء على ما هي عليه و ما كان مستحيلا يصبح واقعا قبل ان تغرب شمس اليوم و لأنه دائما في صورة الواثق من نفسه فقد كان من الصعب ان نتخيل ان هذا الرجل يمكن ان يكون كاذبا .. قال اجمع المال و اتبعني .. لم يكن الأمر صعبا ان تبيع كل شيء اسهل بكثير من ان تشتري أي شيء لكن ان تكتشف انك تملك الكثير من المال .. شيء عجيب .. هكذا فجأة .. صار المئة الف .. ** ثم صار الألف مليونا انها ملايين * 12 ( يرقص ) ما الذي تريده الأن .. هه .. هل يمكنني التوقف ؟ من اين لك هذا .. لا تسئل هكذا كان يجيب .. صار جدول الأعمال ممتلئا يا بومبو .. لو تصورت الحكايا .. و ما الذي شاهدته لتمكنت من مداعبة صدر الليدي ديانا حتى .. لكنها في القبر الأن .. ترى هل يمكن ان تسامحونني .. فجأة ** عم الخراب .. كثير من الناس يصرخون .. رجل اعمال مزيف .. انه لص .. كان هذا لصا .. ليس انا .. الجميع يشير اليه .. ياه .. هكذا فجأة .. انه لص .. صار كل شيء بشع و لأول مرة سئلت نفسي .. ترى ما هو عمله .. و من اين نكسب هذا المال .. صرخ .. لا تتركني .. معك كل المال .. اخرجني من السجن .. صار للكلمات الأخيرة فعل الصدى .. ثم عرفت اخيرا .. كان لصا و يريدني الأن ان ادافع عنه .. الى الجحيم .. هكذا قلت .. كان الأجدر به ان يخبرني .. ربما هو يعلم بأنني سأترك العمل معه .. ترى لو قامت الشرطة بالقاء القبض علي .. ما الذي ارد به القاضي لو سئلني .. ياه .. ما اثقل الحقيقة .. ان تعرف انك تعرف .. هل يمكن هذا .. لو كان اطلس رجلا لقايضته اعطيه ثقل حقيقتي و ازيده .. .. كل ما املك له .. فقط ان احمل الكرة الأرضية .. اذ ربما تكون اخف .. ليس من السهل على المرء ان يشعر ان كل من حوله يكرهوه .. لا يترسب في المخيلة الا الأحساس الخانق بالوحدة و الرغبة الكاملة في الدفاع ولو بوحشية تماما عن نفسه .. و الواقع ان المنطق يفرض على المرء ان يشعر الأخرين بالحب كي يشعر بحبهم .. كان كره الأخرين ينبع من تلك الأخبار المزيفة التي صارت في نصف ما تحمله حقيقة .. تلك الأماني الخائبة ان احمل معي رأس المال .. هكذا كنت افكر .. كم يكون الأمر جميلا لو كنت تاجرا من المليارديرات ان اتخيل صعودي بسيارتي الليموزين .. و نازلا من المرسيدس بنز مستخدما هاتفي النقال الموبايل * 13 متوجها على الفور الى طائرتي الخاصة .. ثم ماذا .. فقط تستمر الأحلام .. **

اللوحة العاشرة

تحولت الأمور الى عادة .. لم اعرف كيف اسير الأمور .. عندما وقع صاحبي في السجن صرت احافظ على نفس النهج .. فقط نفس الجدول .. لا عمل فقط زيارات و استقبالات و صفقات مشبوهة لا تسمن من جوع .. كجهاز كهربائي كبير .. جميل للغاية .. لكنه عاطل .. ** في شركتي كنت استقبل ضيوفي التعساء .. الكل يحلم و انا صرت احلم بسببهم كالخرقى ..** نسخة طبق الأصل من فيفي عبدة تدعوني و الحاشية الى مائدة الفرسان المستديرة كل منا استل سيفه الطويل .. ثم قسمت المائدة الى مناطق نزاع .. لكن لم نقاتل و تقابلت السيوف و تقابلت الرؤوس .. ثم فتحت قناني الشمبانيا .. ماركة موم الفرنسية .. شمبانيا من النوع الفاخر .. من اجل النصر التيموري الجديد .. و عم الأحتفال الأرجاء ثم نثر الملك النقود .. و للحظة .. لحظة واحدة فقط لم يكن من شيء على الأرض .. فقط اكوام من الأوراق .. لم يبق شيء صارت المائدة المستديرة سلة مهملات و السيوف جرها اصحابها خلفهم مخذولين .. .. ** جاء الصباح و لم تكن هناك لا فيفي عبده و لا هم يمرحون فقط القناني الفارغة و حقيبة لص فارغة .. و الأن .. ما الذي تبقى لي .. ** انا سندباد حكايتي .. انا انسان عادي سرقت الحرب نصف عمره و اضاع الباقي هو .. لكني لا اشعر بالعار على كل حال .. ففي الأماكن صارت هذه الحكاية تتردد عن غيري حتى خلتهم يتحدثون عني .. ثم فهمت ان حكايتي صارت حكاية الأخرين .. ان تمسك صفرا في يمينك يعني ان تكون قد حصلت على شيء على كل حال .. عشرة على عشرة .. بومبو .. بعد ان خسرت كل شيء ما الذي قررته في السنوات الثلاث الماضية .. الى ما تنظر .. الي .. لماذا .. الى اين ستسير و ما الذي قررته * 14 ( الى الناحية .. الى المستشفى .. ام الى الثلاجة ) كم هو الزمن الذي ضاع دون ان تحقق شيئا ما .. الى اين ستسير حقا ( نفس النص ) ** ( الى الشراب المحبب .. الى ماذا انت تسير منذ خمس و ثلاثون سنة .. الى اين .. الى الشمس .. الى الحقيقة .. ثم ماذا .. هل ترى الغرفة ( الغرفة تتحول بشكل كامل الى اللون الأبيض ) انها بيضاء تماما .. انها المرة الأولى التي اسرد فيها حكايتي دون ان ابكي .. او انتكس .. حكايتي التي اسردها كل ليلة .. لهذه الليلة نغم مختلف .. الغرفة صار لها نغم مختلف .. و الأن
( ينزع بدلة العمل ليبدو زيا ابيضا ايضا من تحت بدلة العمل السوداء )
انا ايضا شكلي مختلف .. و لقد قررت ان اجعل من الحياة شيء مختلف .. وداعا .. وداعا يا خالد مصباح .. ( يحمل حقيبة السفر و يغادر الغرفة و المكان و البيت برمته )
** اشارة الى ان المكان هذا هو نقطة في النص يقترح المؤلف على أي مخرج احداث تغيير فيه على مستوى الشكل و بالمقابل هو اشارة الى اجراء توثيقي تم عند عرض النص في بغداد حينها كذلك هي دعوة الى ان يمتلك المخرج زمام الأمور لا لألغاء الممثل فهذا صعب في عروض المونودراما بل الى مساعدته .. في عروض ( المونودراما ) تجنح اغلبها الى الملل نظرا للأختلاف في براعة الممثل مؤدي العرض بين عرض و اخر .
• 1 قمت شخصيا باستبدال الفضاءات المعتادة المعتادة فكانت سببا نفسيا لكتابتي هذا النص على الرغم من ان حياتي الشخصية ليست سوى دافع و ليس لها علاقة بالمسرحية .
• 2 من المهم هنا اثناء الشغل المسرحي ( العرض ) ان يوجد المخرج مجموعة من المساعدين او عمال الديكور لضرورات العرض المسرحي فمن المفيد ان يتوضح الفرق بين لحظة التنظيف الأنية و بين دقائق تليها في تقدم العرض .. ان هدف العرض هو الأختلاف بين كل عملية تنظيف و ما بعدها .. و تتأسس الفكرة عموما على استخدام اللون الأسود و تحوله بفعل التنظيف تلقائيا الى اللون الأبيض .. ( عملية صبغ الحائط الأسود باللون الأبيض )
• 3 الدمية مثبتة على عجلات اربع و يفضل ان يوضع مسرح الدمى و السبورة على عجلات ايضا .
• 4 هنا في الشغل المسرحي ينبغي ان يحدث تغييرا في الجو و الشغل المسرحي او الشكل على الخشبة
• 5 طائر يقال في العراق انه ناقل الأخبار بصوته المميز .. يسكن المناطق الزراعية و المناطق المفتوحة .. ينقسم الناس في التفاؤل و التشاؤم منه ..
• 6 لقد تغير الأن الوان الكثير من الأشياء ... من لونها الأسود الأصلي الى لون اقرب للأبيض او ابيض و هو هنا سيبدأ في صبغ الجدار و تغيير لونه في حملة حرب ضده
• 7 حبذا لو تمكن المخرج هنا من تأمين عصا فسفورية يمكن ان تعكس ضوءا في الظلام
• 8 تزداد مساحة اللون الأبيض على الجدار الأسود
• 9 تتوضح الصورة هنا اذ ان اللون الأسود صار اكثر وضوحا بعد تهرئه بفعل بعض المحاولات لتغيير لون الأشياء الى الأبيض
• 10 في الحقيقة تقصدت انا الكاتب تفعيل مناطق الحركة لتكون نسقا جماليا قدر الأمكان في النص لأغراض مساعدة المخرج في تصويرها و اثارة خياله ..
• 11 مأخوذ عن نص تلفزيوني بعنوان هاملت 70 تأليف بودان دروزودوفسكي سبق ان اخرجه المؤلف للمسرح
• 12 في اشارة الى الراقصة العراقية الشهيرة ملايين المقيمة في لبنان
• 13 لم يكن في العراق حينها شبكة للهاتف النقال
• 14 النص مأخوذ عن مسرحية السجل للكاتب البولندي تاديوش روجيفتش

  • Currently 45/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
15 تصويتات / 1281 مشاهدة
نشرت فى 4 مايو 2006 بواسطة sasa010

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

109,970