آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

<!--

<!--<!--<!--<!--

عـطـر ودخـــان

يربط محمد العزونى بين فن السرد ( القصة والرواية ) وبين الأرض الطيبة وطينها الخصب فى دلتا النيل ، وقد تكون هذه العبارة بسيطة فى منطقها ، لكنها تحمل ولا شك قدراً كبيراً من العمق وبعد النظر فهى ليست عفوية بحال من الأحوال من حيث أنها  تتضمن الإشارة إلى أن المجتمعات الانسانية لم تعرف هذا الفن إلاّ بعد أن استقرت وشعرت بالأمان حول الزرع والماء وانتظار المحصول عاماً بعد عام ..  

ومحافظة الغربية باعتبارها جزءاً من هذه الدلتا الطيبة كان لها إسهام كبير فى هذا الفن استطاع العزونى فى كتابه " عطر ودخان " أن يضع أيدينا على جانب كبير منه ، وخص الجيل الحالى –  والذى ما زال يواصل عطائه –  بالدراسة بشكل موضوعى بلا تحيز جغرافى ولا تعصب قبلى ولا دافع عنصرى فى محاولة لتقييم الإبداع الأدبى فى منطقة محددة وفى زمن محدد –  ولو تكررت هذه التجربة فى كل المناطق لأصبح لدينا تقييم شامل لخريطة الحركة الإبداعية فى مصر – وربما كانت معايشته اليومية لهؤلاء الكتاب ولإبداعاتهم هى الدافع القوى لإصدار هذا الكتاب ، وهو  يشيرفى مقدمته إلى أن اهتمامه بهذا الجيل نبع من أن جيل الرواد نال بعضاً من حظه فى الدراسة والتحليل أمثال جار النبى الحلو وعباس أحمد وسعيد الكفراوى والمنسى قتديل وعبد الحكيم قاسم فى القصة والرواية وكذلك فى الشعر محمد فريد أبو سعدة ومحمد صالح ونشأت الشريف وأحمد الحوتى ومختار عيسى  وغيرهم ..

ولا يفوتنى أولاً أن أشير إلى أن محمد العزونى هو واحد من هؤلاء المبدعين الذين تناول أعمالهم فى كتابه ، فهو من كتاب القصة القصيرة المعروفين وصدرت له مجموعة " صفط تراب – نيويورك وبالعكس " عن مطبوعات الرافعى فى الثمانينات ، كما صدر له كتاب " مقاطع مبتورة من يوميات لم تكتب بعد " فى بداية التسعينات ، واختير العزونى رئيساً لاتحاد الكتاب فرع وسط وغرب الدلتا عدة دورات متتالية ، ويتميز بأنه يمارس النقد بصيغة الإبداع –  تحقيقاً لمقولة الشاعر الانجليزى        " ويليام وردزورث" أن التقد عمل ابداعى –  متبعاً منهجاً تحليلياً مع الاستعانة ببعض المناهج الأخرى حين تلزمه الحاجة فيلجأ أحياناً إلى البنيوية والمنهج اللغوى لإضاءة النص ..    

و فور قراءتنا لعنوان الكتاب " عطر ودخان " سنتسائل بالطبع من أين تأتى رائحة العطر الجميلة ومن أين يهب هذا الدخان الخانق !؟ ويتملكنا العجب حين نجد أن للعطر والدخان مصدر واحد هو هذه الأعمال الأدبية التى باحت بأسرارها للعزونى فهو كما سبق القول يربط بين الفن والأرض لحد العشق بين هؤلاء المبدعين ومنتجهم إلاّ أن هذا الارتباط لم يفرز قالباً واحداً متشابهاً ونموذجاً مكرراً ولكنه تجلى عند كل كاتب بطريقة مختلفة عن الآخر ، فمنهم من يتوحد عشقه للأرض بمرحلة الطفولة كما هو الحال عند جار النبى الحلو ، ومنهم من يمتزج عشقه للطمى بعشقه للغة فيروح يرقص ويغنى ويحكى منتشياً كالعصافير مثلما يفعل سعد الدين حسن ، ومنهم من يدفعه حبه للأرض والناس إلى البحث فى الجذور عن مفردات التراث الشعبى سعياً لتوظيفها فى قصصه كما يفعل المرسى البدوى وسامى عبد الوهاب ، ومنهم من يدفعه هذا الحب إلى تبنى قضايا المهمشين والفقراء كما هو الحال عند ربيع عقب الباب وجابر سركيس والوردانى ..

ورغم كل هذه التباينات والتمايزات يقسم العزونى هؤلاء الكتاب إلى فريقين ، يضم الفريق الأول الكتاب " الفلاحون " أى أبناء القرى حيث تسيطر أجواء القرية وهموم الفلاحين وحكمتهم  وقيمهم وتصوراتهم للكون على أعمالهم كما نرى عند سعيد الكفراوى وفريد معوض وعزت أبو رية وإيهاب الوردانى ومحمد نوح ومتولى الشافعى ومحمد العزونى .. بينما يضم الفريق الآخر ( كتاب البندر ) أبناء المدينة ( المحلة / طنطا ) وهؤلاء تسيطر عليهم مفردات المدينة بشوارعها الأسفلتية وميادينها الواسعة ودخان مصانعها الدائم وشبانها الشياطين خاصة إذا ما وقع فلاح فى أيديهم –  وجدير بالذكر هنا أن أولى قصص محمد العزونى التى نشرت بمجلة " إبداع " كانت بعنوان " حكاية الفلاح الفالح وكيف أضاع أرضه وبقرته " –  وهذه المفردات نجدها واضحة فى أعمال محمد عبد الحافظ ناصف وفخرى أبو شليب وجابر سركيس وربيع عقب الباب وعلى الفقى ، وإن كان هذا لا يمنع من تجلى العلاقة الجدلية بين القرية والمدينة فى معظم الأعمال بالضرورة لارتباط كلٌ منهما بالآخر اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً  ..

وربما كان هذا الامتزاج هو الذى أوحى للعزونى بعنوان كتابه " عطر ودخان " إذ تفوح رائحة العطر فى حروف جار النبى الحلو فى " القبيح والوردة " و " طعم القرنفل " و " عطر قديم " ممتزجاً بتشكيلات سعد الدين حسن فى " عطر هارب " .. ثم يتسع الفضاء لنجد فى جانب منه دخان كثيف يتصاعد فى السماء من مداخن المصانع نشم رائحته عند محمد ناصف فى " الفواريكا " وهو اسم قديم لشركة غزل المحلة اشتهرت به فى بداية عملها والذى يبدو أن أصحاب مصانع النسيج النولى الذين كانت المدينة تعج بهم هم الذين أطلقوه عليها احتقاراً أو غيرة إذ تسببت الشركة فى إغلاق مصانعهم فاستسلموا للواقع الجديد ، وتتميز شركة الغزل هذه بساعتها الضخمة التى يصل صوتها إلى القرى القريبة حين تدوى إيذاناً ببداية وردية أو نهايتها بانضباط صارم والتى شكلت إيقاع الحياة فى رواية " فؤاد فؤاد " لمحمد داوود ..

ويضم كتاب " عطر ودخان " دراسات نقدية فى القصة القصيرة لكل من .. المرسى البدوى ، إيهاب الوردانى ، ربيع عقب الباب ، عزت أبو رية ، متولى الشافعى ، محمد عبد الحافظ ناصف ، ومحمود عرفات .. وفى الرواية لكل من .. سعد الدين حسن ، عادل عصمت ، فخرى أبو شليب ، فريد معوض ، ومختار عيسى ..   

نشر فى "مسرحنا" العدد :323 بتاريخ 23 /9 /2013


samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 139 مشاهدة
نشرت فى 26 سبتمبر 2013 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

59,358