آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

<!--

<!--<!--<!--

كيد ساحر ..

و نساء هناء جودة البائسات ..

 هناء جودة .. كاتبة مصرية حفرت لنفسها مكاناً بين كتاب ( ولا أقول كاتبات ) القصة القصيرة بأظافرها الناعمة ، فأصدرت مجموعتين قبل الثالثة التى بين أيدينا الآن هما " معزوفة الانتصار " عام 1990 و مجموعة " جدارية حزن " عام 2012 ولها تحت الطبع مجموعة " مخاض " وديوان شعر بعنوان " للعشق أوقات أخرى " .. وهذا الكم من الانتاج الأدبى ربما لا يتناسب مع بداياتها المبكرة فى أوائل الثمانينيات عندما استقبلتها فى نادى الأدب بقصر ثقافة غزل المحلة بابتسامتها الودودة وإصرار واضح فى عينيها اللامعتين ضمن كوكبة من المبدعين الذين فرضوا أنفسهم فى الساحة الأدبية الآن ومنهم الوردانى والدش والمطاوعين لطفى وفراج وناصف وسركيس والفقى والشافعى والمطارقى وصفاء البيلى والراحلين عساكر ومعوض وغيرهم ..

ولا أقول " كاتبات " لأنى لست من أنصار تصنيف الإبداع الأدبى نوعياً إلى ذكورى وأنثوى أو عمرياً إلى كبار وأطفال ولا ينقصنا إلاّ تصنيفه شتوياً وصيفياً كما يحلو للبعض وليغضب من يغضب فالأرزاق على الله وحده .. ولنعد إلى مجموعتنا سريعاً حتى لا نتأخر على هناء لنجد " المذيع يقرأ نشرة الأخبار ، باردة هى ومستفزة ( نشرة الأخبار طبعاً ) .. اعتقال ، قتل ، حرق ، أزمة بنزين ، سلاح ، مخدرات ، موت فى طابور الخبز ، اغتصاب ، ترويع ، تشعر بغصة فى حلقها ، والدموع المالحة تخنقها .. أحست بسنواتها ضاعت هباء وها هى بين الوحدة و اليأس .. " ..

هذا المقطع أو هذه الصورة الغائمة الكئيبة فى قصة " هباء " أولى قصص المجموعة ، مقطع يبدو عرضياً فى منولوج داخلى يصف حالة خاصة لواحدة من نساء هناء جودة البائسات ، لكننا –  وبمحض الصدفة – نفاجأ بأن كل ماذُكر فى النشرة موزع على أحداث كل قصص المجموعة كشكل من أشكال القهر الاجتماعى الذى تتعرض له المرأة عند الكاتبة ، فابتداءً من القصة الأولى "هباء" نرى بطلتها تنتهى خبراً فى صفحة الحوادث ، وفى الثانية "هوية" نجد بطلتها " اكتشفت أن عنوان منزلها قد اختفى من حقيبة يدها وفقدت القدرة على العودة إلى مكان " ، وفى الثالثة " مكالمة متأخرة" تقول بطلتها لزوجها الذى تركها وابنها لسنوات طويلة ثم عاود مكالمتها ليعود إليها " لا تعُد فما فقدته لا سبيل لى باستعادته " ، وفى "مطر" تقول بطلتها " وهنا أفيق من غفوتى لأجدنى وحدى على الكرسى المتحرك، منذ أيام لم يطرق بابى سوى قطرات المطر"، وفى " كتابة " لا يأتى الإبداع إلاّ مغموساً بالدم ، وفى " صفعة " وبينما تجتر البطلة ذكرياتها الجميلة تفاجأ بزائر يطلب منها التوقيع على استلام ورقة الطلاق ، وفى " نعى" تقرأ البطلة بعينيها خبر وفاتها الذى نشره والدها وفى " جائزة " تصاب البطلة بالسرطان لكنها لا تستسلم وتصر على الحياة والنجاح ، وفى " مجهول " تموت البطلة حين يداهمها وزوجها مسلحون فى سيارتهما ، والقصة الوحيدة التى تغيب فيها المرأة شرارة " يقوم بدور البطولة فيها فتى صغير يتعرض للقهر من جانب الرجل الغنى والشرطة دون ذنب جناه سوى البحث عن لقمة العيش ، وحين يجد فى انطلاق شرارة الثورة يندفع مع الثوار ليهتف معهم " يسقط يسقط الاستبداد" حتى ترديه رصاصة شهيداً فى الميدان على نغمات البيان الذى يفيد سقوط النظام ..

ويبدو أن " السقوط " عند هناء جودة هو الرجل ، ذلك الذى نراه فى قصتها " أدب " لكنه للحقيقة ليس سقوط فرد وإنما سقوط مجتمع يتهم الناطق بالحق بمعاداة السامية والتطرف ويوسعه ضرباً وسباباً ويُبْعَد عن الندوات التى تحضرها الجميلة المشهورة بكتاباتها المتنوعة والتى يتغير أسلوبها بشكل يثير الدهشة فى إشارة خبيثة إلى أن هناك كثيرون يكتبون لها ، وفى النهاية نفاجأ بأن صاحبنا – بعد ما عانى من ظلم – يشارك فى الجريمة ذاتها ليسقطا معاً ..

تحتوى مجموعة " كيد ساحر " على ثلاثين قصة قصيرة بالفعل إذ لا يزيد أكثرها طولا عن ثلاث صفحات من القطع المتوسط ، فضلاً عن مجموعة يصل عددها إلى اثنى عشرة قصة تنتمى إلى القصة القصيرة جداً والتى استهوت عدداً كبيراً من الكتاب خاصة فى السنوات الأخيرة ولا أعرف سبباً لذلك ..

نعود إلى نساء هناء جودة لنجد أن القاسم المشترك بينهن أولاً أنهن بلا أسماء وثانياً ذلك الشعور الحاد بالوحدة واليأس والحزن النبيل والضياع فلا جليس ولا أنيس سوى الجدران الكئيبة أو نقرات المطر على النوافذ الزجاجية أو الذكريات القديمة ، ومن ثم ينتهين نهايات مأساوية تحت ضغط ألم نفسى وقهر اجتماعى ينتج عن الهجر والخيانة أو الإحساس بالعدمية رغم الحب والقدرة على العطاء الذى يملأ جوانحهن ورغم الصدق الذى يتجلى فى دموعهن الصافية ..

وتصوغ هناء هذه المشاعر الانسانية العميقة بلغة شعرية تعرف دروبها جيداً من خلال درايتها بالشعر وممارستها له كتابة ، فهى – كما قدمنا – شاعرة لها ديوان تحت الطبع ، مما يجعل من القصة لوحة فنية وأحياناً مقطوعة موسيقية وأعتقد أنها تفعل ذلك عن عمد فإذا ما تأملنا فى قصة " هباء " مثلاً صورة المرأة وهى تجلس أمام المرآة تمشط شعرها وفى نفس الوقت تستعرض ماضيها نشعر أنها لم تفعل ذلك عفواً ، تتكرر هذه اللوحات كثيراً فى قصص المجموعة كما تعتمد على أصوات الطبيعة فى ألحان مقطوعاتها الموسيقية كنقرات المطر وعواء الريح ..

            نشرت فى جريدة "مسرحنا"

         العدد 338 بتاريخ 6 / 1 / 2014

 

المصدر: الكاتب
samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 137 مشاهدة
نشرت فى 8 يناير 2014 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

59,370