آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

           

<!--<!--<!--<!--<!--

 

 مونودراما

 

انتقـــام

 

  ( حجرة متواضعة فى منزل المواطن س ، لا يتعدى أثاثها فراش بسيط وخزانة كتب قديمة تناثرت كتبها بداخلها وخارجها وعلى قطع الأثاث المتفرقة ودولاب ملابس ذو ضلفتين وعلى أحد الحوائط مرآة مربعة مغبشة وأشياء متناثرة بلا نظام وراديو صغير قد علاه الغبار )

 ( المواطن س فى فراشه نائم ومغطى حتى وجهه ، من تحت الغطاء تمتد يده بحركة تلقائية ليدير مفتاح الراديو الذى ينطلق بصوت محشرج مذيعاً نشرة الأخبار الصباحية ..)

صوت الراديو : وفى حادث مماثل قام شخص آخر بتفجير نفسه جنوب العاصمة وسط سوق تجارى مزدحم مما أدى إلى سقوط العشرات ما بين قتيل وجريح .. هذا وقد صرح مصدر مسئول فى الحكومة بأنه يعتقد أن هناك جهات أجنبية وراء هذة العمليات الانتحارية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد وتشويه وجه النظام الديموقراطى .. ( فاصل موسيقى قصير ) ضرب زلزال بقوة 7 ,6 بمقياس ريختر جنوب اندونيسيا مما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا تشير التقارير الأولية إلى أنه يتجاوز المئات فضلاً عن تشريد الآلاف من سكان المنطقة وما زال الرعب يسيطرعلى الناس خشية التوابع .. الضحية رقم 47 لفيروس انفلونزا الخنازير لشاب فى سن التاسعة عشر ( فاصل موسيقى ) ..

المواطن : (ينهض بنصف جسده وهو يفرك عينيه يبدأ فى الحركة ببطء وهو يتكلم  )

 هذا صباح آخر ، لكنه مثل كل صباح ، منذ سنوات يصحو المرء على أنباء القتل والموت فى كل مكان على وجه الأرض ، البعض يموت بسلاح أخيه ، والبعض بسلاح عدوه ، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره ، فها هى ظواهر الطبيعة تنافس الإنسان فى الفتك بالإنسان ، هذا زلزال بقوة 5 أو 6 على مقياس ريختر يودى بحياة الآلاف ويشرد آلافاً أخرى ، هذا إعصار يضرب ساحلاً يفعل مثل أخيه ، وذاك بركان يسأم من طول ركوده فيقرر أن يشعل ثورة تطيح بآلاف البؤساء .. وذاك وباء فتاك من صنع الإنسان يحصد مئات الأرواح هنا وهناك من أجل عيون البحث العلمى ، هذا وذاك وهذا .. هذا ما يحدث كل صباح ، بدلاً من أن تسمع زقزقة العصفور الفرحان بنور الصبح يشدو ألحان البراءة .. لكن الحق أقول لكم .. ما زال الإنسان متفوقاً فى مضمار صنع الموت حتى جعل من الموت طقساً يومياً يطالعك فى كل ما تقع عليه عيناك ، بدءً من صحيفة الصباح اليومية  وفنجان القهوة حتى عجلات آخر قاطرة ليلية ، يكفى أن يشعل حرباً شاملة تقتل ربع شباب العالم وتدمر أجيالاً أخرى ، فى هذا العالم بؤرة شر يتحتم أن تستأصل ، لكن ماذا بعد .. ؟ هذا هو السؤال .. ؟ سؤال محير بلا شك .. وماذا بعد ؟ ترى ..! هل أحد عنده رد .. ؟ هل يمكن أن يكون على ظهر الأرض من يعرف ماذا بعد ؟ رحماك يا ربى ( تمتد يده لتغلق الراديو ) لنوقف سيل الدم قليلاً إذ يبدو هذا اليوم كئيب وشهية صناع الموت مفتوحة كأبواب الجحيم ..    

 آاااه ، على أن أغادر فراشى فى مثل هذا الوقت من كل يوم ، أمارس طقوسى اليومية مثل الأمس  وقبل الأمس ، لا .. لا .. الأيام المفردة لا تصلح فى العد  يمكن أن نستخدم الأسابيع أو الشهور أو إن شئت السنوات ( يتحرك بين أشيائه داخل الغرفة بشيئ من العصبية ) فى الواقع لا فرق على الاطلاق .. بل أستطيع أن أجزم بأن الغد كاليوم كالأمس .. آه .. هذا العالم لا يتغير بسهولة  هذا العالم جد معقد وغير مفهوم .. يبدو .... يبدو أنى أمارس طقس الهذيان اليومى ..!! لا .. لا .. لن أفعل .. منذ البارحة عزمت على ألا أفعل هذا الجرم ثانية .. حقاً كنت قد عقدت هذا العزم فى الأسبوع الماضى أو الذى قبله .. لا أذكر بالضبط .. لكن لا بأس .. لا بأس .. يوما ما سوف أنفذ ما أنوى .. لكن .. آه ، إننى اليوم متعب قليلاً .. نعم .. يبدو أنى اليوم لست على ما يرام ، أشعربآلام فى أعضائى ومفاصلى تكاد تعجزنى عن الحركة ، أشعر أنى متيبس وكأنى كنت طوال الليل أصارع تنيناً أو ذئباً أو ما أشبه .. أليس من الأفضل أن أستريح لدقائق أخرى ، أم أن الراحة أضحت أكذوبة وسراباً نسعى خلفه دون وصول .. آااااه .. استرح أيها الجسد المنهك .. استرح قليلاً ( يتمدد جاذباً الغطاء على جسده .. يظلم المكان تدريجياً مع موسيقى تصور أحلاماً مزعجة .. تنتقل بقعة الضوء إلى صدر المسرح لنشاهد شاشة تشبه خيال الظل ، تضاء هذه الشاشة لنرى خلفها شخصاً يمسك سكيناً يرفعه ببطء ثم يطعن نفسه ، يتهاوى ساقطاً على الأرض وهو يطلق صرخة المصروع .. تظلم الشاشة وفى نفس الوقت يضاء المسرح إضاءة خفيفة ، يدخل نفس الشخص وبيده سكين مندفعاً وكأن هناك من يطارده مطلقاً صرخة شبيهة بالأولى وإن كان بها ما يوحى بأنها صرخة انتصار .. يظل يدور حول نفسه دون أن يستقر)   أنا الذى قتلته .. نعم .. أنا .. أنا ولا أحد غيرى .. قتلته بيدى هذه .. لا .. لا بل قتلته بهذه السكين ، لا لا .. بيدى .. أنا القاتل .. أقسم أننى القاتل .. أنا القاتل ( يتهاوى على الأرض وهو يردد بصوت ينخفض تدريجيا ) أنا القاتل .. أنا القاتل .. ( يبكى بكاءً صامتاً للحظة .. ثم ينهض فجأة وتتخذ ملامحه من يتحدى العالم ) نعم .. أنا القاتل .. أنا من قرر وفكر ونفذ .. ما من أحد حرضنى ، ما من أحد وضع الفكرة برأسى .. ما من أحد وضع السكين بيدى .. أنا الفاعل .. أنا القاتل .. لا تكلفوا أنفسكم مشقة البحث والتحرى فأنا بين أيديكم .. أعترف بذنبى – إن كان خلاصى ذنب – نعم  أنا معترف ومُقِرّ .. أليس الاعتراف عندكم سيد الادلة .. ؟ إذن فأنا أقول لكم يا من تبحثون عن العدالة .. أنا القاتل .. أنا المذنب .. أقولها بملئ فمى وأنا بكامل قواى العقلية وبحكمة السنين الطويلة الممتدة ، أقول لكم .. أنا الذى قتلت هذا الشخص الماثل أمامكم ( يشير إلى خلف الشاشة التى تضاء لحظتها لنجد ما خلفها خاليا .. تنتقل بقعة الضوء إلى فراش المواطن الذى يهب فزعاً وهو يلهث صائحاً .. أنا القاتل .. أنا القا ... ) .. ياااه .. يا إلهى .. أكان هذا حلماً  لا..لا.. لم يكن حلماً .. كان حقيقة .. نعم .. لا .. بل كان كابوساً .. نعم بالتأكيد .. كان كابوساً مرعباً  كا .. كيف يمكن أن يتداخل الحلم بالحقيقة لهذا الحد .. أشعر أنى طعنت شخصاً بالفعل ، أشعر أيضاً أن شخصاً ما طعننى بسكين .. ما زلت أحس بوخز السكين بصدرى .. هل كانت معركة ، لم يحدث لى أن شاركت فى أية معركة من قبل ، لا أذكر أنى خضت عراكاً مرة .. حتى فى أيام طفولتى التعسة .. أبداً لم أضرب أحداً .. بل إنى لا أعرف كيف أمد يدى لأمسك بخناق أحد .. لا أذكر أنى حاولت استرداد ما يؤخذ منى من لعب وخلافه .. بل إنى كنت أهرول حين يشب عراكا بين الأقران .. هل كنت جبانا أم كنت عاقلاً كما تقول أمى ؟! (يقلد صوت الأم ) أنت ولد عاقل وطيب ، ما دمت تكره العنف والعراك فأنت ولد طيب ومسالم ، العنف يا ولدى لا يلد إلا عنفاً ، يجعل من هذا العالم غابة موحشة ، هل تريد أن تعيش فى غابة موحشة ؟ (بصوته هو ) لا .. لا ياأمى الطيبة .. لا أريد أن أعيش فى غابة تعج بالوحوش من كل الأصناف والأشكال .. لا يا أمى الطيبة لا .. لن أقاتل ولن أشاغب .. لن أرفع حتى صوتى حين يدوس أحدهم قدمى ، سأكتم ألمى بداخلى ، لن أنطق حرفاً إذا ما صفعنى أحد على خدى ( حركة ) لكن عفواً يا أمى .. فهناك شخص آخر يرفض كل أوامرك ، لا تقنعه نصائحك ، يأبى أن يقبل هذا الوضع .. هذا الشخص الآخر يقبع هنا (يشير إلى صدره بقبضته فيشعر بالألم ) يمسك بخناقى ، يجثم على صدرى كجبل ، أحاول أن أتملص منه .. يطاردنى بإصرار ويلح علىّ أن أخرج من قمقمك السحرى .. اكسر قيدك واصرخ " لا " .. هذا العالم قاسٍ وضنين .. لن تأخذ منه شيئاً إلا بالقوة .. (بلهجة نصح وتهديد) بقدر ما تملك من قوة ستفوز بما تبغى .. وبحسب سلاحك ستحصل على ما تريد (بلهجه ضعف) وأنا يا أمى أعزل ، وطيب ومسالم فداستنى الأقدام وسط زحام البشر المجنون .. تاهت خطواتى على أرصفة الأيام الصعبة .. يسلمنى صباح لمساء بلا معنى ، ومساء لصباح بلا طعم حتى خلت أنى ميت .. جثة تتحرك بلا هدف .. (لحظة صمت) هذا العالم مجنون بلا شك .. يخيل إلى أنى مجنون أيضاً ، مثل كل شيئ حولى .. لست عاقلا ولا طيبا يا أمى .. أنا مجرد مجنون تافه ، نكره ، ظل مر على الأرض ولم يترك أثرا (لحظة صمت) حتى فى الجامعة حين ظننت أنى أصبحت رجلا ومسؤولا وعزمت على أمارس نشاطا ما مع بقية الزملاء لم أفعل ! لماذا ..؟ لست أدرى حتى الساعة ! هاتف بداخلى يصرخ فىّ أن تقدم .. لم أجرؤ ..! كنت أخاف وأرتعد من كل شيئ ، من كف أبى إذ يلطمنى حين أخطئ كما يخطئ كل الأطفال ، من هراوة جندى الشرطة فى أول مظاهرة للطلاب تطالب بالحرية ، من عتمة الزنازين القاسية وبلاطها البارد ، من زحام الشوارع وعيون الناس ، لم يكن أمامى من مفر غير الهرب ، هربت إلى الكتب أقرأ وأقرأ ، عشت عوالم أخرى تتنفس خيرا وجمالا ، كان الكتاب هو ملاذى الوحيد، (لحظة صمت) آااه .. فى تلك الأيام الكثير مما يخجلنى ، نظرات الزملاء حين يثور الطلاب لأمر ما ولا أشاركهم ثورتهم كانت تحرق جلدى ، أتفصد عرقاً ، انكمش فى ذاتى حتى ظنوا أنى مريض ، وهذا أهون من ظن البعض بأنى جبان رعديد .. عندئذٍ كان الصوت الكامن فىّ يظل طوال الليل يوبخ فىّ ، أحاول أن أسكته بلا جدوى .. إن أمسكت كتاباً أطل من بين سطوره يسخر منى ، وإن أغمضت عيونى ،ترائى لى شبحا بلا ملامح لكنى أحس بغضبه .. (يصرخ) اللعنة .. اللعنة عليك وعلىّ أنا قبلك ، هل تظن أيها الشبح السخيف أنى سعيد بهذا ، لا .. أنا أكره نفسى ، أحاول أن أفعل ، لكنى لا أجرؤ.. ابتعد عنى .. لا أريد أن أراك أو أسمع فحيحك السام وإن لم تبتعد عنى فسأقتلك ولن أتردد ، ستكون بوجهك الكالح هذا أول ضحايا ثورتى على كل شيئ ، لكنك لن تكون آخرهم .. أقسم لك أنى سأنفذ تهديدى هذا يوما ( يتهاوى) ما نفذت وعيدى قط ، لا أتصور أن تمسك يدى سلاحا أبدا .. لماذا إذن أحمل سكيناً فى أحلامى .. بل وأطعن شخصاً لا أعرفه .. هل هذا معقول ؟ لا  لا .. هو إذن حلم أو كابوس داهمنى (صمت)   لا .. لا ..ليس حلماً ولا كابوساً .. ليس وهماً ولا خيالاً .. ما حدث كان حقيقة أكاد ألمسها بيدى .. قبضة كفى على مقبض السكين .. نصل السكين اللامع فى غبش الليل .. رعشة تسرى بجسدى .. صرخات وحشية .. وخز السكين بصدرى ..  صرخات الألم المكتوم تدوى بأذنى حتى الآن .. لكن ..! من أنا  أيهما أنا ..؟ القاتل أم المقتول ..؟ آااااه ... ( بانهيار) يااامن يأخذ عمرى كله .. ويعطينى جوابا لسؤالى ..! (فترة صمت ينظر فى ساعته ) لقد مر الوقت وسأذهب لعملى متأخراً كالعادة .. هيه .. علىّ أن أتحمل تقريع رئيسى .. وجبته اليومية التى يبدو أنه يتلذذ بها أكثر من أى شيئ آخر فى هذا العالم .. (ضاحكاً باستهزاء ) لماذا أحرمه من لذته ؟ فلأتأخر أنا وليتلذذ هو كما يحلو له ( تمتد يده بشكل تلقائى لتفتح الراديو، تنطلق منه أغنية لفيروز .. خداك قد اعترفا بدمى ، فعلام جفونك تجحده ) عجباً ، حتى الأغانى ملوثة بالدماء !؟ لا بأس ما دامت دماء عشق وهوى .. أشعر أنى متعب قليلا هذا الصباح (يتحسس صدره ويتأوه) ، هذا الألم الحاد بصدرى لا أعرف له سببا .. ( يتحرك ثانية  يتجه لرف عليه بعض الأشياء الخاصة به ) ترى أين فرشاة أسنانى ؟ ( يتوقف متحيراً ) بالتأكيد لن أجدها بسهولة كالعادة (يدندن مع فيروز) لا أدرى لماذا تختفى هذه الفرشاة اللعينة كلما احتجت إليها .. كل أشيائى تأبى أن أجدها بيسر .. فرشاة الأسنان ، شفرة الحلاقة ، الكتب ، حتى القمصان وربطات العنق الخانقة .. كل هذه الأشياء اللعينة تحرص على الهروب كلما احتجت إليها ..  لا أدرى لماذا ؟ أتراه إهمال منى ؟ ربما .. على أية حال أين أنت يا فرشاة أسنانى الخبيثة .. (يتلفت باحثا بيديه بين الأشياء ) الآن أريد فرشاة الأسنان .. ولابد من العثور عليها .. لنبحث هنا .. ( تعبث يده بعصبية ويلتقط شيئاً يجعله يقف مذهولاً وقد جحظت عيناه ) ما هذا ..؟ ( يرفع يديه أمام عينيه متجهاً إلى صدر المسرح وبها سكين ملوثة بدماء ) ما هذا ..؟ سكين ..!؟ من أين أتت هذه السكين ؟ لا أذكر أنى اشتريت سكيناً يوماً .. ولا اقترضتها من أحد .. ولا أهدانيها أحد .. من أين جاءت إذن ؟ ( يبدو كأنه تذكر شيئاً ) آاااه .. الحلم .. أقصد الكابوس .. لم يكن حلماً إذن !! ماذا يعنى هذا ..؟ رباه .. أكاد أفقد عقلى .. لا لا .. ربما أكون قد فقدته بالفعل .. وإلا فما معنى ما يحدث لى اليوم .. أشعر أنى أتأرجح ما بين اليقظة والنوم .. بين الواقع والوهم .. يختلط كل شيئ فى عقلى ..لا أبصر إلا ضبابا فى ضباب ( يتجه بنظره جهة عمق المسرح حيث الشاشة المضيئة .. يقلب عينيه بين السكين والشاشة ، يندفع خلفها لنراه من خلالها يروح ويجيئ فى ذعر للحظة ثم يندفع لمقدمة المسرح فى غاية الذعر ويتحدث بصوت متقطع ) ياللهول .. ياللمصيبة .. جثـ ... جثة !؟ جثة فى بيتى ..؟ يا للمصيبة .. قتيل .. (بذعر شديد ما بين المقدمة وصدر المسرح وبحركة لا تهدأ ) جثة حقيقية .. شخص مقتول بالفعل هناك .. مـ ... ماذا أفعل ؟ ماذا أفعل ..؟ ياربى .. (للجمهور) فليساعدنى أحدكم  أرجوكم .. أنا فى مأزق ، بل فى ورطة ، أنا فى مصيبة بالفعل .. أرجوكم .. ساعدونى .. (بيأس) لا احد يريد مساعدتى .. آااه .. على أن أواجه مصيرى وحدى .. هؤلاء الناس لن يساعدونى .. على الأقل أيها السادة لا تبلغوا أحداً بما رأيتم .. خاصة الشرطة .. أرجوكم .. انتظروا قليلا حتى ينجلى الأمر ونعرف ماذا حدث بالضبط .. و.. ومن هو صاحب هذه الجثـ.. ؟  حقاًً ، إنى لم أسأل حتى من يكون ؟.. ترى من هو هذا المسكين ..؟  ( ينطلق إليه ونراه خلف الشاشة ويعود بعد برهة) ليس فى ثيابه شيئ يثبت شيئا .. لا هوية .. لا اسم .. لا عنوان .. لاشيئ يدل على شيئ ! لكن من قتله ولماذا ..؟ ( للجمهور) أيكون أحدكم هو القاتل ..؟ لا .. لا أظن ذلك معذرة فأنتم قوم طيبون .. مسالمون .. مثلى تماماً .. إذن من قتله..؟ أأكون أنا ..؟ ر.. ربما .. لكنى لم أقتل أحداً قط .. لا أعرف أصلاً كيف يكون القتل ..! ( لنفسه ومن يتخيله محقق) ها قد فعلت .. أنا!؟ مستحيل .. ما بال هذى السكين إذن..؟ لا أدرى .. لا أعرف .. لا أعرف لمن السكين .. لا أعرف لمن الجثة  لا أعرف ماذا يحدث فى هذا اليوم الغريب .. أغرب عن وجهى الآن .. أغرب عنى وإلاّ قتلتك ( تتردد ضحكة ساخرة فى الخلفية ) ها أنت ذا تذكر القتل ثانية بل وتهدد به ، قل حقاً ألم تقتل من قبل ..؟ لا .. لم أقتل .. صدقنى ، ولماذا أقتل أحدا أيا كان ..؟ للقتل مئات الأسباب ! قد يكون انتقاماً .. وقد يكون انتحاراً .. وقد يكون رغبة فى إثبات الذات .. وقد يكون (صارخاً) كفى .. كفى بالله عليك .. من أنت؟ من تكون لتنصّب من نفسك قاضياً أو محققاً يطرح أسئلة بلا معنى ..؟ هيا .. هيا اغرب عن وجهى ودعنى فى ورطتى (يتجه للجمهور) يا سادة .. أرجوكم .. من فضلكم .. أقبل أياديكم .. ساعدونى .. لا أعرف ماذا أفعل ..؟ لا حيلة لى أو قوة .. الأمر بأيديكم أنتم .. قولوا لى .. أشيروا على ماذا أفعل ..؟ لا جواب .. لارد .. لا يهم لا يهم  .. حان الوقت لكى أكون إيجابياً .. سوف أواجه مشكلتى .. لن أهرب كما كنت أفعل دوماً .. الحل الآن هو أن أخفى الجثة .. نعم .. هذا هو الحل الأمثل فبدون الجثة ليست هناك جريمة .. وبدون جريمة لا محاكمة ولا أسئلة سخيفة .. لكن .. أين يمكن أن أخفى جثة !؟ (للجمهور) أين تخفون الجثث يا سادة ..؟ سؤال سخيف كما يبدو من هيئتكم .. معذرة فالوضع الراهن بالنسبة لى ينسينى أصول اللياقة .. (ينظر فى ساعته) تأخر الوقت كثيراً ، يبدو أنى لن أتمكن من الذهاب إلى العمل اليوم (يعود للعبث على الرف) بل لن أذهب عمداً وليضرب رئيسى فى العمل رأسه فى الحائط  أو ليبحث له عن تسلية أخرى .. فضلاً عن أنى سأستريح يوماً من ثرثرة الزملاء الفارغة حول لعبة الكرة وفيلم السهرة والسياسة وارتفاع الأسعار وهموم الصغار ومطالب زوجاتهم التى لا تنتهى .. لا أعرف كيف تحملت كل هذا اللغو الفارغ كل هذه المدة الطويلة .. اللعنة .. اللعنة على كل زملاء العمل وعلى العمل نفسه .. آاه .. أهذه أنت ؟ فرشاة أسنانى ، لقد وجدتها أخيراً .. أين كنت أيتها الفرشاة ؟ عليك اللعنة أنت أيضاً .. لم تعد لى حاجة بك ، هناك  ما هو أهم منك الآن ( يلقى بها ) لست أدرى لم أعثر على الشيئ الذى أبحث عنه بعد فوات الأوان دوماً (يواصل العبث) يبدو أننى قد نسيت ما أبحث عنه (يضحك) حقاً عم أبحث الآن..؟ (يمسك بشيئ غاضباً)  آه .. أنتِ !؟ أنتِ مرة أخرى .. عليك اللعنة .. آه لو أعرف من أين أتيتِ أو من جاء بك ؟ ( يتأمل السكين ويواجه بها الجمهور) هل يعرف أحد منكم يا سادة من صاحب هذى السكين ؟ أنا لا أتهم أحداً بالطبع .. لكنى فقط أتسائل .. معذرة مرة أخرى ، فهو سؤال سخيف أيضاً معذرة يا سادة .. لا تؤاخذونى فالوضع جد خطير ومحير (بإيقاع سريع) الأولى الآن أن أخفى هذى السكين فهى أداة الجريمة كما يقولون فى مثل هذه المواقف وهى دائماً أول ما يبحثون عنه عند اكتشاف جريمة ما فإذا لم يجدوا أداة الجريمة ، يظل الأمر معلقاً .. لكن أين .. أين ..آه هنا (يخفيها تحت وسادته) أليس كذلك ؟.. لا لا.. هذا أول مكان سوف يبحثون فيه بالتأكيد .. بل هنا أفضل ( يمسك كتاباً ضخماً ويضعها بين صفحاته ويدسه فى خزانة كتبه) نعم هنا أفضل (يتوقف فجأة متفكراً) آه لقد نسيت ما هو أهم ، أنشغل بإخفاء أداة الجريمة قبل أن أخفى جسم الجريمة نفسه ، أقصد الجثة .. (ينطلق بسرعة إلى خلف الشاشة يجر جثة وهمية ويتجه بها ناحية فراشه) كم هى ثقيلة هذه الجثة .. معذرة يا سيد ، لا أعرف لك اسما حتى أناديك به ، وعلى أية حال لا يحتاج الأمر لأى نداء لأنك بالطبع لن تسمعنى ولن ترد على أسئلتى الغبية.. تعالى هنا .. يجب أن تختفى تماماً (يتوجع بشدة واضعاً يده على صدره) أين أضعك الآن .. تحت الفراش ؟ لا لا ، هذا غير لائق .. نعم .. هنا .. نعم هنا ..على الفراش .. ليس لدى مكان آخر (يتوجع بشدة ، يتحامل على نفسه حتى يضع الجثة الوهمية على فراشه ويغطيها) آااه .. صدرى يؤلمنى .. ما عدت أحتمل .. رأسى يدور .. يدور .. قواى تخور .. تخور ..  (يتهالك جالساً على فراشه تمتد يده على صدره ، يرفعها أمام عينيه ) ما هذا !؟ أهذا دم !؟ (برعب) يبدو ذلك .. ما معنى هذا .. لماذا أنا جريح .. من طعن من !؟ أنا أم هو ؟ من هو ومن أنا ؟ أأنا الذى قتلته  .. أم هو الذى .... ! لالالا  الأمر مريب .. لم أعد أفهم شيئا .. (بضعف ويأس) لا يهم .. لا يهم .. يا سادة .. من أراد أن يبلغ الشرطة فليفعل .. لم أعد أخاف من شيئ .. لم أعد أخاف من أحد .. هذا العالم سيئ ومعقد ومحير.. يصحو فيه المرء على أنغام الموت ، وينام على موسيقاه الوحشية .. أمى الطيبة الحنون .. مدى لى يدك .. خذينى فى أحضانك يا أمى .. أحن إلى الدفء والسلام والأمان .. أحن إلى صوت عصفور صغير يزقزق حين ينجلى الظلام وتبدو تباشير الصبح فى الأفق البعيد .. خذينى ياأمى (يئن) أنا .. أنا القاتل ولا أحد غيرى .. أنا المقتول كذلك .. أنا متعب وجريح .. أريد أن أنام .. أن أنا ......       

        ( الكلمات الأخيرة وهو يأخذ وضع النوم فى المكان الذى مدد فيه الجثة وينتهى مع سقوط رأسه على وسادته جاذباً الغطاء على وجهه كما كان الوضع فى البداية )

( إظلام )

 

نشرت بجريدة " مسرحنا " العدد 257 بتاريخ 18 / 6 / 2012 .








المصدر: الكاتب
samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 109 مشاهدة
نشرت فى 9 يوليو 2012 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

63,174