آفــــــــــــــاق

الموقع خاص بالكاتب ويتضمن إنتاجه الأدبى المنشور

فن القص الشعبى

فى الثقـــافـة العـربـيـة

          عرف المجتمع العربى فنون القص الشعبى، كما عرفته كل المجتمعات الإنسانية فى فجر تاريخها ، فلم يكن المجتمع العربى منعزلاً عما حوله من مجتمعات ، كما كان خاضعاً لقوانين الحياة من هجرة من وإلى أماكن أخرى من العالم، وما يتبع ذلك من تأسيس دول وقيام حضارات وتأثير ويأثر بما يحيط به ويلتحم به من شعوب أخرى ..

          ولكن -  وفى إطار الحملة الاستعمارية الشرسة – التى يشنها الغرب بعلمائه ومفكريه منذ زمن طويل وحتى اليوم على الثقافة العربية ، نجد أنهم يحاولون ترسيخ مقولة ساذجة جوهرها " أن العقلية العربية تنزع بفطرتها إلى التجريد ، وتنأى بجانبها عن التجسيم والتشخيص" ، وذلك لسلب العقلية العربية أحد مقوماتها المهمة للإسهام فى الحضارة الإنسانية بوجه عام ، والتقليل من شأن الحضارة العربية بوجه خاص ..

          وعندما نتناول هذا الموضوع فإننا لا نعنى به الدفاع عن الهقلية العربية – لأنها ليست فى موضع اتهام حقيقى – ولكن من باب أن هذا تراثنا ومن حقه علينا أن ندرسه ونهتم به ونستخرج منه ما يضئ لنا طريقاً إلى المستقبل ..

          ومن النظرة الأولى فى تراثنا القصصى نجد أن اللغة العربية تمتلك طائفة من المصطلحات التى تعنى تواجد فن القص فى الثقافة العربية كعنصر أساسى من عناصر التعبير الشعبىمنذ أقدم العصور، وهى مصطلحات تدل أيضاً علىتطور مناهج السردالقصصى وأشكاله وكذلك على تنوع يتجاوز السكل إلى التقاليد القصصية ..

          من هذه المصطلحات – على سبيل المثال – مصطلح " حكاية " من المحاكاة والتقليد ، وقصة من قص الأثر أى تتبعه ، والمقامة وهى نوع من القصص ظهر على يد " ابن دريد " أو بديع الزمان الهمذانى ..

          والمقامة من مقام ، أى قيام واحد من الراشدين فى القبيلة لكى يسرد على مسامع الحاضرين حديثاً يختلف عن الخطبة ، والمقامة فى صورتها الأدبية تحمل معنى التطور من الحديث المباشر إلى الحديث غير المباشر.. ومنها أيضاً مصطلح " المثل " الذى يستخدم للدلالة على نوع متميز من أنواع الحكايات والقصص ، وكذا المصطلح الشائع " حدوته " وهو فى أصله اللغوى يعنى الحدث والإخبار عنه فى وقت واحد ..

          كما نجد أيضاً مصطلحى" أساطير"و" قصص " ، وقد ورد لفظ " أساطير الأولين " فى القرآن الكريم تسع عشرة مرة ، وكذلك لفظ " قصص ، ونقص ، وقصصهم " فى أماكن عديدةفى القرآن،ولهذا دلالته الواضحة إذا علمنا أن القرآن الكريم يعتبر منتهى اللغة العربية وقاموسها الأول ، وأنه نزل بلغة العرب أى بما يعرفون ويعلمون من الكلام ، والمعانى والدلالات ..

          والحكايات الشعبية – بوجه عام – ترتبط بالأسطورة ارتباطاً عضوياً وهما نتاج التفكير الأسطورى منهجياً ، وتتحدد العلاقة بين الأسطورةوالحكاية الشعبية فى ثلاث احتمالات هى :

أولاً : أن الأسطورة انحدرت عن القصص الشعبى المتواضع الذى طمس التاريخ معالمه ..

ثانياً : أن الأسطورةوالحكاية الشعبية ترجعان إلى منبع واحد ..

ثالثاً : أن الأسطورة انفرطت إلى حكايات شعبية ، سواء بتأثير صنعة القاص ، أو تبددها تحت تأثير عناصر ثقافية أقوى ..  

 وبالرغم من عدم وجود الشكل المتكامل للأسطورة فى التراث العربى المتأخر ، إلا أننا نستطيع أن نلحظ ببساطة أن منهج التفكير الأسطورى فى العقلية العربية يدل بوضوح على وجود هذا الشكل من زمن بعيد ، مما يرجح أن النموذج الأسطورى المتكامل لم يصل إلينا لسبب أو لآخر لاسيما وأن العصور الجاهلية المتأخرة التى استطاعت المصادر تسجيلها لم تكن تمثل العصر الأسطورى الذى يمكن أن تتكون فيه الأسطورة ، ذلك أن هذا العصر لا يمثل عصر البراءة والسذاجة الذى يمكن أن يقتنع فيه الإنسان بحكاية أسطورية تربط بينه وبين الكون ربطاً تاماً – وهذه الفترة – التى يطلق عليها عصر الجاهلية تمتد لمئات – وربما آلاف – السنين قبل ظهور الإسلام ، ومع ذلك فإن آثارها الأدبية التى وصلتنا لا تعود إلى أكثر من مائتى سنة قبل الهجرة ، وربما كانت الأجزاء التى وصلت إلينا أجزاء من كل أسطورى تفتت بفعل الزمن إلى شذرات وحكايات ظلت محتفظة بطابعها الأسطورى وعاشت حتى ظهور الإسلام الذى قضى على ما تبقى منها .

 ويتسق الفكر الدينى لدى بعض قبائل العرب فى الجاهلية مع الفكر الأسطورى المرتبط بدورة الأديان الأولى للبشرية ، ويتضح هذا فى الحكاية التى تحكى أن قبيلة مراد كانت تعبد نسراً يأتيها مرة كل عام فتضرب له القبيلة خباءً وتقترع على فتياتها لاختيار إحداهن للنسر كأضحية يأكلها ثم يؤتى له بخمر يشربها ثم يخبرهم بما يفعلون فى عامهم وينصرف عنهم .. وفى أحد الأعوام أصابت القرعة فتاة منهم ، فاتفقوا على فدائها بفتاة أخرى لمرادى مات وأم همدانية ، واتفق وصول خال الفتاة فى ذلك اليوم حيث لاحظ انكسار ابنة أخته فسأل أخته عن حالها فكتمته ودخلت الفتاة بعض بيوت أهلها وأخذت تنشد الشعر حزناً وحسرة على نفسها كى تسمع خالها ، وبالفعل سمع الخال فقال لأخته : ما بال بنتك ؟ فأخبرته بحالها .. فلما أمسى الهمدانى أخذ قوسه وسهمه ، ولما أقبل الليل قال لأخته ، إذا جاؤوك فادفعى ابنتك إليهم وانصرف متخذاً لنفسه مخبأ فى ركن خباء النسر .. وعندما أقبل المراديون على الهمدانية دفعت إليهم بابنتها فأدخلوها الخباء وانصرفوا ، وما إن هم النسر بها حتى رماه الهمدانى بسهم فأراده قتيلاً وأخذ أخته وابنتها ورحل ، وأحست مراد بعظم المصيبة بقتل النسر فأشعلت نار الحرب ضد قبيلة همدان ، وظل الصراع بينهما حتى جاء الإسلام فحجز بينهما . وربما كانت هذه القصة ومثيلاتها تفسيراً شعبياً للحروب الطويلة التى كانت تشتعل بين القبائل دونما سبب واضح .

 تمتد فترة العصور الجاهلية – كما ذكرنا من قبل – لآلاف السنين ، وقد انتقلت إلينا معظم الآثار الأدبية لهذه الفترة عن طريق المشافهة دون التدوين ، لذلك غلب الشعر فى هذه الآثار على النثر لارتباطه بالوزن والقافية وهو ما يساعد على حفظه ويحكم شكله إلى حد كبير ، أما النثر فسرعان ما تتغير تفاصيله – وربما أصوله – بمجرد انتقاله من جيل إلى جيل ، ومع ذلك فإن البحث أثبت أن القصاص الشعبى ( الحكواتى ) من أكثر الظواهر عند العرب انتشاراً واستمراراً وتمشياً مع روح الشعب وخياله ومتطلباته الاجتماعية وروحه القومى ، وقد عرفه العرب قديماً فى أشكال الراوى والقصاص منذ ما قبل ظهور الإسلام ، بل وامتد عبر العصور الإسلامية . وكان معاوية بن أبى سفيان يقضى ثلث الليل كل يوم فى سماع الحكايات والأخبار ، كما دفع ( عبد الله بن المقفع ) حياته ثمناً لكتابه كليلة ودمنة . ويروى أن الخليفة المعتمد – إزاء كثرة القصاصين فى عهده – أصدر أمراً بحظر نشاطهم خاصة أنهم كانوا يتخذون من المسجد والجامع مقراً لهم يحكون فيه الحكايات بطريقة تمثيلية .

 وفى بداية ظهور الإسلام كانت القوى المعادية له تحاول استخدام هذا السلاح – فن القص – لمواجهة التأثير الفعال للقرآن فى نفوس أهل الجزيرة العربية ، فشجعوا القصاصين على الانتشار وحكاية القصص المسلية عن رستم وسهراب وغيرها من أقاصيص الفرس لشغل الناس ومحاولة إثنائهم عن الاستجابة للدعوة الاسلامية .

 كل الشواهد تدل على أن العرب قبل الإسلام بزمن طويل – وبعده – قد عرفوا فن القص وأجادوا فيه ، وأن مسألة وجود تراث قصصى للعرب ليست محل جدل ونقاش ولا تحتاج لجهد إثبات بقدر ما تحتاج لجهد فى البحث والتحليل .

المراجع :

1)   د . عبد الحميد يونس : الحكاية الشعبية ، دار الكتاب العربى ، 1968 .

2)   د . نبيلة إبراهيم : أشكال التعبير الشعبى ، مكتبة غريب ، 1989م .

3)   د . محمود ذهنى : الأدب الشعبى العربى .. مفهومه ومضمونه ، 1972 م .

4)   د . على عقلة عرسان : الظواهر المسرحية عند العرب .

نشر فى : 

 مجلة "تراث" – الإمارات العربية المتحدة – العدد 61 سـنة 2003

 

المصدر: الكاتب
samibatta

أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى ، كما أرجو أن تتواصل معى وتفيدنى بآرائك ومناقشاتك وانتقاداتك ..

  • Currently 20/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
6 تصويتات / 570 مشاهدة
نشرت فى 30 مارس 2011 بواسطة samibatta

ساحة النقاش

سامى عبد الوهاب بطة

samibatta
أهلاً ومرحباً بك عزيزى القارئ .. أرجو ألاّ تندم على وقتك الذى تقضيه معى على صفحات هذا الموقع .. كما أرجو أن تتواصل معى بالقراءة والنقد والمناقشة بلا قيود ولا حدود .. ولكل زائر تحياتى وتقديرى .. »

ابحث

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

63,713