إذا كانت ثورة يوليو قد جاءت فى موعدها التاريخي، واحتضنها الشعب وسار بها، فقد فوجئ بها مسرحنا المصري، الذى كانت تهيمن عليه عقليات الماضي، ولأن الواقع العملى أسبق دائما فى التحقيق من العقليات المتسيدة، فقد وقع المسرح كفكر وكفن فى حيره بين انتمائه الأيديولوجى للفئات الاجتماعية التى كان يعبر عنها ويخاطبها بلغتها قبل قيام الثورة، وبين الاتجاه الجديد للمجتمع نحو طبقاته الوسطى والدنيا بفئاتها العاملة، والتى عجز المسرح كفكر وكفن أيضا عن أن يعبر عنها، أو يتنبأ بحركتها على أرض الواقع، ببحثه عن القوانين الموضوعية التى تحكم واقع بداية الخمسينيات، حتى قبل أن تتبلور هذه القوانين الموضوعية على أرض الواقع، وتتفجر فى فعل الثورة، ومن ثم كان على المسرح أمام هذا الواقع الساخن الجديد، أما أن يخفى رأسه فى الرمال، متغاضيا عنه، مستمرا فى التعبير عن قضايا وهموم يسعى الشعب بثورته لتجاوزها، أو أن يسعى لمواكبه القضايا والهموم الجديدة، مواكبة فيها من الخداع والمماحكة أكثر ما فيها عن الأصالة، مواكبة تعتقد أنه من السهل فى الفن صياغة الرسائل الجديدة بنفس الأساليب والأبنية الفنية القديمة، دون أن تتغير أو تتشوه تلك الرسائل.لقد جاءت الثورة، والجماهير الشعبية الكادحة غائبة عن كل شيء، من أول اعتلائها كرسى الحكم وإدارتها لحياتها تحقيقا لمصالحها، إلى اعتلائها منصة المسرح، وتعبيرها فى فضائها عن أفكارها، فلم يكن يسمح لتلك الجماهير العاملة أن تعبر عن نفسها بأى شكل من الأشكال فى ظل أنظمة إقطاعية رأسمالية، وهيمنة استعمارية تؤكد على تلك الأنظمة لتلاقى مصالحهما، وقيادات فكرية تؤمن بالشعب من منظور رومانسي، فتتكلم عنه بمفاهيم طوباوية، وتتحرك نحوه إذا ما تحرك وشاغب، دون أن تصبح جزءا منه، حتى لا تصاب بتخلفه!! لقد انفصلت هذه القيادات بالتعليم والثقافة الغربية عن التيار الأصيل لحركة الجماهير، واكتفت فقط بتبنى قضاياه، وبالتالى انفصل المسرح كمحاور عن حركة جماهيره من جهة، وعن صراعات مفكريه من جهة أخري، وانكفأت الفرقة القومية للمسرح، الوجه الجاد لمسرحنا فى بداية الخمسينيات، انكفأت على نفسها، متمزقة فى صراع زائف بين الشيوخ والشباب، دون أن يطرح أى منهما على مائدة النقاش رؤى بديلة للفن القائم، وانقسمت الفرقة القومية إلى شعبتين هما: الفرقة المصرية للتمثيل وفرقة المسرح المصرى الحديث، وقد ضمت خريجى الدفعات الثلاث الأول فى المعهد العالى لفن التمثيل العربي، وسار شبابها فى نفس الاتجاه الذى سار فيه الشيوخ، فقدم نبيل الألفى مسرحية كدب فى كدب لمحمود تيمور عام 1951 وقدم زميله حمدى غيث فى نفس العام مسرحية كسبنا البريمو لصوفى عبد الله، بعد عودتهما من بعثتهما الدراسية لفرنسا.سارت الثورة، وسار المسرح معها، مغمض العينين حينا، مواكبا حينا آخر، خالقا من حركته أجيالا جديدة، حاولت بجهد شبابها الواعى أن تتماشى مع حركة الشعب الثورية، وأن تعبر عن طموحاته وانتكاساته، وأن تستشعر نبضة الفرح فى انتصاراته والمتألم فى هزائمه، ومن ثم انتقلت مسيرة المسرح المصرى عبر سنوات الثورة من التغاضى فالمواكبة، إلى التماس فالمواجهة.
مرت الثورة منذ قيامها إلى أحداث مارس 1954، بمرحلة أولى للتبلور والبحث عن اتجاه، وسط خضم هائل من الأحداث المصيرية، غاب المسرح المصرى معها عن المتابعة فضلا عن المشاركة، ودارت مسرحيات موسمى الفرقة القومية 52/53 18عرضا، 53/54 28عرضا حول ميلودرامات يوسف وهبى الزاعقة، وتاريخيات عزيز أباظة وباكثير الهاربة من قضايا الواقع الساخنة، وهزليات سليمان جميل وفتوح نشاطى المقتبسة عن الفودفيلات الغربية أو المنتهجة نهجها، ولم يشذ عن هذا التيار سوى مسرحية واحدة فقط قدمت لمواكبة المسيرة الجديدة، وهى مسرحية كفاح شعب التى كتبها محمود شعبان وأنور فتح الله، وأخرجها نبيل الألفى مفتتحا بها موسم فرقة المسرح المصرى الحديث، وسرعان ما عادت الفرقة بعدها إلى خطها السابق للثورة لتقدم: ست البنات وبنت الجيران، وكأنها اكتفت بما قدمته مشاركة بالمنطق الوظيفى فى الأحداث الدائرة.وحتى التجربة الجادة والأكثر صدقا فى مواكبة حركة الثورة، بحكم شبابية أصحابها، وهى فرقة المسرح الحر التى تكونت من الدفعات الجديدة لمعهد التمثيل العربي، والتى لم تستطع الالتحاق بالشعبة الثانية الشبابية الأكاديمية من الفرقة القومية، فقررت أن تكون فرقة أهلية أعلنت عن نفسها فى 30 ديسمبر 1952، وسعت لتواكب الثورة بتقديم باكورة عروضها الأرض الثائرة التى كتبها خريجا قسم النقد بالمعهد: محمد كمال هاشم وعباس الرشيدي، وأخرجها خريج قسم التمثيل عبد المنعم مدبولي، وذلك فى يناير 1953، ثم قدمت بعدها مسرحية حسبة برما ل عزت السيد إبراهيم وإخراج مدبولى أيضا فى أبريل 1953، وتؤكد هذه الاستثناءات القليلة أن المسرح فى مصر، مع بدايات الثورة، كان منعزلا عن حركة الشارع الصاخبة، عجزا أو تهيبا، ولم تبرز فى فضائه أية تلميحات لصراع الواقع، ولم يستطع أن يشارك فى الحوار الفكرى والسياسى حول مسيرة هذا المجتمع وقتذاك.فيما بين أبريل 1954 و يوليو 1961، دخلت الثورة مرحلتها الثانية، حينما سارت من حركة ثورية تطيح بالعالم القديم إلى نظام ثورى يحاول أن يصنع عالما جديدا فى مواجهة العالم القائم بالفعل، ومع ذلك فلم تحسم الثورة موقفها من النظام القديم المعادى للشعب، واكتفت بضرب وإقصاء وعزل أقطابه السياسيين، دونما إقصاء للفكر والثقافة اللذين يمثلانه ويدشنان وجوده، رغم الغيبة الظاهرية لأقطابه، ومن ثم نقل المسرح هذا التجاور المتناحر بين الفكر القديم المسيطر إداريا وفنيا بوجوده السابق، والفكر الجديد الباحث لذاته عن وجود فى أرض مازالت تضطرب لعدم وضوح الرؤية النظرية، وغيبة التنظيم الثورى القوي، فظلت أعمال عزيز أباظة ويوسف وهبى وعلى باكثير وتوفيق الحكيم الذهنية مسيطرة على فضاء مسرح الفرقة القومية، بعد أن ضمت شعبتيها عام 1953 فى فرقة واحدة باسم الفرقة المصرية الحديثة، واسند إدارتها ل يوسف وهبي، فسار بها فى طريق الميلودرامات الزاعقة والهزليات الرخيصة، حتى يوليو 1956، حين قام يحيى حقى مدير عام مصلحة الفنون بإدارة أعمالها مؤقتا، ثم تم تعيين الضابط المثقف أحمد حمروش مديرا عاما لها مع بداية العدوان الثلاثى فى أكتوبر من نفس العام الساخن، فيتلازم حدث حاد مع تعيين عقلية وطنية مثقفة، خلال عرض مسرحية توفيق الحكيم ذات الرداء الفرعونى إيزيس والتى قام بإخراجها نبيل الألفي، فيتم إقصاء الترميز الفرعونى لقضية الحكم، لصالح الطرح الواعى لأعمال تتصدى للواقع وتتحدث بلغته، فتم تقديم ثلاث مسرحيات من ذات الفصل الواحد لجماهير الشعب ظهرا وبالمجان فى دار الأوبرا القديمة، وهى: صوت مصر أول أعمال الفريد فرج، من إخراج حمدى غيث، وعفاريت الجبانة ثالث أعمال نعمان عاشور، من إخراج نبيل الألفي، وقد سبق أن قدم له المسرح أول مسرحياته المغماطيس فى أكتوبر 1955 من إخراج إبراهيم سكر، ثم الناس اللى تحت التى أخرجها كمال يس، وافتتحت بها فرقة المسرح الحر موسمها فى أغسطس 56 بمدينة بورسعيد، ثم توقفت بسبب العدوان الثلاثى على المدينة، وأعيد الافتتاح فى مدينة القاهرة فى يناير 1957، ولازم ظهور نعمان والفريد وقتذاك، الكاتب الصحفى والقاص يوسف إدريس بمسرحيتيه القصيرتين جمهورية فرحات إخراج فتوح نشاطى والتى قام الكاتب نفسه بمسرحتها عن قصة قصيرة له، و ملك القطن إخراج نبيل الألفي، من خلال الفرقة القومية فى نفس موسم 56 / 1957، ثم توالى ظهور أبناء هذا الجيل الذى اتفقت رؤيته مع رؤية الثوار، ومنهم محمود السعدنى بمسرحية فيضان المنبع إخراج أحمد سعيد فرقة المسرح الحر 1958، ولطفى الخولى قهوة الملوك إخراج نبيل الألفى الفرقة القومية 1958، ورشاد رشدى الفراشة إخراج صلاح منصور فرقة المسرح الحر 1959.
وبلور هؤلاء الكتاب فى مفتتح العقد الستيني، و مع المخرجين الشبان الذين درسوا داخل وخارج مصر فن المسرح أكاديميا، بلوروا أبرز ملامح الجيل الجديد فى مجالى التأليف والإخراج المسرحيين، فقدموا فى أعمالهم هموم وأفكار الزمن الجديد، متجاوزين مسرح الانعزال، ومسرح المواكبة، ليدخلوا إلى مسرح المشاركة الذى يتعرض لإيجابيات وسلبيات الواقع، الطارح للصراعات الطبقية، الحالم بمصر جديدة تمتلئ بالحرية والانعتاق والرخاء، تجاوزا لأخطاء الماضي، وجبن الحاضر، مؤمنا بأن ملوك اليوم هم جماهير الشعب العاملة، الذين لابد من حمايتهم بالسلام المسلح، لا السلام المستسلم، كل ذاك فى إطار من الواقعية النقدية التى بدأت تبرز وبقوة فى روايات نجيب محفوظ وأفلام صلاح أبو سيف وغيرهما.وجاءت الستينيات قوية، فظهر سعد وهبة وميخائيل رومان ومحمود دياب وصلاح عبد الصبور وسعد أردش وكرم مطاوع وحسين جمعة وغيرهم، وبرزت على المسرح موضوعات جديدة لم تكن مطروحة من قبل أو كانت تطرح بشكل مبتسر، وبدأت تيمات الصراع الطبقى بمفهومه العلمى تظهر واضحة، وبدا الانحياز جليا للجديد الذى تحمل لواءه الطبقة البرجوازية بشرائحها المتوسطة والدنيا والمنتمين فكريا لها، ضد القديم الذى تمثله الشرائح المستغلة والمتعلقين بأذيالها، وتضاءل دور الصراع الأخلاقى المسطح بين الخير والشر، بين الأبيض والأسود، ليصبح فى خلفية الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، ولم يعد انتصار الخير قائما على قيم غيبية، وإنما بدأ البحث عن ضرورة تحقيق انتصارات له، تعتمد على القيم العلمية والموضوعية، كما بدأ المجموع يأخذ دوره فى فضاء المسرح كبطل قائد للحياة وصراعاتها، بدلا من دور الفرد القديم، كما بدأت الصياغة المسرحية تعتمد على الأساليب الواقعية فى التناول والبناء الفني، واللهجة العامية الراقية التى تتجاوز الهبوط المسف للغة الهزليات القديمة، كما أنها فى ذات الوقت، لا تتعقد أو تتجمد كلغة عزيز أباظة وباكثير وأمثالهما، إنها لغة الشعب الطامح للجمال الراقي، ومن ثم بدأت تظهر على هذا المسرح أشكال من المأثورات الشعبية كالأمثال والأغانى والرقص الشعبى ارتباطا بهذا التوجه الجديد للشعب.لقد تحول المسرح إلى برلمان فكري، وأضاءت فضاءه كل ألوان الطيف، فظل الصراع الثقافى قائما ومشتعلا بين الليبراليين والتقدميين بل وأصحاب الفكر المتعطن، وتجاور مسرح العبث ومسرح بريشت الملحمى جنبا إلى جنب التيارات التعبيرية والواقعية النقدية، وتصادم مسرح الوزير ثروت عكاشة الجاد بمسرح الوزير عبد القادر حاتم التليفزيوني، وجاء نقد الثورة قويا فى فضاء المسرح، سواء من داخلها أو من خارجها، فصرخ عبد الرحمن الشرقاوى فى الحاكم بلسان بطله الفتى مهران ألا يذهب بجيشه ليحارب فى السند اليمن، والعدو يهدد حدوده الشرقية، وطالب الفريد فرج من الحاكم، عبر بطله أبو الفضول بمنديل الأمان لكى يستطيع أن يجهر بالشكوي، وحذر سعد وهبه من ضياع سكة السلامة، وطالب الحاكم بعدم الاستماع لمن يضعوا العسل فى أذنيه.وصار المسرح يبحث عن مصره الجديدة، عبر يوتوبيا تتحقق فيها الحرية والعدالة الاجتماعية، حتى فوجئ بانقلاب مايو، وعودة أهل الكهف بعد تصالح خفى مع السلطة الجديدة، واندلع الصراع مجددا بين من يؤمن بأن الغد قادم على أسس علمية لا محالة، ومن يعتقد أن الأمس هو الصورة المثلى التى يجب أن يكون عليها هذا الغد المأزوم، وتعثرت مسيرة المسرح، ليس بسبب غياب الإدارة، وإنما بسبب وأد الإبداع، وتزييف الوعي، ومحو الذات أمام جبروت الأخر الغربي، وللحديث عنه وقت قادم.

  • Currently 60/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
20 تصويتات / 1609 مشاهدة
نشرت فى 4 مايو 2006 بواسطة sasa010

ساحة النقاش

عدد زيارات الموقع

109,970