
يد الله مع الجماعة ...
..
قصة قصيرة للروائية اللبنانية الراقية
هند نصر Hind Nasr
صديقة مشروع بنك لبنان الدولي
مصرف الصداقة بين الشعوب
..
كان في السادسة من عمره، الجمال يشع من وجهه المشرق. لعينيه الخضراوين بريق ولمعان يأسر الناظر إليهما من شدة الذكاء. أمّا ابتسامته السّاحرة فتجبرك للإبتسام بمثلها.
لكنّه يتيم الأب فهو برعاية والدته التي نذرت نفسها لأجله ولأجل أخواته الثلاث. فكانت تعمل لتؤمن لأولادها نفقات التعليم والمعيشة التي تليق بهم.
الولد الجميل الذي أحدثكم عنه اسمه «جمال».
جمال كان متفوقاً في صفه. علاماته ممتازة. اختارته مدرِّسة الفنون في المدرسة للإشتراك بتقديم مسرحية مع رفاقه بمناسبة احتفال سيقام بعيد المعلّم.
طبعاً طلبت مدرِّسة التمثيل من الطلاب المشاركين أن يحضروا ملابس جديدة مناسبة لأدوارهم. فكان على جمال أن يشتري بنطالا كحلياً، وتيشرت أبيض.
إشترت والدة جمال الثياب بم كان لديها من نقود. لكن البنطال كان مقاسه طويلاً يلزمه بعض التقصير أي حوالي (3 سم) ليصبح مناسباً على مقاسه. قالت الأم: الليلة تأخر الوقت وأنا تعبه. سأنهض عند الفجر بإذن الله وأقوم بتقصيره قبل ذهابي إلى العمل. نام الجميع، لكن الأم لم تستطع النوم. خافت أن لا تستيقظ في الصباح، فنهضت من جديد وقصّرت البنطل وهذا يتطلب قص القماش وإعادة حياكته. فأنهت عملها ونامت مطمئنة.
بعد قليل قامت الأخت الكبرى لجمال أحبّت أن تريح والدتها من هذا العمل في الصباح. فأيضاً نهضت بهدوء وقامت بتقصير البنطال (3 سم) وعادت إلى النوم مسرورة بفرحة والدتها التي ستلقاها في الصباح وإراحتها من هذا العمل باكراً.
كانت الأخت الوسطى لجمال نوت قبل أن تنام ولم تخبر أحداً بنواياها الجميلة أنها ستنجز هذا العمل في الليل. إنها مفاجأة الصباح لوالدتها ولأخيها الذي تحب. فأيضاً وللمرّة الثالثة يخسر البنطال (3 سم) من طوله. وعادت إلى النوم.
الحمدلله، أن الأخت الصغرى لا تجيد هكذا عمل فهي دلوعة البيت وصغيرة. نامت نوماً هانئاً تحلم بمشاهدة أخيها غداً في الإحتفال.
نهض الجميع في الصباح كل يحضر نفسه للذهاب إلى المدرسة. والأم إلى عملها. ارتدى جمال الثياب الجديدة، هذا هو يوم الإحتفال. ليفاجأ الجميع من قصر البنطال المضحك.
فلقد أصبح لا هو «شورت» ولا هو بنطال عادي.
جمال كان مصدوماً، أخواته لم يتمالكن أنفسهن من الضحك، أما الوالدة فكادت أن تبكي أمام مشكلة جديدة من مشاكلها التي تواجهها مع أولادها كل يوم. فهي في منتصف الشهر ولم يعد لديها نقود لمصاريف إضافية من أجل شراء بنطالاً جديداً، ثانياً لا تفتح المحلات في الصباح الباكر، أصبح الوقت محاشراً. «ما العمل يا إلهي».
تقدم جمال من أمه بعد أن غمرها ورأى دموعها التي تحاول أن تخفيها عنهم وقال لها. لا تحزني يا أمي سأرتدي البنطال وكأنه أعد للتمثيل دون قصد منّا. سأرتديه نفسه.
عانقته وقالت له تتصرف أكبر من سنّك يا حبيبي وكأنك تتحمل المسؤولية من الآن، فخورة بك !! كم أنت مسؤول!!
قدّم جمال المسرحية مع رفاقه بكل ثقة ومهارة وكان نجماً مميزاً عن كل رفاقه. فكان أكثر ممثل ملفت للنظر. لأداء الدور ببراعة ولبنطاله المهضوم الذي كان مناسباً جداً لدوره الكوميدي.
صفق الجمهور وصفّق وكأن التصفيق لجمال وحده. والأم تصفق والدموع تنهمر من عينيها لفرحتها بشخصية ولدها التمثيلية. أما أخواته فكنّ يعانقن بعضهن ويضحكن من شدة فرحتهن بأخيهم الوحيد. وعلى ما مرَّ معهُنَّ من مغامرات. وتعاون مضحك بينهن.
..
أصبحت المدرِّسة كل عام تختار جمال ليقوم بأدوار بجميع المناسبات والإحتفالات، فأبدع، وأصبح جمال يؤلّف مسرحيات في جميع مراحله التعليمية.
إلتحق في الجامعة ليدرس التمثيل المسرحي ويتخرج ممثلاً مشهوراً ينتظره جمهوره لمشاهدة أدواره بفارغ الصبر.
...
هند نصر
دميت – الشوف 29-3-2016
..